سمع عثمانُ بنُ عفانَ رضي اللهُ عنه أن وفدَ أهلِ مصرَ قد أقبَلوا فاستَقبَلهم وكان في قريةٍ خارجًا منَ المدينةِ , أو كما قال , فلما سمِعوا به أقبَلوا نحوَه إلى المكانِ الذي هو فيه قالوا: كرِه أن تقدَموا عليه المدينةَ , أو نحوَ ذلك , فأتَوه فقالوا له: ادعُ بالمصحفِ قال: فدَعا بالمصحفِ فقالوا له: افتَحْ السابعةَ , وكانوا يسمُّونَ سورةَ يونسَ: السابعةَ , فقرَأ حتى أتى على هذه الآيةِ: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ فقالوا له: قِفْ أرأيتَ ما حُمِي مِن حمَى اللهِ اللهُ أذِن لكَ أم على اللهِ تَفتَري ؟ فقال: أمضِه نزَلَتْ في كذا وكذا وأما الحِمى: فإنَّ عُمرَ حَمى الحِمى قبلي لإبلِ الصدقةِ فلما وُلِّيتُ حمَيتُ لإبلِ الصدقةِ أمضِه فجعَلوا يأخُذونَه بالآيةِ فيقولُ: أمضِه نزلَتْ في كذا وكذا قال: وكان الذي يلي كلامَ عثمانَ في سِنكَ , قال: يقولُ أبو نضرةَ يقولُ ذلك لي أبو سعيدٍ قال أبو نضرةَ وأنا في سِنكَ قال أبي: ولم يخرجْ وجهي يومئذٍ لا أدري لعلَّه قال مرةً أخرى: وأنا يومئذٍ ابنُ ثلاثينَ سنةً قال: ثم أخَذوه بأشياءَ لم يكُنْ عندَه منها مخرجٌ فعرَفها فقال: أستَغفِرُ اللهَ وأتوبُ إليه ثم قال لهم: ما تُريدونَ ؟ قالوا: فأخَذوا ميثاقَه وكتَب عليهم شرطُا ثم أخَذ عليهِم أن لا يَشُقُّوا عصًا ولا يُفارِقوا جماعةً ما قام لهم بشرطِهم , أو كما أخَذوا عليه , فقال لهم: ما تُريدونَ ؟ قالوا: نريدُ أن لا يأخُذَ أهلُ المدينةِ عطاءً فإنما هذا المالُ لمن قاتَل عليه ولهذه الشيوخِ مِن أصحابِ محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فرَضوا وأقبَلوا معه إلى المدينةِ راضينَ قال: فقام فخطَبَهم فقال: إني واللهِ ما رأيتُ وفدًا في الأرضِ هو خيرٌ مِن هذا الوفدِ الذين مِن أهلِ مصرَ ألا مَن كان له زرعٌ فلْيَلحَقْ بزرعِه ومَن كان له ضرعٌ فيحتلبْ ألا إنه لا مالَ لكم عندَنا إنما هذا المالُ لمن قاتَل عليه ولهذه الشيوخِ مِن أصحابِ محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: فغضِب الناسُ وقالوا: هذا مكرُ بني أميةَ ثم رجَع الوفدُ المصريُّونَ راضينَ فبينما هم في الطريقِ إذا هُم براكبٍ يتعرَّضُ لهم ويفارِقُهم ثم يرجِعُ إليهِم ثم يُفارِقُهم ويسبُّهم قالوا له: مالَكَ إنَّ لكَ لأمرًا ما شأنُكَ ؟! فقال: أنا رسولُ أميرِ المؤمنينَ إلى عاملِه بمصرَ ففتَّشوه فإذا هُم بالكتابِ معه على لسانِ عثمانَ عليه خاتَمُه إلى عاملِه بمصرَ أن يَصلِبَهم أو يَقتُلَهم أو يقطعَ أيديَهم وأرجلَهم مِن خلافٍ فأقبَلوا حتى قدِموا المدينةَ فأتَوا عليًّا فقالوا: ألم تَر إلى عدوِّ اللهِ يكتبُ فينا كذا وكذا وإنَّ اللهَ , تعالى , قد أحَلَّ دمَه قُمْ معنا إليه قال: واللهِ لا أقومُ معكم إليه قالوا: فلِمَ كتَبتَ إلينا ؟ قال: واللهِ ما كتَبتُ إليكم كتابًا قَطُّ قال: فنظَر بعضُهم إلى بعضٍ فقالوا: لهذا تقاتِلونَ أم لهذا تَغضَبونَ ؟ فانطَلَق عليٌّ يخرجُ منَ المدينةِ إلى قريةٍ فانطَلَقوا حتى دخَلوا على عثمانَ فقالوا له: كتبتَ فينا كذا وكذا وإنَّ اللهَ قد أحَلَّ دمَكَ فقال: إنهما اثنانِ: أن تُقيموا عليَّ رجلينِ منَ المسلمينَ أو يمينٌ باللهِ الذي لا إلهَ إلا هو ما كتبتُ ولا أملَيتُ ولا علِمتُ وقد تَعلَمونَ أنَّ الكتابَ يُكتَبُ على لسانِ الرجلِ وقد يُنقَشُ الخاتَمُ على الخاتَمِ , قالوا: فواللهِ لقد أحلَّ اللهُ دمَكَ بنقضِ العهدِ والميثاقِ , قال: فحاصَروه فأشرَف عليهِم وهو محصورٌ ذاتَ يومٍ فقال: السلامُ عليكم , قال أبو سعيدٍ: فواللهِ ما أسمَعُ أحدًا منَ الناسِ ردَّ عليه السلامَ إلا أن يرُدَّ الرجلُ في نفسِه , فقال: أنشُدُكم باللهِ الذي لا إله إلا هو هل علِمتُم ؟ قال: فذكَر أشياءَ في شأنِه وذكَر أيضًا أرى كتابتَه المفصلَ ففشى النهيُ فجعَل يقولُ الناسُ: مهلًا عن أميرِ المؤمنينَ ففَشى النهيُ فقام الأشترُ , فلا أدري أيومئذٍ أم يومَ آخر , قال: فلعله قد مُكِر به وبكم قال: فوطِئَه الناسُ حتى لقي كذا وكذا ثم إنه أشرَف عليهم مرةً أخرى فوعَظَهم وذكَّرهم فلم تأخُذْ فيهم الموعظةُ وكان الناسُ تأخُذُ فيهم الموعظةُ أولَ ما يَسمَعونَها فإذا أُعيدَتْ عليهِم لم تأخُذْ فيهم قال: ثم إنه فتَح البابَ ووضَع المصحفَ بين يدَيه وذاك أنه رأى النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال له: يا عثمانُ أفطِرْ عندَنا الليلةَ , قال أبي: فحدَّثني الحسنُ أن محمدَ بنَ أبي بكرٍ دخَل عليه فأخَذ بلحيتِه فقال: لقد أخذتَ مني مأخذًا , أو قعدتَ مني مقعدًا- ما كان أبوكَ ليقعُدَه , أو قال: ليأخُذَه- فخرَج وترَكه ودخَل عليه رجلٌ يقالُ له: الموتُ الأسوَدُ فخنَقَه ثم خنَقَه ثم خرَج فقال: واللهِ لقد خنَقتُه فما رأيتُ شيئًا قطُّ ألينَ مِن حلقِه حتى رأيتُ نفسَه ترددُّ في جسدِه كنفسِ الجانِّ , قال: فخرَج وترَكه , وقال في حديثِ أبي سعيدٍ: دخَل عليه رجلٌ فقال: بيني وبينَكَ كتابُ اللهِ فخرَج وترَكه ثم دخَل عليه آخرُ فقال: بيني وبينك كتابُ اللهِ , تعالى , والمصحفُ بين يدَيه فأهوى بالسيفِ فاتَّقاه عثمانُ بيدِه فقَطَعها فما أدري أبانَها أم قطَعَها ولم يُبِنْها قال عثمانُ: أما واللهِ إنَّها أولُ كفٍّ خطَّتِ المُفَصَّلَ قال ؟ وقال في غيرِ حديثِ أبي سعيدٍ: فدخَل عليه التجيبيُّ فأشعَر مشقصًا , فانتَضَح الدمُ على هذه الآيةِ: فسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وهُوَ السميعُ العليمُ قال: فإنَّها في المصحفِ ما حُكَّتْ بعدُ قال: فأخَذَتْ بنتُ الفرافصةِ حُلِيَّها في حديثِ أبي سعيدٍ فوضَعَتْه في حجرِها وذلك قبلَ أن يُقتَلَ فلما أشعرَ أو قُتِل تفاجتْ عليه فقال بعضُهم: قاتَلها اللهُ ما أعظمَ عجيزتَها قال أبو سعيدٍ فعلِمتُ أنَّ أعداءَ اللهِ لم يُريدوا إلا الدنيا
أخرجه إسحق بن راهويه كما في ((إتحاف الخيرة المهرة)) للبوصيري (8/7) واللفظ له، وعبدالله بن أحمد في ((زوائد فضائل الصحابة)) (765)، وابن حبان (6919) من حديث أبي سعيد مولى أبي أسيد
سمِع عُثمانُ أنَّ وفدَ أهلِ مِصرَ قد أقبَلوا فاستقبَلهم فلمَّا سمِعوا به أقبَلوا نحوَه إلى المكانِ الَّذي هو فيه فقالوا له : ادعُ المُصحَفَ فدعا بالمُصحَفِ فقالوا له : افتَحِ السَّابعةَ قال : وكانوا يُسمُّونَ سورةَ يُونُسَ السَّابعةَ فقرَأها حتَّى أتى على هذه الآيةِ : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59] قالوا له : قِفْ أرأَيْتَ ما حمَيْتَ مِن الحِمى آللهُ أذِن لكَ به أم على اللهِ تفتري ؟ فقال : أمضِه نزَلَتْ في كذا وكذا وأمَّا الحِمى لإبلِ الصَّدقةِ فلمَّا ولَدَتْ زادتْ إبلُ الصَّدقةِ فزِدْتُ في الحِمى لِما زاد في إبلِ الصَّدقةِ أمضِه قالوا : فجعَلوا يأخُذونَه بآيةٍ آيةٍ فيقولُ : أمضِه نزَلَتْ في كذا وكذا فقال لهم : ما تُريدونَ ؟ قالوا : ميثاقَك قال : فكتَبوا عليه شرطًا فأخَذ عليهم ألَّا يشُقُّوا عصًا ولا يُفارِقوا جماعةً ما قام لهم بشَرطِهم وقال لهم : ما تُريدونَ ؟ قالوا : نُريدُ ألَّا يأخُذَ أهلُ المدينةِ عطاءً قال : لا إنَّما هذا المالُ لِمَن قاتَل عليه ولهؤلاءِ الشُّيوخِ مِن أصحابِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال : فرَضُوا وأقبَلوا إلى المدينةِ راضينَ قال : فقام فخطَب فقال : ألَا مَن كان له زرعٌ فلْيلحَقْ بزرعِه ومَن كان له ضَرْعٌ فلْيحتلِبْه ألَا إنَّه لا مالَ لكم عندَنا إنَّما هذا المالُ لِمَن قاتَل عليه ولهؤلاءِ الشُّيوخِ مِن أصحابِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال : فغضِب النَّاسُ وقالوا : هذا مكرُ بني أميَّةَ قال : ثمَّ رجَع المِصريُّونَ فبَيْنما هم في الطَّريقِ إذا هُمْ براكبٍ يتعرَّضُ لهم ثمَّ يُفارِقُهم ثمَّ يرجِعُ إليهم ثمَّ يُفارِقُهم ويسُبُّهم قالوا : ما لكَ إنَّ لك الأمانَ ما شأنُك ؟ قال : أنا رسولُ أميرِ المُؤمِنينَ إلى عاملِه بمِصْرَ قال : ففتَّشوه فإذا هُمْ بالكتابِ على لسانِ عُثمانَ عليه خاتَمُه إلى عامِلِه بمِصْرَ أنْ يصلِبَهم أو يقتُلَهم أو يقطَعَ أيديَهم وأرجُلَهم فأقبَلوا حتَّى قدِموا المدينةَ فأتَوْا علِيًّا فقالوا : ألَمْ ترَ إلى عدوِّ اللهِ كتَب فينا بكذا وكذا وإنَّ اللهَ قد أحَلَّ دمَه قُمْ معنا إليه قال : واللهِ لا أقومُ معكم قالوا : فلِمَ كتَبْتَ إلينا ؟ قال : واللهِ ما كتَبْتُ إليكم كتابًا قطُّ فنظَر بعضُهم إلى بعضٍ ثمَّ قال بعضُهم إلى بعضٍ : ألهذا تُقاتِلونَ أو لهذا تغضَبونَ فانطلَق علِيٌّ فخرَج مِن المدينةِ إلى قريةٍ وانطلَقوا حتَّى دخَلوا على عُثمانَ فقالوا : كتَبْتَ بكذا وكذا فقال : إنَّما هما اثنتانِ : أنْ تُقيموا علَيَّ رجُلَيْنِ مِن المُسلِمينَ أو يميني باللهِ الَّذي لا إلهَ إلَّا اللهُ ما كتَبْتُ ولا أملَيْتُ ولا علِمْتُ وقد تعلَمونَ أنَّ الكتابَ يُكتَبُ على لسانِ الرَّجُلِ وقد يُنقَشُ الخاتَمُ على الخاتَمِ فقالوا : واللهِ أحَلَّ اللهُ دمَك ونقَضوا العهدَ والميثاقَ فحاصَروه فأشرَف عليهم ذاتَ يومٍ فقال : السَّلامُ عليكم فما أسمَع أحدًا مِن النَّاسِ ردَّ عليه السَّلامَ إلَّا أنْ يرُدَّ رجُلٌ في نفسِه فقال : أنشُدُكم اللهَ هل علِمْتُم أنِّي اشترَيْتُ رُومةَ مِن مالي فجعَلْتُ رِشائي فيها كرِشاءِ رجُلٍ مِن المُسلِمينَ ؟ قيل : نَعم قال : فعَلامَ تمنَعوني أنْ أشرَبَ منها حتَّى أُفطِرَ على ماءِ البحرِ ؟ ! أنشُدُكم اللهَ هل علِمْتُم أنِّي اشترَيْتُ كذا وكذا مِن الأرضِ فزِدْتُه في المسجدِ ؟ قيل : نَعم قال : فهل علِمْتُم أنَّ أحدًا مِن النَّاسِ مُنِع أنْ يُصَلِّيَ فيه قبْلي ؟ أنشُدُكم اللهَ هل سمِعْتُم نَبيَّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يذكُرُ كذا وكذا ؟ أشياءَ في شأنِه عدَّدَها قال : ورأَيْتُه أشرَف عليهم مرَّةً أخرى فوعَظهم وذكَّرهم فلَمْ تأخُذْ منهم الموعظةُ وكان النَّاسُ تأخُذُ منهم الموعظةُ في أوَّلِ ما يسمَعونَه فإذا أُعيدَتْ عليهم لَمْ تأخُذْ منهم فقال لامرأتِه : افتَحي البابَ ووضَع المُصحَفَ بيْنَ يدَيْهِ وذلك أنَّه رأى مِن اللَّيلِ أنَّ نَبيَّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ له : ( أفطِرْ عندَنا اللَّيلةَ ) فدخَل عليه رجُلٌ فقال : بَيْني وبَيْنَك كتابُ اللهِ فخرَج وترَكه ثمَّ دخَل عليه آخَرُ فقال : بَيْني وبَيْنَك كتابُ اللهِ والمُصحَفُ بيْنَ يدَيْهِ قال : فأهوى له بالسَّيفِ فاتَّقاه بيدِه فقطَعها فلا أدري أقطَعها ولَمْ يُبِنْها أم أبانها ؟ قال عُثمانُ : أمَا واللهِ إنَّها لَأوَّلُ كفٍّ خطَّتِ المُفصَّلَ - وفي غيرِ حديثِ أبي سعيدٍ : فدخَل عليه التُّجِيبيُّ فضرَبه مِشقَصًا فنضَح الدَّمُ على هذه الآيةِ : {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 137] قال : وإنَّها في المُصحَفِ ما حُكَّتْ قال : وأخَذَتْ بنتُ الفَرافِصةِ - في حديثِ أبي سعيدٍ - حُلِيَّها ووضَعَتْه في حِجْرِها وذلك قبْلَ أنْ يُقتَلَ فلمَّا قُتِل تفاجَّتْ عليه قال بعضُهم : قاتَلها اللهُ ما أعظَمَ عَجيزتَها فعلِمَتْ أنَّ أعداءَ اللهِ لَمْ يُريدوا إلَّا الدُّنيا الراوي : أبو سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري المحدث : ابن حبان المصدر : صحيح ابن حبان الصفحة أو الرقم: 6919 خلاصة حكم المحدث : أخرجه في صحيحه التخريج : أخرجه البزار (389)، والحاكم (3342) مختصراً باختلاف يسير، وابن أبي شيبة (38845) باختلاف يسير الصَّحابةُ خَيرُ القُرونِ؛ فهمُ الذينَ ناصَروا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ووقَفوا مَعَه، وكانوا يُقدِّمونَ أنفُسَهم دونَ نَفسِه؛ ولهذا أثنى اللهُ تَعالى عليهم، وأثنى عليهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومِن خيرةِ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عُثمانُ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه، وهو ثالثُ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ، وقد تَآمَرَ عليه أهلُ الشَّرِّ وقَتَلوه؛ ففي هذا الحَديثِ بَيانُ قِصَّةِ مَقتَلِ عُثمانَ، فيَقولُ أبو سَعيدٍ مَولى أبي أسَيدٍ الأنصاريِّ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ: سَمِعَ عُثمانُ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ وَفدَ أهلِ مِصرَ، والوَفدُ: همُ القَومُ يَجتَمِعونَ ويَرِدونَ البلادَ، واحِدُهم وافِدٌ، ويُطلقُ أيضًا على الذينَ يَقصِدونَ الأُمَراءَ لزيارةٍ واستِرفادٍ وغَيرِ ذلك، قد أقبَلوا، أي: جاؤوا مِن مِصرَ إلى المَدينةِ إلى عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه، فاستَقبَلهم، فلمَّا سَمِعوا أنَّه في استِقبالهم، أقبَلوا نَحوَه أي: قَصَدوه إلى المَكانِ الذي هو فيه، والظَّاهرُ أنَّهم كانوا قد بَيَّتوا في نُفوسِهم أشياءَ نَقَموها على عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه يُريدونَ أن يُحاجُّوه فيها لماذا فعَلها، فقالوا له: ادعُ المُصحَفَ، أي: أحضِرِ المُصحَفَ حتَّى نَحتَكِمَ إليه ويَكونَ هو المَرجِعَ فيما اختَلَفنا مَعَك، فدَعا عُثمانُ بالمُصحَفِ، فقالوا له: افتَحِ السَّابعةَ، أي: السُّورةَ السَّابعةَ مِنَ القُرآنِ، يَقصِدونَ سورةَ يونُسَ، واقرَأها، وكانوا يُسَمُّونَ سورةَ يونُسَ السَّابعةَ، فقَرَأها عُثمانُ عليهم حتَّى وصَل إلى هذه الآيةِ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59] ، فقالوا له: قِفْ، أي: قِفْ عِندَ هذه الآيةِ حتَّى نَسألَك عَمَّا خالَفتَ فيها، فقالوا له: أرَأيتَ ما حَمَيتَ مِنَ الحِمى، آللَّهُ أذِنَ لك به أم على اللهِ تَفتَري؟ الحِمى: ما يَحمي الإمامُ مِنَ المَواتِ لمَواشٍ بعَينِها ويَمنَعُ سائِرَ النَّاسِ الرَّعيَ فيه، أي: أنَّك مَنَعتَ النَّاسَ مِنَ الرَّعيِ في أماكِنَ مُعَيَّنةٍ فحَرَّمتَ على النَّاسِ الرَّعيَ فيها، واللهُ تعالى قد أباحَ الرَّعيَ، فأنتَ بفِعلِك ذلك حَرَّمتَ ما أحَلَّ اللهُ، فمِن أينَ لك المَنعُ؟ هَل مَعَك إذنٌ مِنَ اللهِ بذلك، أم أنَّك تَكذِبُ وتَفتَري على اللهِ تعالى؟ فقال لهم عُثمانُ: أمْضِه، نَزَلت في كَذا وكَذا، أي: سأُبَيِّنُ لكُم وأُجيبُ عَمَّا تُريدونَ، ثُمَّ أخبَرَهم وبَيَّنَ لهم سَبَبَ نُزولِ هذه الآيةِ، وأنَّه ليسَ فيما تَقصِدونَ مِنَ الحِمَى، وأمَّا الحِمَى لإبِلِ الصَّدَقةِ، أي: أمَّا سَبَبُ تَوسُّعي في الحِمى ومَنعِ النَّاسِ مِنَ الرَّعيِ في أماكِنَ مُعَيَّنةٍ فذلك بسَبَبِ أنَّ إبِلَ الصَّدَقةِ ولدَت وزادَت فاحتاجَت لمَرعًى أكثَرَ مِنَ السَّابقِ؛ فلذلك زِدتُ في الحِمَى لِما زادَ في إبِلِ الصَّدَقةِ، أمضِه، أي: هذا جَوابُ ما سَألتُم.
