أوَّلُ ما بُدِئ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن الوحيِ الرُّؤيا الصَّادقةُ يراها في النَّومِ فكان لا يرى رؤيا إلَّا جاءت مِثْلَ فلَقِ الصُّبحِ ثمَّ حُبِّب له الخلاءُ فكان يأتي حِراءً فيتحنَّثُ فيه - وهو التعبُّدُ اللَّياليَ ذواتِ العِدَّةِ - ويتزوَّدُ لذلك ثمَّ يرجِعُ إلى خديجةَ فتُزوِّدُه لمثلِها حتَّى فَجِئَه الحقُّ وهو في غارِ حراءٍ فجاءه الملَكُ فيه فقال: اقرَأْ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فقُلْتُ: ما أنا بقارئٍ قال: فأخَذني فغطَّني حتَّى بلَغ منِّي الجَهْدَ ثمَّ أرسَلني فقال لي: اقرَأْ فقُلْتُ: ما أنا بقارئٍ فأخَذني فغطَّني الثَّانيةَ حتَّى بلَغ منِّي الجَهدَ ثمَّ أرسَلني فقال: اقرَأْ فقُلْتُ: ما أنا بقارئٍ فأخَذني فغطَّني الثَّالثةَ حتَّى بلَغ منِّي الجَهْدَ ثمَّ أرسَلني فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] - حتَّى بلَغ - {مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 5] - قال: فرجَع بها ترجُفُ بوادرُه حتَّى دخَل على خديجةَ فقال: زمِّلوني زمِّلوني فزمَّلوه حتَّى ذهَب عنه الرَّوعُ ثمَّ قال: يا خديجةُ ما لي ؟ وأخبَرها الخبرَ وقال: قد خشيتُه علَيَّ فقالت: كلَّا أبشِرْ فواللهِ لا يُخزيك اللهُ أبدًا إنَّك لَتصِلُ الرَّحمَ وتصدُقُ الحديثَ وتحمِلُ الكَلَّ وتَقري الضَّيفَ وتُعينُ على نوائبِ الحقِّ ثمَّ انطلَقَت به خديجةُ حتَّى أتَتْ به ورقةَ بنَ نوفلٍ وكان أخا أبيها وكان امرأً تنصَّر في الجاهليَّةِ وكان يكتُبُ الكتابَ العربيَّ فيكتُبُ بالعربيَّةِ مِن الإنجيلِ ما شاء أنْ يكتُبَ وكان شيخًا كبيرًا قد عمِيَ فقالت له خديجةُ: أيْ عمِّ، اسمَعْ مِن ابنِ أخيك فقال ورقةُ: ابنَ أخي، ما ترى ؟ فأخبَره رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما رأى فقال ورقةُ: هذا النَّاموسُ الَّذي أُنزِل على موسى يا ليتَني أكونُ فيها جذَعًا أكونُ حيًّا حينَ يُخرِجُك قومُك فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمُخرِجيَّ هم ؟ ! قال: نَعم لم يأتِ أحدٌ قطُّ بما جِئْتَ به إلَّا عُودِي وأوذي وإنْ يُدرِكْني يومُك أنصُرْك نصرًا مؤزَّرًا ثمَّ لم ينشَبْ ورقةُ أنْ تُوفِّي وفتَر الوحيُ فترةً حتَّى حزِن رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [ فيما بلَغَنا ] حزنًا غدَا منه مِرارًا لكي يتردَّى مِن رؤوسِ شواهقِ الجبالِ فكلَّما أوفى بذِروةِ جبلٍ كي يُلقيَ نفسَه منها تبدَّى له جبريلُ فقال له: يا محمَّدُ إنَّك رسولُ اللهِ حقًّا فيسكُنُ لذلك جأشُه وتقَرُّ نفسُه فيرجِعُ فإذا طال عليه فترةُ الوحيِ غدا لمثلِ ذلك فإذا أوفى بذِروةِ الجبلِ تبدَّى له جبريلُ فيقولُ له مثلَ ذلك

الدلالات الموضوعية:# إيمان - الملائكة# فضائل سور وآيات - فضل بعض الآيات والسور كالمسبحات ونحوها# إيمان - الإيمان بالوحي# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - أخلاق النبي# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - نزول الوحي عليه صلى الله عليه وسلم
المصدر: صحيح ابن حبان، تخريج صحيح ابن حبان
الراوي: عائشة أم المؤمنين
المحدث: ابن حبان، شعيب الأرناؤوط
الحكم:صحيح، وقول [ (فيما بلَغَنا ) هو من بلاغات الزهري] ومعلوم أن بلاغات الزهري واهية.، أخرجه في صحيحه

بيانات التخريج:

أخرجه ابن حبان (33) واللفظ له، البخاري (3)، ومسلم (160) باختلاف يسير.أخرجه البخاري (3)، ومسلم (160) باختلاف يسير.

الشرح والتوضيح

أَوَّلُ ما بُدِئَ به رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ في النَّوْمِ؛ فَكانَ لا يَرَى رُؤْيَا إلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، فَكانَ يَأْتي حِرَاءً فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وهو التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ- ويَتَزَوَّدُ لذلكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلى خَدِيجَةَ فَتُزَوِّدُهُ لِمِثْلِهَا، حتَّى فَجِئَهُ الحَقُّ وهو في غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فِيهِ، فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ له النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فَقُلتُ: ما أنَا بقَارِئٍ، فأخَذَنِي فَغَطَّنِي حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلتُ: ما أنَا بقَارِئٍ، فأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلتُ: ما أنَا بقَارِئٍ، فأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} حتَّى بَلَغَ {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5] .

فَرَجَعَ بهَا تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ، حتَّى دَخَلَ علَى خَدِيجَةَ، فَقالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُوهُ حتَّى ذَهَبَ عنْه الرَّوْعُ، فَقالَ: يا خَدِيجَةُ، ما لي؟ وأَخْبَرَهَا الخَبَرَ، وقالَ: قدْ خَشِيتُ علَى نَفْسِي، فَقالَتْ له: كَلَّا، أبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أبَدًا؛ إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ علَى نَوَائِبِ الحَقِّ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ به خَدِيجَةُ حتَّى أتَتْ به ورَقَةَ بنَ نَوْفَلِ بنِ أسَدِ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ قُصَيٍّ، وهو ابنُ عَمِّ خَدِيجَةَ؛ أخُو أبِيهَا، وكانَ امْرَأً تَنَصَّرَ في الجَاهِلِيَّةِ، وكانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العَرَبِيَّ، فَيَكْتُبُ بالعَرَبِيَّةِ مِنَ الإنْجِيلِ ما شَاءَ اللَّهُ أنْ يَكْتُبَ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا قدْ عَمِيَ، فَقالَتْ له خَدِيجَةُ: أيِ ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أخِيكَ، فَقالَ ورَقَةُ: ابْنَ أخِي، مَاذَا تَرَى؟ فأخْبَرَهُ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما رَأَى، فَقالَ ورَقَةُ: هذا النَّامُوسُ الذي أُنْزِلَ علَى مُوسَى، يا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، أكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ فَقالَ ورَقَةُ: نَعَمْ؛ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بمِثْلِ ما جِئْتَ به إلَّا عُودِيَ، وإنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا،ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ ورَقَةُ أنْ تُوُفِّيَ.

وفَتَرَ الوَحْيُ فَتْرَةً حتَّى حَزِنَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ -فِيما بَلَغَنَا- حُزْنًا غَدَا منه مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِن رُؤُوسِ شَوَاهِقِ الجِبَالِ، فَكُلَّما أوْفَى بذِرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ منه نَفْسَهُ، تَبَدَّى له جِبْرِيلُ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّكَ رَسولُ اللَّهِ حَقًّا، فَيَسْكُنُ لِذلكَ جَأْشُهُ، وتَقِرُّ نَفْسُهُ، فَيَرْجِعُ، فَإِذَا طَالَتْ عليه فَتْرَةُ الوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذلكَ، فَإِذَا أوْفَى بذِرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى له جِبْرِيلُ فَقالَ له مِثْلَ ذلكَ.

الراوي : عائشة أم المؤمنين المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 6982 خلاصة حكم المحدث : [صحيح]، [وقوله: (فترة حتى حزن النبي فيما بلغنا...إلخ) من بلاغات الزهري] التخريج : أخرجه مسلم (160)، وأحمد (25959) بنحوه.

كان أوَّلُ ما نزل الوَحيُ على رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمكَّةَ، وكانت أوَّلَ أزواجِه حينَئِذٍ أُمُّ المُؤمِنينَ خَديجةُ بنتُ خُوَيلِدٍ رَضِيَ اللهُ عنها، ولم يكُنْ معه غيرُها.

