أنَّ رَجُلًا نَزَلَ بأبي بَكرٍ مَقطوعَ اليَدِ والرِّجْلِ، فقال: مَن قَطَعَكَ؟، قال: أميرُ اليَمَنِ، فقال أبو بَكرٍ: لئن قَدَرتُ عليه، فجَعَلَ يُصَلِّي باللَّيلِ، فقال أبو بَكرٍ: ما لَيلُكَ بلَيلِ سارِقٍ، ففَقَدوا لأسماءَ حُليًّا، قال: فجَعَلَ يَدْعو على مَن أخَذَه، وقال: أهلُ بيتٍ صالِحونَ، قال: فوَجَدوه عندَ صائِغٍ، فأشارَ به فاعتَرَفَ، فأرادَ أبو بَكرٍ أنْ يقطَعَ رِجْلَه فأَبَوْا عليه، وقالوا: قد عَلِمتَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَنَّ اليَدَ بعدَ الرِّجْلِ، فقَطَعَ يَدَه، فقال أبو بَكرٍ: لَغِرَّتُه باللهِ أشَدُّ عليَّ من سَرِقَتِه.
أخرجه مالك (3089)، والشافعي في ((المسند)) (336)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (5/ 76) واللفظ لهم جميعا.
أنَّ رَجُلًا مُولَّدًا أطلَسَ من أهلِ مكَّةَ كان يَخدُمُ أبا بَكرٍ في خِلافَتِه، فلَطَفَ به حتى بَعَثَ أبو بَكرٍ رضِيَ اللهُ عنه مُصدِّقًا فبَعَثَه معه، وأَوْصاه به، فلَبِثَ قريبًا من شَهرٍ، ثم جاءَ يوضِعُ بَعيرَه قد قَطَعَه المُصدِّقُ، فلمَّا رَآه أبو بَكرٍ قال: وَيلَكَ ما لكَ؟، قال: يا أبا بَكرٍ، وَجَدَني خُنتُ فَريضةً، فقَطَعَ فيها يَدي، قال أبو بَكرٍ رضِيَ اللهُ عنه: قاتَلَ اللهُ هذا الذي قَطَعَ يَدَكَ في فَريضةٍ خُنتَها، واللهِ إنِّي لأَراه يَخونُ أكثَرَ من ثلاثينَ فَريضةً، والذي نَفْسي بيَدِه لئن كُنتَ صادِقًا لأُقيدَنَّكَ منه، فمَكَثَ عندَ أبي بَكرٍ بمَنزِلَتِه التي بها كان يقومُ، فيُصَلِّي منَ اللَّيلِ، فيَتَعارُّ أبو بَكرٍ عن فِراشِه، فإذا سَمِعَ قِراءَتَه فاضتْ عَيْناه، وقال: قاتَلَ اللهُ الذي قَطَعَ يَدَ هذا، قالت: فبَينا نحن على ذلك، طُرِقَتْ أسماءُ بنتُ عُمَيسٍ فسُرِقَ بيتُها، فلمَّا صَلَّى أبو بَكرٍ رضِيَ اللهُ عنه صَلاةَ الفَجرِ قامَ في الناسِ، فقال: إنَّ الحيَّ قد طُرِقوا اللَّيلَ فسُرِقوا، فانْفَضُّوا لابتِغاءِ متاعِهم، قالت: فاستأذَنَ علينا ذلك الأقطَعُ، وأنا جالِسةٌ في حِجالٍ، فقال: يا أبا بَكرٍ، سُرِقتُمُ الليلةَ؟ قال: نَعَمْ قال: فرَفَعَ يَدَه الصَّحيحةَ ويَدَه الجَذْماءَ، فقال: اللَّهُمَّ عَيِّنْ على سارِقِ أبي بَكرٍ، قالت: فواللهِ ما ارتَفَعَ النَّهارُ حتى أُخِذَتِ السَّرِقةُ من بيتِه، فأُتِيَ به أبو بَكرٍ، فقال له: وَيحَكَ، واللهِ ما أنتَ باللهِ بعالِمٍ، اذهَبوا به فاقطَعوه.
الراوي : عائشة أم المؤمنين المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج مشكل الآثار الصفحة أو الرقم: 5/ 75 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح على شرطهما التخريج : أخرجه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (5/ 75) بلفظه، وابن المبارك في ((المسند)) (149) باختلاف يسير، والدارقطني (3403) بنحوه.
بَيَّنَتِ الشَّريعةُ أحكامَ إقامةِ العُقوباتِ على الجُناةِ، وأنَّ العُقوبةَ لا بُدَّ أن تَكونَ إمَّا ببَيِّنةٍ أو إقرارِ المُتَّهَمِ على نَفسِه بالجِنايةِ، ومِن ذلك حَدُّ السَّرِقةِ، فلا تُقامُ إلَّا ببَيِّنةٍ أو إقرارِ السَّارِقِ على نَفسِه بالسَّرِقةِ.
وفي هذا الحَديثِ تُخبرُ عائِشةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ رَجُلًا مُوَلَّدًا وهو العَبدُ الذي يولَدُ بَينَ العَرَبِ ويَنشَأُ مَعَ أولادِهم، أطلَسَ، أي: أسودَ وَسِخًا.
والطُّلسةُ: غُبرةٌ إلى سَوادٍ، وقيل: الأطلسُ: اللِّصُّ، شُبِّهَ بالذِّئبِ الذي تَساقَطَ شَعرُه، مِن أهلِ مَكَّةَ، كان يَخدُمُ أبا بَكرٍ في خِلافتِه، أي: كان يَقومُ على خِدمةِ أبي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه في زَمَنِ خِلافتِه، فلطَف به، أي: لعَلَّه كَما جاءَ موضَّحًا في رِوايةٍ أُخرى أنَّه طَلبَ مِن أبي بَكرٍ أن يُرسِلَه مَعَ ساعي الزَّكاةِ، وأبو بَكرٍ يَقولُ له: بَل تَجلسُ عِندَنا، وهو يَأبى إلَّا أن يُرسِلَه مَعَ السَّاعي، حتَّى بَعَثَ أبو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه مُصَدِّقًا فبَعَثَه مَعَه وأوصاه به، أي: أرسَل أبو بَكرٍ ساعيَ الصَّدَقةِ لجَمعِ الصَّدَقاتِ وأرسَل هذا الرَّجُلَ مَعَ السَّاعي، وأوصى أبو بَكرٍ السَّاعيَ بالرَّجُلِ خَيرًا أن يُحسِنَ إليه ويَلطُفَ به، فلبثَ الرَّجُلُ قَريبًا مِن شَهرٍ، أي: ظَلَّ مُنقَطِعًا عن أبي بَكرٍ مُدَّةَ شَهرٍ، ثُمَّ جاءَ يوضَعُ بعيرُه، أي: يَحمِلُ جَمَله على سُرعةِ السَّيرِ، قد قَطَعَه المُصَدِّقُ، أي: أنَّ ساعيَ الصَّدَقةِ الذي أرسَلَه أبو بَكرٍ قد قَطَعَ يَدَ الرَّجُلِ، فلمَّا رَأى أبو بَكرٍ الرَّجُلَ ويَدُه مَقطوعةٌ، قال له: وَيلَك! وهيَ كَلمةُ تَرَحُّمٍ وتَوجُّعٍ تُقالُ لمَن وقَعَ في هَلَكةٍ لا يَستَحِقُّها، ثُمَّ استُعمِلَت لمُجَرَّدِ الزَّجرِ، ما لك؟ أي: ما الذي جَرى لك، ولماذا قُطِعَت يَدُك؟ فقال الرَّجُلُ: يا أبا بَكرٍ، وجَدَني خُنتُ فريضةً، فقَطَعَ فيها يَدي! أي: أنَّ ساعيَك وجَدَني قد أخَذتُ مِنَ الزَّكاةِ التي هيَ الفريضةُ فقَطَعَ يَدي، فقال أبو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه: قاتَل اللهُ هذا الذي قَطَعَ يَدَك في فريضةٍ خُنْتَها، واللهِ إنِّي لأراه يَخونُ أكثَرَ مِن ثَلاثينَ فريضةً! أي: أنَّ أبا بَكرٍ صَدَّقَ الرَّجُلَ ودَعا على السَّاعي كَيف يَقطَعُ يَدَه في فريضةٍ ويَزعُمُ أنَّه خان فيها، وهو يَخونُ في أكثَرَ مِن ثَلاثينَ فريضةً! ثُمَّ قال أبو بَكرٍ: والذي نَفسي بيَدِه لئِن كُنتَ صادِقًا لأُقِيدَنَّك مِنه، أي: إذا ظَهَرَ صِدقُ كَلامِك فسَوف أقتَصُّ لك مِنَ السَّاعي، فمَكَثَ هذا الرَّجُلُ عِندَ أبي بَكرٍ بمَنزِلتِه التي بها، أي: مِن سابِقِ عَهدِه مِن خِدمةِ أبي بَكرٍ، وكان الرَّجُلُ يَقومُ فيُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ، أي: يَجتَهدُ ويَحرِصُ على قيامِ اللَّيلِ، فيتعارُّ، أي: يَستَيقِظُ ويَتَقَلَّبُ أبو بَكرٍ عن فِراشِه، فيَسمَعُ قِراءةَ الرَّجُلِ باللَّيلِ، فإذا سَمِعَ قِراءَتَه فاضَت عَيناه، أي: يَبكي أبو بَكرٍ مِن سَماعِه لقِراءةِ الرَّجُلِ، وقال: قاتَل اللهُ الذي قَطَعَ يَدَ هذا! أي: يَدعو على مَن قَطَعَ يَدَ الرَّجُلِ، كَيف قَطَعَ يَدَه وهو قانِتٌ قائِمٌ للهِ مُجتَهِدٌ في العِبادةِ؟! تَقولُ عائِشةُ: فبَينا نَحنُ على ذلك، أي: عِندَما كان أمرُنا على ذلك الحالِ وفي ذلك الوقتِ، طَرَقَت أسماءُ بنتُ عُمَيسٍ، وهيَ زَوجةُ أبي بَكرٍ.
الطَّارِقُ: هو الآتي باللَّيلِ، فسُرِقَ بَيتُها، أي: أنَّ أسماءَ بنتَ عُمَيسٍ جاءَ مَن سَرَقَ مِن بَيتِها في اللَّيلِ بَعضَ مَتاعِ البَيتِ ولم يَعرِفوا مَن هو، فلمَّا صَلَّى أبو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه صَلاةَ الفَجرِ قامَ في النَّاسِ، فقال: إنَّ الحَيَّ قد طُرِقوا اللَّيلَ فسُرِقوا، أي: أتاهم آتٍ فسَرَقَ بَعضَ ما عِندَهم، فانفضُّوا لابتِغاءِ مَتاعِهم، أي: قاموا يَبحَثونَ عنِ الشَّيءِ الذي سُرِقَ منهم.
تَقولُ عائِشةُ: فاستَأذَنَ علينا ذلك الأقطَعُ، أي: الرَّجُلُ القائِمُ اللَّيلِ، وأنا جالسةٌ في حِجالٍ، وهيَ بَيتٌ كالقُبَّةِ يُستَرُ بالثِّيابِ، فقال هذا الأقطَعُ: يا أبا بَكرٍ، سُرِقتُمُ اللَّيلةَ؟ فقال أبو بَكرٍ: نَعَم.
فرَفعَ الأقطَعُ يَدَه الصَّحيحةَ ويَدَه الجَذماءَ، أي: المَقطوعةَ، فقال: اللهُمَّ عَيِّنْ على سارِقِ أبي بَكرٍ، أي: أنَّه أخَذَ يَدعو اللهُ أن يُبَيِّنَ ويُظهِرَ مَن سَرَقَ بَيتَ أبي بَكرٍ، وفعَل ذلك حتَّى يُبعِدَ عن نَفسِه أيَّ شَكٍّ في كَونِه السَّارِقَ! قالت عائِشةُ: فواللهِ ما ارتَفعَ النَّهارُ، أي: انتَصَف، حتَّى أُخِذَتِ السَّرِقةُ مِن بَيتِه! أي: حتَّى بَحَثوا فوجَدوا المَسروقَ في بَيتِ هذا الأقطَعِ.
فأُتِيَ به أبو بَكرٍ، أي: جاؤوا بهذا الأقطَعِ إلى أبي بَكرٍ، فقال له أبو بَكرٍ: وَيحَك! واللهِ ما أنتَ باللهِ بعالمٍ.