ثُمَّ إنَّهم جَعَلوا يَأخُذونَه بآيةٍ آيةٍ، أي: جَعَلوا يحاجِجون عُثمانَ بعِدَّةِ آياتٍ مِنَ القُرآنِ يَقِفونَه عِندَ كُلِّ آيةٍ ويَسألونَه وعُثمانُ يُجيبُهم عنها، ويَقولُ: أمضِه، أي: أُجيبُ عن ذلك، نَزَلت في كَذا وكَذا، أي: يُبَيِّنُ لهم سَبَبَ نُزولِ تلك الآيةِ، وأنَّهم مخطِئون في تَنزيلِ الآيةِ على عُثمانَ وأنَّهم تأوَّلوها على غَيرِ مَوضِعِها وغَيرِ ما أُريدُ بها، وذلك لجَهلِهم وقِلَّةِ عِلمِهم.
ثُمَّ قال لهم عُثمانُ: ما تُريدونَ؟ أي: ما مَطالِبُكُمُ التي جِئتُم مِن أجلِها؟ فقالوا: ميثاقُك، أي: نَأخُذُ مِنك العَهدَ والميثاقَ ونَتَّفِقُ بكِتابٍ بَينَنا وبَينَك نَلتَزِمُه جَميعًا نَحنُ وأنتَ، فكَتَبوا على عُثمانَ شَرطًا، أي: اشتَرَطوا عليه شَرطًا لصالحِهم، وأخَذَ عُثمانُ عليهم ألَّا يَشُقُّوا عَصًا، أي: لا يَخرُجوا عن طاعةِ الأميرِ والإمامِ، ولا يُفارِقوا جَماعةً، أي: أن يَلزَموا جَماعةَ المُسلمينَ ولا يَخرُجوا عنهم، ما قامَ لهم بشَرطِهم، أي: ما التَزَمَ لهم عُثمانُ بشَرطِهمُ الذي طَلبوه.
ثُمَّ قال لهم عُثمانُ: ما تُريدونَ؟ أي: ماذا تُريدونَ غَيرَ ما شَرَطتُم.
فقالوا: نُريدُ ألَّا يَأخُذَ أهلُ المَدينةِ عَطاءً، أي: ألَّا تُعطيَ أهلَ المَدينةِ مِن مالِ بَيتِ المُسلمينَ أو مِنَ المالِ الذي يَأتي مِنَ الغَنائِمِ والفُتوحاتِ، فقال لهم عُثمانُ: لا، أي: لا أوافِقُ على هذا الطَّلَبِ؛ فإنَّما هذا المالُ لمَن قاتَل عليه، ولهؤُلاء الشُّيوخِ مِن أصحابِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: لأنَّ هذا المالَ يَستَحِقُّه مَن قاتَل عليه، فليسَ لي أن أمنَعَهم ذلك.
فعِندَ ذلك رَضيَ هؤُلاء الوَفدُ بذلك، وأقبَلوا إلى المَدينةِ راضينَ، فقامَ عُثمانُ فخَطَبَ النَّاسَ، وفيهم أولئِكَ الوفدُ، فقال: ألا مَن كان له زَرعٌ فليَلحَقْ بزَرعِه، أي: مَن كان له زَرعٌ فعليه بلُزومِ زَرعِه وما يَخرُجُ له مِنه مِنَ المَحصولِ، ومَن كان له ضَرعٌ فليَحتَلِبْه، أي: مَن كان له ماشيةٌ مِنَ الأنعامِ فعليه بحَلبِها ويَنتَفِعُ بها.
ثُمَّ قال عُثمانُ: ألَا إنَّه لا مالَ لكُم عِندَنا، أي: ليسَ لكُم عِندَنا مِن هذا المالِ شَيءٌ، ولعَلَّه يَعني مالَ الغَنائِمِ، إنَّما هذا المالُ لمَن قاتَل عليه ولهؤلاء الشُّيوخِ مِن أصحابِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: يَستَحِقُّه أصحابُه الذينَ قاتَلوا عليه ولأصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلمَّا سَمِعَ النَّاسُ هذا الكَلامَ مِن عُثمانَ غَضِبوا وقالوا: هذا مَكرُ بَني أُميَّةَ، أي: أنَّ بَني أُمَيَّةَ مَكَروا بنا وأخَذوا الأموالَ لهم ولم يُعطونا شَيئًا، وإنَّما قالوا: بَنو أُميَّةَ؛ لأنَّ عُثمانَ مِن بَني أُمَيَّةَ.
ثُمَّ رَجَعَ أولئِكَ الوفدُ المِصريُّونَ، أي: خَرَجوا مِنَ المَدينةِ راجِعينَ إلى مِصرَ على ما اتَّفقوا مَعَ عُثمانَ.
