[عن عبدالله بن الزبير] أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «واللهِ لقدْ رَأيْتُني أنظُرُ إلى هِندَ بِنتِ عُتْبةَ وصَواحِباتِها مُشمِّراتٍ هَوارِبَ، ما دونَ أخْذِهنَّ قَليلٌ ولا كَثيرٌ؛ إذْ مالَتِ الرُّماةُ إلى العَسكَرِ، حتَّى كشَفَنا القَومُ عنه يُريدونَ النَّهبَ، وخَلَّوْا ظَهْرَنا للخَيلِ، فأُتِينا من أدْبارِنا، وصرَخَ صارِخٌ: ألَا إنَّ محمَّدًا قد قُتِلَ فانْكَفأْنا، وانْكَفأَ القَومُ بعدَ أنْ أصَبْنا اللِّواءَ، حتَّى ما يَدْنو منه أَحدٌ منَ القَومِ».
واللهِ إني لأنظُرُ يومئذٍ إلى خدمِ النساءِ مشمراتٍ يَسعَينَ ، حين انهزَم القومُ وما أرى دون أحدهِنَّ شيئًا ، وإنا لنحسبُهم قتلى ما يرجِعُ إلينا منهم أحدٌ ، ولقد أُصيبَ أصحابُ اللواءِ ، وصبَروا عندَه ، حتى صار إلى عبدٍ لهم حبشيٍّ يقالُ له : صوابٌ ، ثم قُتِل صوابٌ فطُرِح اللواءُ فما يَقرَبُه أحدٌ مِن خلقِ اللهِ ، حتى وثَبَتْ إليه عمرةُ بنتُ علقمةَ الحارثيةُ فرفَعَتْه لهم ، وثاب إليه الناسُ ، قال الزبيرُ : فواللهِ إنا كذلك قد علَوناهم وظهَرْنا عليهِم ، إذ خالَفَتِ الرماةُ عن أمرِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فأقبَلوا إلى العسكرِ حين رأَوه مختلًّا قد أجهَضْناهم عنه ، فرغِبوا في الغنائمِ ، وترَكوا عهدَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجعَلوا يأخُذونَ الأمتعةَ فأتَتْنا الخيلُ مِن خلفِنا فحطمَتْنا فكرَّ الناسُ مُنهَزِمينَ ، فصرَخ صارخٌ يرونَ أنه الشيطانُ : ألا إنَّ محمدًا قد قُتِل ، فانحطَم الناسُ ، وركِب بعضُهم بعضًا فصاروا ثلاثةً : ثلثًا جريحًا ، وثلثًا مقتولًا ، وثلثًا منهزمًا ، قد بلغَتِ الحربُ ، وقد كانتِ الرماةُ اختلَفوا فيما بينهم ، فقالتْ طائفةٌ : رأَوا الناسَ وقَعوا في الغنائمِ وقد هزَم اللهُ المشرِكينَ ، وأخَذ المسلمونَ الغنائمَ ، فماذا تنتظِرونَ ، وقالتْ طائفةٌ : قد تقدَّم إليهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونهاكم أن تُفارِقوا مكانَكم ، إن كانتْ عليه ، أو له ، فتنازَعوا في ذلك ، ثم إنَّ الطائفةَ الأولى منَ الرماةِ أبَتْ إلا أن تَلحَقَ بالعسكرِ فتفرَّق القومُ ، وترَكوا مكانَهم ، فعندَ ذلك حملَتْ خيلُ المشرِكينَ الراوي : الزبير بن العوام المحدث : البوصيري المصدر : إتحاف الخيرة المهرة الصفحة أو الرقم: 5/219 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح ، وله شاهد التخريج : أخرجه إسحق بن راهويه كما في ((إتحاف الخيرة المهرة)) للبوصيري (5/219) لمَّا هاجَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المَدينةِ وفُرِضَ الجِهادُ، بَدَأت غَزَواتُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومِن تلك الغَزَواتِ غَزوةُ أُحُدٍ في السَّنةِ الثَّالثةِ للهِجرةِ في شَهرِ شَوَّالٍ، ومِمَّا جاءَ في أحداثِ غَزوةِ أُحُدٍ؛ يَقولُ الزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عنه: واللهِ إنِّي لأنظُرُ يَومئِذٍ، أي: يَومَ غَزوةِ أُحُدٍ، إلى خَدَمِ النِّساءِ، أي: النِّساءِ اللَّاتي خَرَجنَ مَعَ المُشرِكينَ، مُشَمِّراتٍ يَسعَينَ، أي: وهنَّ قد رَفعنَ عن ثيابِهنَّ يَسعَينَ هَرَبًا حينَ انهَزَمَ القَومُ، أي: حينَ انهَزَمَ المُشرِكونَ في بدايةِ المَعرَكةِ، وما أرى دونَ أخذِهنَّ شَيئًا، أي: فرَرنَ وتَرَكنَ الأمتِعةَ وكُلَّ شَيءٍ، وإنَّا لنَحسَبُهم قَتلى ما يَرجِعُ إلينا مِنهم أحَدٌ، أي: كُنَّا نَظُنُّ المُشرِكينَ قد قُتِلوا ولم يَبقَ مِنهم أحَدٌ، وأنَّه لن يَرجِعَ مِنهم إلينا أحَدٌ.