وفي هذا الحَديثِ تروي عائشةُ رَضِيَ اللهُ عنها عن بَدْءِ نُزولِ الوَحيِ على نَبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فتَذكُرُ أنَّ أوَّلَ ما أُوحِيَ إليه في البدايةِ، هو الرُّؤيا الصَّالحةُ الصَّادقةُ في النَّومِ، فكان لا يَرى رُؤيا في النَّومِ إلَّا تحقَّقَت وجاءت مِثلَ ضَوءِ الصُّبحِ صَحيحةً صادقةً واضِحةً، وكان يَأتي غارَ حِراءٍ -وهو على يَسارِ الذَّاهِبِ إلى مِنًى، وعلى بُعدِ (4 كم) من المسجِدِ الحرامِ-، «فيتحَنَّثُ فيه» أي: فيُكثِرُ هناك مِن عِبادةِ اللهِ تعالَى لَياليَ وأيَّامًا عَديدةً، ويأخُذُ ما يكفيه من الطَّعامِ والشَّرابِ لتلك الأيَّامِ، ثمَّ يَرجِعُ إلى خَديجةَ رَضِيَ اللهُ عنها، فيَأخُذُ زادًا جَديدًا يَصطَحِبُه معه إلى غارِ حِراءٍ مرَّةً أُخرى، واستمَرَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على الخلْوةِ والتَّعبُّدِ، حتَّى أشرَقَت عليه أنوارُ النبوَّةِ، ونزَلَ عليه الوحيُ الصَّريحُ مُرسَلًا مِن رَبِّ العِزَّةِ، ولم يَشعُرْ إلَّا وجِبريلُ واقِفٌ أمامَ عَيْنَيه يقولُ له: «اقرأْ»، فأجابه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «ما أنا بقارئٍ»، أي: كيْف أستطيعُ القراءةَ وأنا أمِّيٌّ لا أقدِرُ عليها ولا عِلمَ لي بها؟ فأمسَكَ به جِبريلُ واحتضَنَه وضَمَّه ضَمَّةً شَديدةً، حتى بلَغَ منه أقْصى ما تَتحَمَّلُه الطَّاقةُ البَشَريَّةُ، وإنَّما فَعَل ذلك؛ إيناسًا له، وتَقْويةً لِنَفسِه، وتَنْشيطًا لِقَلبِه على تَلقِّي الوَحيِ الإلهيِّ، ثمَّ أطلَقَه، وقد أعاد عليه المَلَكُ جِبريلُ عليه السَّلامُ مرَّةً ثانيةً، وأعتذر له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمِثْلِ ما اعتذر له في المرَّةِ الأُولى، وفي الثَّالِثةِ ضَمَّه الملَكُ، وقال له: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} أي: اقرأْ ما أقولُه لك، وأُبَلِّغُه إليك مُستعينًا باسمِ اللهِ وحَولِه وقُوَّتِه، وإقدارِه لك على القراءةِ؛ فإنَّ الخالِقَ العظيمَ الذي وهَبَ الوجودَ لكُلِّ مَوجودٍ، وأوجَدَ الأشياءَ على غيْرِ مِثالٍ سابقٍ؛ قادِرٌ على تَمكينِك مِن القراءةِ دونَ أنْ تَتوفَّرَ فيك أسبابُها، وأقرأه أوَّلَ سُورةِ العَلَقِ حتى بلَغَ: {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5] ، فرجَعَ بها صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى بيته وهو في حالةٍ مِنَ الخَوفِ تَرجُفُ «بَوادِرُه» جمْعُ بادرةٍ، وهي اللَّحمةُ التي بيْن الكَتِف والعُنقِ تَضطَرِبُ عندَ الفزعِ، حتَّى دخَل على خَديجةَ رَضِيَ اللهُ عنها، فقال: «زَمِّلوني زَمِّلوني»، أي: غَطُّوني بالثِّيابِ ولُفُّوني بها، وطلَبَ ذلك ليَسكُنَ ما حصَلَ له مِن الرِّعدةِ مِن شِدَّةِ هوْلِ الأمرِ وثِقَلِه، فغَطَّوه كما أمَرَهم حتَّى ذهَبَ عنه الفَزَعُ، ثم قال لخديجةَ رَضِيَ اللهُ عنها: يا خَديجةُ، ما لي؟ وأخبَرَها ما حدث معه، وقال: «لقد خَشِيتُ على نَفْسي» ألَّا أُطيقَ حَمْلَ أعباءِ الوَحيِ؛ لِما لَقِيتُه عندَ لِقاءِ المَلَكِ، قالت خَديجةُ رَضِيَ اللهُ عنها: كلَّا، لا خوْفٌ عليك، أبشِرْ، فواللهِ لا يُخزِيك اللهُ أبدًا، ولن يُضَيِّعَك، ثم جعَلَت تهوِّنُ عليه ما هو فيه، فقالت: واللهِ إنَّك لَتَصِلُ الرَّحِمَ، بالإحسانِ إلى أقربائِك، وتَصْدُقُ الحَديثَ، فلا تَكذِبُ، وتُعرَفُ بالصَّادِقِ، وتَحمِلُ الكَلَّ، وهو الضَّعيفُ المُنقَطِعُ، واليتيمُ، وتتبرَّعُ بالمالِ لِمن عُدِمَه، وتُعطي النَّاسَ ما لا يَجِدونَه عندَ غَيرِك، وتُكرِمُ الضَّيفَ وتُهَيِّئُ له طَعامَه ونُزُلَه، و«تُعينُ على نوائِبِ الحَقِّ»، النَّوائِبُ جمع نائِبةٍ، وهي ما يَنزِلُ بالإنسانِ مِن المهِمَّاتِ، وأُضيفَت إلى الحَقِّ لأنها تكونُ في الحَقِّ والباطِلِ، وهذه الخَصلةُ جامِعةٌ لِما سبق من الخِصالِ وغَيرِه.