فبَينَما هم في الطَّريقِ إذا هم براكِبٍ، أي: رَجُلٍ في الطَّريقِ على بَعيرٍ له، يَتَعَرَّضُ لهم ثُمَّ يُفارِقُهم ثُمَّ يَرجِعُ إليهم ثُمَّ يُفارِقُهم ويَسُبُّهم، أي: كان هذا الرَّاكِبُ يَعتَرِضُ طَريقَ هؤُلاء الوفدِ ويَقرُبُ مِنهم ويَسُبُّهم ثُمَّ يَترُكُهم وهَكَذا، فقالوا له: ما لك؟! أي: ما شَأنُك تَفعَلُ هَكَذا؟ إنَّ لك الأمانَ، ما شَأنُك؟ أي: قد أمَّنَّاك فأخبِرْنا عن أمرِك.
فأقبَل عليهم هذا الرَّاكِبُ وقال لهم: أنا رَسولُ أميرِ المُؤمِنينَ، أي: عُثمانَ، إلى عامِلِه بمِصرَ، أي: إلى واليه بمِصرَ.
والمَعنى: أنَّ عُثمانَ أرسَلني برِسالةٍ إلى واليه في مِصرَ أوصِلُها إليه، ففتَّشوه فوجَدوا مَعَه كِتابًا زُوِّرَ على لسانِ عُثمانَ، وعلى الكِتابِ خاتَمُ عُثمانَ إلى عامِلِه بمِصرَ أن يَصلُبَهم أو يَقتُلَهم أو يَقطَعَ أيديَهم وأرجُلَهم، أي: هناكَ مَن زَوَّرَ هذا الكِتابَ الذي فيه أنَّ عُثمانَ يَأمُرُ واليَه بمِصرَ أن يَقتُلَ هؤُلاء الوفدَ أو يَصلُبَهم أو يَقطَعَ أيديَهم وأرجُلهم.
فلمَّا رَأى الوفدُ هذا الكِتابَ ظَنُّوا أنَّ عُثمانَ نَقَضَ الميثاقَ الذي بَينَه وبَينَهم، فأقبَلوا راجِعينَ حتَّى قدِموا المَدينةَ فأتَوا عليَّ بنَ أبي طالبٍ فقالوا له: ألم تَرَ إلى عَدوِّ اللهِ يَعنونَ عُثمانَ، كَتَبَ فينا بكَذا وكَذا، أي: أخبَروا عَليًّا بشَأنِ ذلك الكِتابِ الذي وجَدوه مَعَ الرَّاكِبِ، وإنَّ اللَّهَ قد أحَلَّ دَمَه، أي: أنَّ عُثمانَ بفِعلِه ذلك قد أصبَحَ دَمُه حَلالًا ويَستَحِقُّ القَتلَ، ثُمَّ قالوا لعليٍّ: قُمْ مَعنا إليه، أي: إلى عُثمانَ، فقال عليٌّ: واللهِ لا أقومُ مَعَكُم.
قالوا: فلمَ كَتَبتَ إلينا؟ أي: لماذا كَتَبتَ إلينا هذا الكِتابَ، فقال عليٌّ: واللهِ ما كَتَبتُ إليكُم كِتابًا قَطُّ، أي: أنا لم أكتُبْ أيَّ كُتُبٍ، فنَظَرَ بَعضُهم إلى بَعضٍ ثُمَّ قال بَعضُهم إلى بَعضٍ: ألهذا تُقاتِلونَ أو لهذا تَغضَبونَ؟ فانطَلقَ عليٌّ فخَرَجَ مِنَ المَدينةِ إلى قَريةٍ، أي: خَرَجَ مِنَ المَدينةِ مَخافةَ الشَّرِّ الذي سَيَقَعُ، وانطَلقَ هذا الوفدُ حتَّى دَخَلوا على عُثمانَ، فقالوا له: كَتَبتَ بكَذا وكَذا، أي: إلى واليك بمِصرَ تَأمُرُه بقَتلِنا، فبهذا نَقَضتَ العَهدَ بَينَنا وبَينَك وأصبَحَ دَمُك مُباحًا، فقال لهم عُثمانُ: إنَّما هما اثنَتانِ: أن تُقيموا عليَّ رَجُلينِ مِنَ المُسلِمينَ أو يَميني باللهِ الذي لا إلهَ إلَّا اللَّهُ ما كَتَبتُ ولا أملَيتُ ولا عَلِمتُ، أي: لكُم أحَدُ أمرَينِ حتَّى تُثبِتوا ذلك عليَّ: الأولى: أن تَأتوا بشاهِدَينِ مِنَ المُسلمينَ يَشهَدانَ عليَّ أنِّي كَتَبتُ ذلك الكِتابَ، فإن لم تَفعَلوا فعليكُم بالأمرِ الثَّاني، وهو اليَمينُ مِنِّي لكُم فأحلِفُ لكُم أنِّي ما كَتَبتُ هذا الكِتابَ ولا عَلِمتُ به، وقد تَعلمونَ أنَّ الكِتابَ يُكتَبُ على لسانِ الرَّجُلِ وقد يُنقَشُ الخاتَمُ على الخاتَمِ، أي: أمرُ التَّزوير يَقَعُ مِن أيِّ شَخصٍ ويَستَطيعُ أن يَصنَعَ خاتَمًا فيه نَقشُ مَن أرادَ ويَختِمَ عليه، لكِنَّهم لم يَقتَنِعوا بذلك ولم يُصَدِّقوا عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه وأصَرُّوا على قَتلِه، فقالوا له: واللهِ أحَلَّ اللَّهُ دَمَك، ونَقَضوا العَهدَ والميثاقَ، أي: العَهدَ الذي أخَذَه عليهم عُثمانُ ألَّا يَشُقُّوا عَصا المُسلمينَ، فعِندَ ذلك حاصَروه في دارِه، فأشرَف عليهم عُثمانُ، أي: اطَّلعَ عليهم ذاتَ يَومٍ، وسَلَّمَ عليهم، فقال: السَّلامُ عليكُم، فلم يَرُدَّ عليه أحَدٌ مِنهمُ السَّلامَ إلَّا أن يَرُدَّ رَجُلٌ في نَفسِه، أي: إلَّا أن يَكونَ الرَّجُلُ رَدَّ السَّلامَ في نَفسِه، أمَّا سَلامًا يَسمَعُه عُثمانُ وغَيرُه فلا، فقال لهم عُثمانُ: أنشُدُكُمُ اللَّهَ، أي: أسالُكُم باللهِ، هَل عَلِمتُم أنِّي اشتَرَيتُ رُومةَ مِن مالي؟ وهيَ بئرٌ بالمَدينةِ ما زالت مَعروفةً بذلك، وكانت ليَهوديٍّ يَبيعُ ماءَها للمُسلمينَ، كُلُّ قِربةٍ بدِرهَمٍ، فاشتَراها عُثمانُ رَضِيَ اللهُ عنه، وأوقَفها للمُسلِمينَ، على أنَّ له أن يَشرَبَ مِنها كَما يَشرَبونَ، فجَعَلتُ رِشائي فيها كرِشاءِ رَجُلٍ مِنَ المُسلمينَ، الرِّشاءُ: الحَبلُ، يُقالُ مِنه: أرشَيتُ الدَّلوَ: إذا جَعَلتَ لها حبلًا، والمَعنى: أنَّه يَكونُ واحِدًا مِنَ المُسلمينَ في الاستِفادةِ مِن هذه البئرِ والشُّربِ مِنها بأن يَستَقيَ مِنها بدَلوِه، فقالوا له: نَعَمْ، أي: أقَرُّوا له باستِشهادِه عليهم، فقال لهم عُثمانُ: فعَلامَ تَمنَعوني أن أشرَبَ مِنها حتَّى أُفطِرَ على ماءِ البَحرِ؟! أي: مِمَّا فيه مُلوحةٌ كَماءِ البَحرِ! والمَعنى: أنَّهم جَعَلوه يَشرَبُ الماءَ المالحَ؛ لمَنعِ الحُلوِ عنه.
ثُمَّ قال لهم: أنشُدُكُمُ اللَّهَ هَل عَلِمتُم أنِّي اشتَرَيتُ كَذا وكَذا مِنَ الأرضِ فزِدتُه في المَسجِدِ؟ أي: مَسجِدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذلك أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أرادَ أن يوسِّعَ المَسجِدَ، فقال: مَن يَشتَري بُقعةَ آلِ فُلانٍ؟ أي: الأرضَ المُجاوِرةَ للمَسجِدِ فيَزيدُها في المَسجِدِ، فاشتَراها عُثمانُ فوسَّعَ بها المَسجِدَ، فقالوا: نَعَم، أي: أقَرُّوا له بذلك.
ثُمَّ قال لهم: فهَل عَلِمتُم أنَّ أحَدًا مِنَ النَّاسِ مَنَعَ أن يُصَلِّيَ فيه قَبلي؟ أي: فلماذا إذَن تَمنَعوني أن أخرُجَ وأُصَلِّيَ فيه، ثُمَّ قال لهم: أنشُدُكُمُ اللَّهَ هَل سَمِعتُم نَبيَّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَذكُرُ كَذا وكَذا؟ أشياءَ في شَأنِه عَدَّدها، أي: ظَلَّ عُثمانُ يَذكُرُ لهم أشياءَ حَثَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على فِعلِها، ففعَلها عُثمانُ مِثلَ تَجهيزِ جَيشِ العُسرةِ وغَيرِ ذلك، وهم يُقِرُّونَ له بذلك.