وفي رِوايةٍ: إنَّك لقَليلُ العِلمِ باللهِ، أي: لم تَكُنْ أنتَ مِمَّن يَعلمونَ باللهِ حَقَّ عِلمِه؛ إذ لو كُنتَ تَعلمُ باللهِ حَقَّ عِلمِه لَما دَعَوتَ اللَّهَ أن يُظهرَ أمرَ السَّارِقِ، ولكِن لجَهلِك باللهِ فضَحَكَ اللهُ وأظهَرَ أمرَك.
ثُمَّ أمَرَ أبو بَكرٍ به وقال: اذهَبوا به فاقطَعوه، أي: اقطَعوا رِجلَه، كَما جاءَ مُبَيَّنًا في رِوايةٍ أُخرى؛ وذلك لكَونِه قد قُطِعَت يَدُه اليُمنى سابقًا، ومَن سَرَقَ مَرَّةً أُخرى لا تُقطَعُ يَدُه اليُسرى بَل رِجلُه، ووُجودُ الشَّيءِ المَسروقِ في مَنزِلِه دَليلٌ على أنَّه كان أقَرَّ مَعَ ذلك بسَرِقَتِه.
وفي الحَديثِ عَدَمُ الاغتِرارِ بالظَّاهرِ.
وفيه مَشروعيَّةُ إقامةِ العُقوبةِ بظُهورِ البَيِّنةِ والإقرارِ .
موطأ مالك ت الأعظمي (5/ 1221) 3089 - مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه ؛ أن رجلا من أهل اليمن، أقطع اليد والرجل قدم فنزل على أبي بكر الصديق.
فشكا إليه أن عامل اليمن قد ظلمه.
فكان يصلي من الليل.
فيقول أبو بكر: وأبيك.
ما ليلك بليل سارق.
ثم إنهم فقدوا عقدا لأسماء بنت عميس.
امرأة أبي بكر الصديق.
فجعل الرجل يطوف معهم ويقول: اللهم عليك بمن بيت أهل هذا البيت الصالح.
فوجدوا الحلي عند صائغ.
زعم أن الأقطع جاءه به.
فاعترف به الأقطع.
أو شهد عليه به.
فأمر به أبو بكر.
فقطعت يده اليسرى.
وقال أبو بكر: والله لدعاؤه على نفسه أشد عندي عليه من سرقته.
مسند الشافعي (ص336) :
أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه ، أن رجلا، من أهل اليمن أقطع اليد والرجل قدم على أبي بكر فشكى إليه أن عامل اليمن ظلمه وكان يصلي من الليل فيقول أبو بكر رضي الله عنه: وأبيك ما ليلك بليل سارق إنهم افتقدوا حليا لأسماء بنت عميس امرأة أبي بكر فجعل الرجل يطوف معهم ويقول: اللهم عليك بمن بيت أهل هذا البيت الصالح، فوجدوا الحلي عند صائغ وأن الأقطع جاءه به فاعترف الأقطع، أو شهد عليه فأمر به أبو بكر رضي الله عنه فقطعت يده اليسرى، وقال أبو بكر رضي الله عنه: والله لدعاؤه على نفسه أشد عندي من سرقته
شرح مشكل الآثار (5/ 76) :
وهو ما قد حدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب أن مالكا أخبره ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه أن رجلا من أهل اليمن أقطع اليد والرجل قدم فنزل على أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، فشكا إليه أن عامل اليمن ظلمه ، فكان يصلي من الليل ، فيقول أبو بكر: ما ليلك بليل سارق ، ثم إنهم افتقدوا حليا لأسماء بنت عميس امرأة أبي بكر ، فجعل الرجل يطوف معهم ويقول: اللهم عليك بمن بيت أهل هذا البيت الصالح ، فوجدوا الحلي عند صائغ زعم أن الأقطع جاءه به ، فاعترف به الأقطع ، أو شهد عليه به ، فأمر به فقطعت يده اليسرى ، وقال أبو بكر: والله لدعاؤه على نفسه أشد عندي من سرقته ، فقال هذا القائل: ففي هذا الحديث الشك فيما كان قطع به من اعتراف أو شهادة عليه.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أن ذلك الشك إنما كان من بعض رواة الحديث وليس فيه تحقيق أن ذلك كان ببينة شهدت عليه