ثم بعد أن هدَأَ ذهبت به خَديجةُ مُصاحِبةً له إلى وَرَقةَ بنِ نَوفلٍ، وهو ابنُ عَمِّ خَديجةَ، أخو أبيها، وكان وَرَقةُ قدْ تَنصَّرَ في الجاهليَّةِ، وكان يَكتُبُ باللُّغةِ العربيَّةِ، «ويَكتُبُ مِن الإنجيلِ بالعَرَبيَّةِ ما شاءَ اللهُ أنْ يَكتُبَ»؛ وذلك لتَمَكُّنِه في دينِ النَّصارى ومَعرِفَتِه بكِتابِهم، وكان وَرقةُ شيْخًا كَبيرًا قدْ عَمِيَ، فقالت له خَديحةُ: يا عَمِّ، اسمَعْ مِن ابنِ أخيك، تعني: النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنَّ الأبَ الثَّالثَ لِوَرقةَ هو الأخُ للأبِ الرَّابِعِ لِرَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأخبَرَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خبَرَ ما رآهُ، فقال له وَرَقةُ: «هذا النَّاموسُ» أي: جبريلُ، الذي أُنزِلَ على موسى، ثم قال للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لَيْتني في مُدَّةِ النبوَّةِ -أو الدَّعوةِ- «جَذَعًا»، أي: شابًّا قويًّا، والجَذَعُ: الصَّغيرُ مِنَ البهائِمِ، ليْتَني أكونُ حَيًّا حِين يُخرِجُك قَومُك مِن مَكَّةَ، فسأله رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «أَوَمُخرجِيَّ همْ؟!» فأجابه وَرَقةُ: نعمْ؛ لم يَأتِ رَجُلٌ بما جِئتَ به مِنَ الوَحيِ إلَّا أوذِيَ وعُودِيَ؛ لأنَّه يدعو النَّاسَ إلى دينٍ جديدٍ على غيرِ ما أَلِفوه واعتادوه.

ثم قال وَرَقةُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وإنْ يُدرِكْني يومُ انتشارِ نُبوَّتِك حَيًّا، أنصُرْك نَصرًا قَويًّا بَليغًا، ولكِنَّ الأقدارَ بيَدِ اللهِ، فلم يَلْبَثْ وَرَقةُ أنْ تُوُفِّيَ بَعْدَ مُدَّةٍ وَجيزةٍ.

ثم أخبَرَ الزُّهريُّ أنَّه بلغه أنَّه احتبَسَ جبريلُ ولم يَنزِلْ بالوَحيِ مُدَّةً قُرابةَ ثَلاثِ سَنواتٍ، حتى حَزِنَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم «حُزنًا غَدَا منه مرارًا»، أي: ذَهَبَ بِسَبَبِ ذلك الحُزنِ عِدَّةِ مَرَّاتٍ؛ كي يُسقِطَ نَفْسَه مِن رُؤوسِ مُرتَفعَاتِ الجِبالِ العاليةِ، فكلمَّا وصل إلى أعلى الجَبَل لكي يُلقِيَ منه نَفْسَه، ظهر له جِبريلُ، فقال: يا محمَّدُ، إنَّك رَسولُ اللهِ حقًّا، فيَسكُنُ لذلك اضْطرابُ قَلْبِه، وتهْدأُ نَفْسُه، فيَرجِعُ، فإذا طالتْ عليه مُدَّةُ انقِطاعِ الوَحْيِ فَعَل مِثْلَ ذلك، ويظهَرُ له جِبريلُ ويخبرُه بأنَّه رَسولُ الله حقًّا، فتَسكُنُ نَفْسُه وتَهدَأُ.

وفي هذا شُبهةُ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حاوَلَ الانتحارَ، وهذا مِن ضُروبِ الخَيالِ والتَّلفيقِ؛ لعِدَّةِ أسبابٍ: أولًا: لم يَرِدْ عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أو عن صَحابَتِه المقَرَّبِينَ له أو غيرِهم، في ذلك شَيءٌ لا صَحيحٌ ولا ضَعيفٌ.

ثانيًا: أنَّ مِن بَعدِ قَولِ عائشة: «ثمَّ لم يَنشَبْ وَرَقةُ أنْ تُوفِّي» ليس من نَصِّ الحديثِ، ولكنَّه مِن كَلامِ الزُّهريِّ الذي أخبَرَ بالحَديثِ على أنَّه بلاغٌ، فليس على شَرطِ البُخاريِّ في شَيءٍ؛ لأنَّها مَقطوعةُ الإسنادِ مِن أوَّلِها.

ثالثًا: روى البُخاريُّ حَديثَ نُزُولِ الوَحيِ أكثَرَ مِن مَرَّة دونَ ذِكرِ هذه القصَّةِ.

وفي الحَديثِ: إيمانُ وَرَقةَ بنِ نوفَل.

وفيه: أنَّ رُؤيا النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والأنبياءِ جَميعًا وَحيٌ إلهيٌّ.

وفيه: أنَّ أوَّلَ ما نَزَل من الوحيِ القُرآنيِّ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}.

وفيه: أنَّ الخائِفَ لا يَنْبغي أنْ يُسأَلَ حتَّى يَهدَأَ.

وفيه: أنَّ مَكارِمَ الأخلاقِ سبَبٌ للسَّلامةِ مِن المَكارِه.

وفيه: مَدْحُ الإنسانِ في وَجهِه بصِدقٍ إذا لم يُخشَ عليه الغُرورُ والإعجابُ بنَفسِه.

وفيه: مُحاولةُ التَّخفيفِ عمَّن أصابه الفَزَع، والتَّسريةِ عنه، وتَطْمينِ قَلبِه، وتَهدِئةِ نفْسِه.

وفيه: فضْلُ خَديجةَ رَضِيَ الله عنها ورَجاحةُ عَقْلِها، وحُسنُ تَصَرُّفهِا في المواقِفِ الصَّعبةِ.

وفيه: على المُستَشارِ أنْ يوضِّحَ رأْيَه، ويَدعَمَه بالأدلَّةِ المُقنِعةِ.

الأصول والأحكام

صحيح ابن حبان - مخرجا (1/ 216) 33 - أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة، حدثنا ابن أبي السري، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: أول ما بدئ برسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة يراها في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب له الخلاء، فكان يأتي حراء، فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدة ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة ، فتزوده لمثلها، حتى فجئه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه فقال: اقرأ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقلت: ما أنا بقارئ ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال لي: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] حتى بلغ {ما لم يعلم} [العلق: 5]، قال: فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة، فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع.

ثم قال: يا خديجة ما لي؟ وأخبرها الخبر وقال: قد خشيته علي، فقالت: كلا أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل، وكان أخا أبيها، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: أي عم، اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: ابن أخي، ما ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني أكون فيها جذعا، أكون حيا حين يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت أحد قط بما جئت به إلا عودي وأوذي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا.

ثم لم ينشب ورقة أن توفي.

وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا لكي يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل كي يلقي نفسه منها تبدى له جبريل، فقال له: يا محمد، إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه، فيرجع، فإذا طال عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل فيقول له مثل ذلك.

[صحيح البخاري] (1/ 7) :

3 - حدثنا يحيى بن بكير ، قال: حدثنا الليث ، عن عقيل، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير، عن ‌عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه وهو التعبد ‌الليالي ‌ذوات ‌العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ.

قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم} فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، ابن عم خديجة، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك.

فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أومخرجي هم؟! قال: نعم.

لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا.

ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي.

[صحيح مسلم] (1/ 97) :

252 - (160) حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن سرح ، أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يونس ، عن ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أنها قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي: الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه، وهو التعبد الليالي أولات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى فجئه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قال: قلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم} فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة، فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، ثم قال لخديجة: أي خديجة، ما لي، وأخبرها الخبر، قال: لقد خشيت على نفسي، قالت له خديجة: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: أي عم، اسمع من ابن أخيك، قال ورقة بن نوفل: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله

صلى الله عليه وسلم خبر ما رآه، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى صلى الله عليه وسلم، يا ليتني فيها جذعا، يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أومخرجي هم؟ قال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به، إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا .

أحاديث ذات صلة