يَقولُ أبو سَعيدٍ الرَّاوي: ورَأيتُه، أي: عُثمانَ، أشرَف عليهم مَرَّةً أُخرى، فوعَظَهم وذَكَّرَهم، فلم تَأخُذْ مِنهمُ المَوعِظةُ، أي: لم يَنتَفِعوا بهذه المَوعِظةِ في المَرَّةِ الثَّانيةِ ولم يُلقوا لها بالًا، وكان النَّاسُ تَأخُذُ مِنهمُ المَوعِظةُ في أوَّلِ ما يَسمَعونَه، فإذا أُعيدَت عليهم لم تَأخُذْ مِنهم، أي: أنَّ وقعَ المَوعِظةِ على النُّفوسِ في المَرَّةِ الأولى يَكونُ له تَأثيرٌ، فإذا تَكَرَّرَت أكثَرَ مِن مَرَّةٍ لا يَكونُ وَقعُها وتَأثيرُها كالأولى؛ لأنَّهم قد ألِفوها، فلمَّا رَأى عُثمانُ أنَّهم مُصِرُّونَ على قَتلِه وأنَّهم لن يَترُكوا حِصارَ الدَّارِ قال لزَوجَتِه وهيَ نائِلةُ بنتُ الفرافصةِ: افتَحي البابَ، أي: افتَحي لهمُ البابَ، ووَضَع المُصحَفَ بَينَ يَدَيه، أي: ظَلَّ يَقرَأُ فيه، وإنَّما أمَرَ عُثمانُ زَوجتَه بفتحِ البابِ لهم لأنَّه كان قد رَأى مِنَ اللَّيلِ رُؤيا أنَّ نَبيَّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ له: أفطِرْ عِندَنا اللَّيلةَ، أي: أنَّك يا عُثمانُ سَتُقتَلُ في هذا اليَومِ ويَكونُ فِطرُك عِندَنا، فلذلك استَبشَرَ عُثمانُ فأمرَ بفتحِ البابِ، فدَخَل عليه رَجُلٌ يُريدُ قَتلَه، فقال له عُثمانُ: بَيني وبَينَك كِتابُ اللهِ، أي: هذا المُصحَفُ حائِلٌ بَيني وبَينَك فلا تَعتَدِ عليَّ، فخَرَجَ الرَّجُلُ وتَرَكَه، ثُمَّ دَخَل رَجُلٌ آخَرُ، فقال له عُثمانُ: بَيني وبَينَك كِتابُ اللهِ، والمُصحَفُ بَينَ يَدَيه، فأهوى الرَّجُلُ إلى عُثمانَ بالسَّيفِ فاتَّقاه بيَدِه فقَطَعَها، أي: صَدَّ عُثمانُ السَّيفَ بيَدِه فقُطِعَت! يَقولُ أبو سَعيدٍ: فلا أدري أقطَعَها ولم يُبِنْها أم أبانَها؟ أي: هَل لمَّا ضَرب الرَّجُلُ عُثمانَ بالسَّيفِ قَطَعَ يَدَ عُثمانَ وفصَلَها مِن جِسمِه أم أنَّها قُطِعَت ولكِن بدونِ فَصلٍ، ثُمَّ قال عُثمانُ: أما واللَّهِ إنَّها لأوَّلُ كَفٍّ، أي: يَدُه، خَطَّتِ المُفصَّلَ، أي: كَتَبَت سُوَرَ المُفصَّلِ مِنَ القُرآنِ، والمُفَصَّلُ مِن سورةِ ق إلى سورةِ النَّاسِ، وفي غَيرِ حَديثِ أبي سَعيدٍ، أي: في رِوايةٍ أُخرى: فدَخَل على عُثمانَ التُّجِيبيِّ، أي: رَجُلٌ مِن قَبيلةِ تُجيبَ، واسمُه كِنانةُ بنُ بِشرٍ، فضَرَبَه مِشقَصًا.
المِشقَصُ: نَصلُ السَّهمِ، أي: أنَّه ضَرَبَه بها حتَّى نَضَحَ الدَّمُ، أي: تَطايَرَ الدَّمُ، على هذه الآيةِ: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 137] ، يَقولُ الرَّاوي: وإنَّها في المُصحَفِ ما حُكَّت، أي: أثَرُ الدَّمِ على مَوضِعِ الآيةِ ما زال باقيًا لم يَزُلْ مِنها، ثُمَّ إنَّ زَوجةَ عُثمانَ نائِلةَ بنتَ الفرافصةِ أخَذَت حُلِيَّها ووضَعَته في حَجرِها، أي: حضنِها، مَخافةَ أن يَأخُذوا المالَ، ولعَلَّها كانت تَظُنُّ أنَّهم سَيَأخُذونَ المالَ فقَط، ولن يتجرَّؤوا على قَتلِ عُثمانَ، وذلك قَبلَ أن يُقتَلَ عُثمانُ، فلمَّا قُتِل عُثمانُ تَفاجَّت عليه، أي: وقَتْ عُثمانَ بنَفسِها، وبالغَت في تَفريجِ ما بَينَ رِجلَيها، ووقَعَت عليه.
فقال بَعضُهم: قاتَلَها اللهُ ما أعظَمَ عَجيزَتَها! أي: مُؤَخِّرَتَها، عِندَما رَأى أنَّها وقَت عُثمانَ بجَسَدِها، يَقولُ أبو سَعيدٍ: فعَلِمَت أنَّ أعداءَ اللهِ لم يُريدوا إلَّا الدُّنيا، أي: أنَّهم سَوف يَقتُلونَ عُثمانَ ولن يُبالوا بشَيءٍ.
وفي الحَديثِ بَيانُ قِصَّةِ مَقتَلِ عُثمانَ وما حَصَل مِنَ الكَذِبِ عليه.
وفيه فَضلُ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفيه تَحَقُّقُ رُؤيا عُثمانَ التي رَأى فيها رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخبرُه أنَّه يُفطِرُ عِندَه وأنَّ تَأويلَها يَعني أنَّه سَوف يَموتُ في ذلك اليَومِ.
وفيه أنَّ عُثمانَ هو أوَّلُ مَن خَطَّ المُفصَّلَ مِنَ القُرآنِ.
وفيه فَضلُ زَوجةِ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنها ومُدافعَتُها عنه .