ولقد أُصيبَ أصحابُ اللِّواءِ، وهو العَلَمُ الذي في الحَربِ يُعرَفُ به مَوضِعُ صاحِبِ الجَيشِ، أي: أنَّ حامِلي لواءِ المُشرِكينَ أُصيبوا وقُتِلوا، وصَبَروا عِندَه، أي: صابَروا في حَملِ اللِّواءِ إلى أن قُتِلوا، حتَّى صارَ اللِّواءُ إلى عَبدٍ لهم، أي: للمُشرِكينَ، حَبَشيٍّ يُقالُ له: صَواب.
فأخَذَه وأمسَكَه، ثُمَّ قُتِل صَواب، فطَرَحَ اللِّواءَ، أي: أُلقيَ على الأرضِ، فما يَقرَبُه أحَدٌ مِن خَلقِ اللهِ، أي: لم يَستَطِعْ أحَدٌ مِنَ المُشرِكينَ أن يَصِلَ إلى مَكانِ اللِّواءِ مِن شِدَّةِ مَن يُقتَلُ عِندَه، حتَّى وثَبَت، أي: قامَت وذَهَبَت، إليه عَمرةُ بنتُ عَلقَمةَ الحارِثيَّةُ، فرَفعَته لهم، أي: ذَهَبَت ورَفعَتِ اللِّواءَ، وثابَ إليه النَّاسُ، أي: تَجمَّعُ المُشرِكونَ حَولَ اللِّواءِ والتَفُّوا به.
يَقولُ الزُّبَيرُ: فواللهِ إنَّا كذلك قد عَلَوناهم وظَهَرنا عليهم، أي: لمَّا اشتَدَّ القِتالُ واجتَمَعوا حَولَ اللِّواءِ كُنَّا قدِ انتَصَرنا على المُشرِكينَ وكان النَّصرُ لنا، إذ خالفتِ الرُّماةُ عن أمرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ وذلك أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جَعَل جَماعةً مِنَ الرُّماةِ فوقَ جَبَلٍ يَحمونَ به ظُهورَ المُسلمينَ مِنَ المُشرِكينَ، وأمَرَهم أن يَلزَموا أماكِنَهم ولا يَنزِلوا مِنه مَهما حَصَل، سَواءٌ كان النَّصرُ للمُسلمينَ أم لا.
فلمَّا رَأى الرُّماةُ أنَّ النَّصرَ كان للمُسلمينَ خالفوا أمرَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونَزَلوا مِنَ الجَبَلِ وتَرَكوا مَواقِعَهم، وأقبَلوا إلى العَسكَرِ حينَ رَأوه مُختَلًّا، أي: قد حَصَل في المَعرَكةِ اختِلالٌ وكَسرٌ للمُشرِكينَ، قد أجهَضناهم عنه، أي: نَحَّوهم وأزالوهم عنِ المَعرَكةِ.
فرَغِبوا في الغَنائِمِ، أي: أحَبَّ الرُّماةُ أن يَأخُذوا حَظَّهم مِنَ الغَنائِمِ، فتَرَكوا مَواقِعَهم وتَرَكوا عَهدَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: الأمرَ الذي أمَرَهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن لُزومِ أماكِنِهم، فجَعَلوا يَأخُذونَ الأمتِعةَ، أي: صاروا يَأخُذونَ أمتِعةَ المُشرِكينَ، فأتَتنا الخَيلُ مِن خَلفِنا، أي: فجاءَت فُرسانُ المُشرِكينَ مِن خَلفِ المُسلمينَ مِنَ المَكانِ الذي كان فيه الرُّماةُ، فحَطَّمَتنا، أي: أخَذوا يَزدَحِمونَ على المُسلمينَ ويَدوسونَهم ويَكسِرونهم، فكَرَّ النَّاسُ مُنهَزِمينَ، أي: رَجَعَ المُسلمونَ مُنهَزِمينَ، فصَرَخَ صارِخٌ يُرَونَ أنَّه الشَّيطانُ: ألا إنَّ مُحَمَّدًا قد قُتِل، أي: صاحَ في جَيشِ المُسلمينَ بأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد قُتِل، يُريدُ بذلك إضعافَ عَزائِمِ المُسلمينَ، فانحَطَمَ النَّاسُ، أي: ازدَحَموا، ورَكِبَ بَعضُهم بَعضًا، أي: اختَلطَ بَعضُهم ببَعضٍ وارتَبَكوا، وصاروا ثَلاثةَ أقسامٍ: ثُلثًا جَريحًا، أي: أصابَتهمُ الجُروحُ، وثُلثًا مَقتولًا، أي: استُشهِدوا، وثُلثًا مُنهَزِمًا قد بَلغَتِ الحَربُ، أي: انهَزَموا قد أصابَتهمُ الحَربُ ما أصابَت لا يَدرونَ ماذا يَصنَعونَ.
يَقولُ الزُّبَيرُ: وقد كانتِ الرُّماةُ اختَلفوا فيما بَينَهم، أي: أنَّ الرُّماةَ عِندَما رَأوا انتِصارَ المُسلمينَ في بدايةِ المَعرَكةِ وقَع بَينَهم خِلافٌ؛ فطائِفةٌ مِنهم لمَّا رَأوا النَّاسَ وقَعوا في الغَنائِمِ وقد هَزَمَ اللَّهُ المُشرِكينَ، وأخَذَ المُسلمونَ الغَنائِمَ، قالت: فماذا تَنتَظِرونَ؟ أي: أنَّه قدِ انتَصَرَ المُسلمونَ، فلماذا نَنتَظِرُ هنا، فلنَنزِلْ لنُصيبَ مِنَ الغَنائِمِ، والطَّائِفةُ الثَّانيةُ قالت: قد تَقدَّم إليهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونَهاكُم أن تُفارِقوا مَكانَكُم، أي: أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَهِدَ إليكُم أن لا تُفارِقوا أماكِنَكُم، إن كانت عليه أو له، أي: سَواءٌ كانت الهَزيمةُ على المُسلمينَ، أو كان النَّصرُ للمُسلمينَ، فتَنازَعوا في ذلك، أي: اختَلفوا فيما بَينَهم، ثُمَّ إنَّ الطَّائِفةَ الأولى مِنَ الرُّماةِ أبَت إلَّا أن تَلحَقَ بالعَسكَرِ، فتَفرَّقَ القَومُ، وتَرَكوا مَكانَهم، أي: أصَرَّت إلَّا أن تَنزِلَ وتَأخُذَ مِنَ الغَنائِمِ، فنَزَلت وتَرَكَت أماكِنَها، فعِندَ ذلك حَمَلت خَيلُ المُشرِكينَ، أي: فلمَّا تَرَكَ الرُّماةُ مَواقِعَهم أقبَلت فُرسانُ المُشرِكينَ وأخَذوا يَقتُلونَ المُسلمينَ ويُصيبونَ مِنهم، وحَصَلتِ الهَزيمةُ للمُسلمينَ.
وفي الحَديثِ بَيانُ ما كان في غَزوةِ أُحُدٍ مِن شِدَّةِ القِتالِ الذي حَصَل بَينَ المُسلِمينَ والمُشرِكينَ.
وفيه شِدَّةُ عَداوةِ الشَّيطانِ للمُسلمينَ بتخذيلِهم بأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد قُتِل.
وفيه خُطورةُ عِصيانِ أمرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه أنَّ مِن أسبابِ هَزيمةِ المُسلِمينَ عِصيانَ الرُّماةِ لأمرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .