- خَرَجَ جَعفَرُ بنُ أبي طالبٍ في رَهطٍ من المُسلِمينَ فِرارًا بدِينِهم أنْ يُفتَنوا عنه إلى أرضِ الحَبَشةِ، وبَعَثتْ قُرَيشٌ عمرَو بنَ العاصِ، وعِمارةَ بنَ الوليدِ بنِ المُغيرةِ وأمَروهما أنْ يُسرِعا السَّيرَ، ففَعَلا وأهْدَوُا النَّجاشيَّ فَرَسًا وجُبَّةَ دِيباجٍ، وأهْدَوْا لِعُظَماءِ الحَبَشةِ هَدايا، فلمَّا قَدِمَا على النَّجاشيِّ قَبِلَ هَداياهم، وأجلَسَ عمرَو بنَ العاصِ على سَريرِه، فقال عمرُو بنُ العاصِ: إنَّ بأرضِكَ رِجالًا مِنَّا سُفَهاءَ ليسوا على دِينِكم ولا على دِينِنا، فادْفَعْهم إلينا، فقالت عُظَماءُ الحَبَشةِ للنَّجاشيِّ: أجَلْ، فادْفَعْهم إليهم، فقال النَّجاشيُّ: لا واللهِ، لا أدفَعُهم إليهم حتى أُكلِّمَهم وأَعلَمَ على أيِّ شَيءٍ هم، فقال عمرُو بنُ العاصِ: هم أصحابُ الرَّجُلِ الذي خَرَجَ فينا، وسنُخبِرُك بما تَعرِفُ من سَفَهِهم وخِلافِهم الحَقَّ، أنَّهم لا يَشهَدون أنَّ عيسى ابنُ اللهِ، ولا يَسجُدون لك إذا دَخَلوا عليك كما يَفعَلُ مَن أتاكَ في سُلطانِك، فأرسَلَ النَّجاشيُّ إلى جَعفَرٍ وأصحابِه، وقد أجلَسَ النَّجاشيُّ عمرَو بنَ العاصِ على سَريرِه، فلم يَسجُدْ له جَعفَرٌ ولا أصحابُه وحَيَّوْه بالسَّلامِ، فقال عمرٌو وعِمارةُ: أَلَمْ نُخبِرْك خَبَرَ القَومِ، فقال النَّجاشيُّ: ألَا تُحدِّثوني أيُّها الرَّهْطُ، ما لكم لا تُحيُّوني كما يُحَيِّيني مَن أَتاني من قَومِكم، وأَخبِروني ماذا تَقولون في عيسى ابنِ مَريَمَ؟ وما دِينُكم أنَصارى أنتم؟ قالوا: لا، قال: فيَهودُ أنتم؟ قالوا: لا، قال فَعَلى دينِ قَومِكم؟ قالوا لا، قال: فما دِينُكم؟ قالوا: الإسلامُ، قال: وما الإسلامُ؟ قالوا: نَعبُدُ اللهَ وحدَه لا شَريكَ له، ولا نُشرِكُ به شَيئًا، قال: مَن جاءَكم بهذا؟ قالوا: جاءَنا به رَجُلٌ من أنْفُسِنا، قد عَرَفْنا وَجْهَه ونَسَبَه، قد بَعَثَه اللهُ إلينا كما بَعَثَ الرُّسَلَ إلى مَن قَبلَنا، فأَمَرَنا بالبِرِّ للوالدَيْنِ والصِّدقِ والوَفاءِ وأداءِ الأمانةِ، ونَهانا أنْ نَعبُدَ الأوثانَ ، وأمَرَنا أنْ نَعبُدَ اللهَ وحدَه، ولا نُشرِكَ به شَيئًا، فصدَّقْناه، وعَرَفْنا كَلامَ اللهِ، وعَلِمْنا أنَّ الذي جاءَ به من عندِ اللهِ، فلمَّا فَعَلْنا ذلك عادانا قَومُنا، وعادَوُا النَّبيَّ الصَّادِقَ وكذَّبوه وأرادوا قَتلَه، وأرادونا على عِبادَةِ الأوْثانِ ، ففَرَرْنا إليكَ بدِينِنا ودِمائِنا من قَومِنا، فقال النَّجاشيُّ: واللهِ إنْ خَرَجَ هذا الأمرُ إلَّا من المِشكاةِ التي خَرَجَ منها أمْرُ موسى عليه السَّلامُ، قال جَعفَرٌ: وأمَّا التَّحيَّةُ فإنَّ رسولَنا أخبَرَنا أنَّ تَحيَّةَ أهلِ الجَنَّةِ السَّلامُ، فأمَرَنا بذلك، فحَيَّيْناكَ بالذي يُحيِّي به بعضُنا بعضًا، وأما عيسى فهو عبدُ اللهِ ورسولُه، وكَلِمَتُه أَلْقاها إلى مَريَمَ، ورُوحٌ منه، وابنُ العَذراءِ البَتولِ ، فخَفَضَ النَّجاشيُّ يَدَه إلى الأرضِ وأخَذَ منها عُودًا، وقال: واللهِ ما زادَ ابنُ مَريَمَ على هذا وَزنَ هذا العُودِ، فقال عُظَماءُ الحَبَشةِ: واللهِ لئن سَمِعَتْ هذا الحَبَشةُ لَتَخلَعَنَّكَ، فقال النَّجاشيُّ: واللهِ لا أقولُ في عيسى غَيرَ هذا أبدًا، ثم قال: أَرجِعوا إلى هذا هَديَّتَه يُريدُ عمرَو بنَ العاصِ، واللهِ لو رَشَوْني في هذا دَبَرَ ذَهَبٍ -والدَّبَرُ في لِسانِ الحَبَشةِ الجَبَلُ- ما قَبِلْتُه، وقال لجَعفَرٍ وأصحابِه: امْكُثوا، فأنتم سُيومٌ –والسُّيومُ: الآمِنون- وأمَرَ لهم بما يُصلِحُهم من الرِّزقِ، وقال: مَن نَظَرَ إلى هؤلاءِ الرَّهطِ نَظرَةً تُؤذيهم فقد غَرِمَ -أي: فقد عَصاني- وكان اللهُ قد ألقى العَداوَةَ بين عمرِو بنِ العاصِ وعِمارةَ في مَسيرِهما قَبلَ أنْ يَقدُمَا إلى النَّجاشيِّ ثم اصْطَلَحا حين قَدِمَا على النَّجاشيِّ ؛ لِيُدرِكا حاجَتَهما التي خَرَجا إليها من طَلَبِ المُسلِمينَ، فلمَّا أخْطَأهما ذلك رَجَعا إلى شَرِّ ما كانا عليه من العَداوَةِ، فمَكَرَ عَمرٌو بعِمارَةَ، فقال: يا عِمارةُ، إنَّك رَجُلٌ جَميلٌ فاذهَبْ إلى امرَأةِ النَّجاشيِّ ، فتحدَّثْ عندَها إذا خَرَجَ زَوجُها، فإنَّ ذلك عَونٌ لنا في حاجَتِنا، فراسَلَها عِمارةُ حتى دَخَلَ عليها، فلمَّا دَخَلَ عليها انطَلَقَ عمرٌو إلى النَّجاشيِّ ، فقال له: إنَّ صاحبي هذا صاحِبُ نِساءٍ، وإنَّه يُريدُ أهلَك، فاعلَمْ عِلْمَ ذلك، فبَعَثَ النَّجاشيُّ ، فإذا عمارةُ عندَ امرأتِه، فأمر به فنَفَخَ في إحليلِه ثم أُلقيَ في جَزيرةٍ من البَحرِ، فجُنَّ، واستَوْحَشَ مع الوَحْشِ، ورَجَعَ عمرٌو إلى مكَّةَ قد أهلَكَ اللهُ صاحِبَه، وخيَّبَ مَسيرَه، ومَنَعَه حاجَتَه.

الدلالات الموضوعية:# إسلام - فضل الإسلام# أيمان - لفظ اليمين وما يحلف به# مناقب وفضائل - النجاشي وأصحابه# أنبياء - عيسى# مناقب وفضائل - جعفر بن أبي طالب
المصدر: الخصائص الكبرى
الراوي: موسى بن عقبة
المحدث: السيوطي
الحكم:ورد نحو ذلك من طرق موصولة عن ابن مسعود وأبي موسى وأم سلمة

بيانات التخريج:

أخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (2/ 293) واللفظ له.

الشرح والتوضيح

أمرَنا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ أن ننطلقَ معَ جعفرَ بنَ أبي طالبٍ إلى أرضِ النَّجاشيِّ ، قالَ فبلغَ ذلِكَ قومَنا فبعثوا عَمرو بنَ العاصِ وعمارةَ بنَ الوليدِ وجمَعوا للنَّجاشيِّ هديةً ، فقَدِمنا وقَدِما علَى النَّجاشيِّ ، فأتَوهُ بِهَديَّتِهِ فقبِلَها وسجدوا ثمَّ قالَ لَهُ عَمرو بنُ العاصِ : إنَّ قومًا منَّا رغِبوا عن دينِنا وَهُم في أرضِكَ .

فقالَ لَهُمُ النَّجاشيُّ : في أرضي ؟ قالوا : نعم .

فبعثَ إلينا فقالَ لَنا جعفرٌ : لا يتَكَلَّمُ منكُم أحدٌ أَنا خطيبُكُمُ اليومَ .

قال فانتَهَينا إلى النَّجاشيِّ وَهوَ جالسٌ في مَجلسِهِ وعَمرو بنُ العاصِ عن يمينِهِ وعمارةُ عن يسارِه ، والقسِّيسونَ والرُّهبانُ جلوسٌ سماطينِ ، وقد قال لهُ عمرو بنُ العاصِ وعمارةُ : إنَّهم لا يسجدونَ لَكَ .

قال فلمَّا انتَهَينا زَبَرَنا قالَ مَن عندَهُ منَ القسِّيسينَ والرُّهبانُ : اسجدوا للملِكِ .

فقالَ جعفرٌ : لا نسجدُ إلَّا للَّهِ فلمَّا انتَهَينا إلى النَّجاشيِّ قالَ : ما يمنعُكَ أن تسجُدَ ؟ قالَ : لا نسجُدَ إلَّا للَّهِ قالَ لَهُ النَّجاشيُّ : وما ذاكَ ؟ قالَ : إنَّ اللَّهَ بعثَ فينا رسولَهُ ، وَهوَ الرسولُ الَّذي بشرَ بهِ عيسَى ابنُ مريمَ برسولٍ يأتي من بعدي اسمُهُ أحمدُ فأمرَنا أن نعبدَ اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شيئًا ، ونقيمَ الصَّلاةَ ، ونُؤْتيَ الزَّكاةَ ، وأمرَنا بالمعروفِ ، ونَهانا عنِ المنكرِ .

قالَ : فأعجبَ النَّجاشيَّ قولُهُ ، فلمَّا رأى ذلِكَ عَمرو بنُ العاصِ قال : أصلحَ اللَّهُ الملِكَ ، إنَّهم يخالفونَ في ابنِ مريمَ .

فقالَ النَّجاشيُّ لجعفرٍ : ما يقولُ صاحبُكَ في ابنِ مريمَ ؟ قالَ : يقولُ فيهِ قَولَ اللَّهِ هوَ روحُ اللَّهِ وَكَلمتُهُ أخرجَهُ منَ البتولِ العذراءِ الَّتي لم يَقربَها بشرٌ قالَ : فتَناولَ النَّجاشيُّ عودًا منَ الأرضِ ، فقالَ : يا معشرَ القسِّيسينَ والرُّهبانَ ، ما يزيدُ ما يقولُ هؤلاءُ علَى ما تقولونَ في ابنِ مريمَ ما يزنُ هذِهِ ، مرحبًا بِكُم وبمَن جئتُمْ من عندِهِ ، فأَنا أشهدُ أنَّهُ رسولُ اللَّهِ والَّذي بشرَ بهِ عيسَى ابنُ مريمَ ، لَولا ما أَنا فيهِ منَ المُلكِ لأتَيتُهُ حتَّى أحملَ نعلَيهِ ، امكثوا في أرضي ما شئتُمْ وأمرَ لَنا بطعامٍ وَكِسوةٍ ، وقالَ : ردُّوا علَى هذَينِ هديَّتَهما .

قالَ : وَكانَ عَمرو بنُ العاصِ ، رجلًا قصيرًا ، وَكانَ عمارةُ بنُ الوليدِ رجلًا جميلًا ، قالَ : فأقبلا في البحرِ إلى النَّجاشيِّ ، قال فشرِبوا ، قال ومعَ عَمرو بنِ العاصِ امرأتُهُ ، فلمَّا شرِبوا الخمرَ ، قالَ عمارةُ لعمرٍو : مُرْ امرأتَكَ فلتقَبِّلْني .

فقال لهُ عَمرو ألا تستحي فأخذَهُ عمارةُ فرمَى بِهِ في البحرِ ، فجعلَ عَمرو يُناشدُهُ حتَّى أدخلَهُ السَّفينةَ ، فحقدَ عليهِ عمرٌو ذلِكَ ، فقالَ عمرٌو للنَّجاشيِّ : إنَّكَ إذا خرجتَ خَلَفَ عمارةُ في أَهْلِكَ .

قالَ : فدعا النَّجاشيُّ بعمارةَ فنفخَ في إحليلِهِ فصارَ معَ الوحشِ الراوي : أبو موسى الأشعري المحدث : الوادعي المصدر : صحيح دلائل النبوة الصفحة أو الرقم: 104 خلاصة حكم المحدث : صحيح .

ورجاله رجال الشيخين التخريج : أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (2/ 338)، وابن أبي شيبة (14/ 346) واللفظ له، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (1/ 114).

باختلاف يسير لمَّا بَعَثَ اللهُ رَسولَه مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لدَعوةِ النَّاسِ لتَوحيدِ اللهِ تعالى، كَذَّبه قَومُه وآذَوه أشَدَّ الأذى، ولم يُؤمِنْ مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا قِلَّةٌ قَليلةٌ مِنَ الضُّعَفاءِ، فتَسَلَّط كُفَّارُ قُرَيشٍ على مَن آمَنَ وآذَوهم وضَرَبوهم وضَيَّقوا عليهم، فلمَّا رَأى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شِدَّةَ أذى المُشرِكينَ للمُؤمِنينَ، أذِنَ لهم بالهجرةِ إلى الحَبَشةِ، وأخبَرَهم أنَّ بها مَلِكًا لا يُظلَمُ عِندَه أحَدٌ، فهاجَرَ جَماعةٌ مِنَ الصَّحابةِ إلى الحَبَشةِ، فأرسَلت قُرَيشٌ في طَلَبِهم حتَّى يَرجِعوا إلى مَكَّةَ، وفي هذا الحَديثِ يَحكي أبو موسى الأشعَريُّ رَضِيَ اللهُ عنه ما حَصَل لهم عِندَما هاجَروا إلى الحَبَشةِ، فيَقولُ: أمَرَنا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن نَنطَلقَ مَعَ جَعفَرِ بنِ أبي طالِبٍ إلى أرضِ النَّجاشيِّ، أي: أن نُسافِرَ ونُهاجِرَ مَعَ جَعفَرِ بنِ أبي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنه.

ولعَلَّه وقَعَ هنا وَهمٌ مِنَ الرَّاوي؛ فظاهِرُه يَدُلُّ على أنَّ أبا موسى كان بمَكَّةَ، وأنَّه خَرَجَ مَعَ جَعفَرِ بنِ أبي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنه إلى أرضِ الحَبَشةِ، والصَّحيحُ عن أبي موسى أنَّه بَلغَهم مَخرَجُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهم باليَمَنِ فخَرَجوا مُهاجِرينَ في بِضعٍ وخَمسينَ رَجُلًا في سَفينةٍ، فألقَتهم سَفينَتُهم إلى النَّجاشيِّ بالحَبَشةِ، فوافقوا جَعفَرَ بنَ أبي طالِبٍ وأصحابَه عِندَه، فأمَرَهم جَعفَرٌ بالإقامةِ، فأقاموا حتَّى قَدِموا على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زَمَنَ خَيبَرَ، فأبو موسى شَهدَ ما جَرى بَينَ جَعفَرٍ وبَينَ النَّجاشيِّ، فأخبَرَ عنه.

فبَلغَ ذلك قَومَنا، أي: بَلغَ قَومَهم مِنَ الكُفَّارِ أنَّهم قد هاجَروا إلى الحَبَشةِ، فبَعَثوا، أي: أرسَلوا عَمرَو بنَ العاصِ، وكان ذلك قَبلَ إسلامِه، وعُمارةَ بنَ الوَليدِ، وجَمَعوا للنَّجاشيِّ -وهو لقَبُ مَلِكِ الحَبَشةِ- هَديَّةً، أي: أنَّهم كانوا قد جَهَّزوا هَدايا للنَّجاشيِّ ولأعوانِه يَستَلطِفونَه في أن يَرُدَّ عليهمُ الذينَ هاجَروا إلى عِندِه، يَقولُ أبو موسى: فقَدِمْنا، وقَدِما على النَّجاشيِّ، أي: وصَلْنا إلى الحَبَشةِ، ووصَل عَمرُو بنُ العاصِ وعُمارةُ بنُ الوليدِ إلى النَّجاشيِّ، فأتَوه بهَديَّتِه فقَبِلَها، أي: أعطَوا للنَّجاشيِّ الهَديَّةَ فقَبِلَها، وسَجَدوا، أي: سَجَدوا له تَعظيمًا له وتَحيَّةً، كَما هو شَأنُ الرَّعيَّةِ مَعَ المُلوكِ، ثُمَّ قال عَمرُو بنُ العاصِ للنَّجاشيِّ: إنَّ قَومًا مِنَّا، أي: مِن جَماعَتِنا مِن قُرَيشٍ رَغِبوا عن دينِنا، أي: تَرَكوا دينَنا وما نَحنُ عليه، وانتَقَلوا إلى دينٍ آخَرَ، وهم في أرضِك، أي: همُ الآنَ عِندَك في بَلدِك.

فقال لهمُ النَّجاشيُّ: في أرضي؟ أي -واللهُ أعلمُ- تَعَجَّب لماذا قدِموا إلى أرضِه واختاروها على غَيرِها مِنَ البُلدانِ.

قالوا: نَعَم، أي: أجَلْ هم في أرضِك.

يَقولُ أبو موسى: فبَعَثَ إلينا، أي: أرسَل النَّجاشيُّ إلى المُهاجِرينَ يَطلُبُ لُقياهم وحُضورَهم.

فقال لنا جَعفَرٌ: لا يَتَكَلَّمْ مِنكُم أحَدٌ، أنا خَطيبكُمُ اليَومَ، أي: إذا حَضَرنا عِندَ النَّجاشيِّ فلا يَتَكَلَّمْ كُلُّ واحِدٍ، وإنَّما نَكِلُ الكَلامَ لشَخصٍ واحِدٍ يَكونُ هو المُتَحَدِّثَ، وسَوف أكونُ أنا المُتَحَدِّثَ عنكُم؛ لأنَّه آنَسَ مِن نَفسِه رُشدًا.

فانتَهَينا إلى النَّجاشيِّ، أي: وصَلْنا إليه وهو جالسٌ في مَجلسِه، أي: مَجلِسِ مُلكِه، وعَمرُو بنُ العاصِ عن يَمينِه، وعُمارةُ بنُ الوَليدِ عن يَسارِه، والقِسِّيسونَ -جَمعُ قَسٍّ، وهو رَئيسٌ مِن رُؤَساءِ النَّصارى في الدِّينِ- والرُّهبانُ -جَمعُ راهبٍ، وهو المُتَعَبِّدُ في صَومَعةٍ مِنَ النَّصارى يَتَخَلَّى عن أشغالِ الدُّنيا ومَلاذِّها زاهدًا فيها مُعتَزِلًا أهلَها- جُلوسٌ سِماطَينِ أي: صَفَّينِ مُنتَظِمَينِ، كُلُّ صَفٍّ في جانِبٍ.

والمَعنى: أنَّ عَمرَو بنَ العاصِ كان عن يَمينِ النَّجاشيِّ، وعُمارةُ بنُ الوليدِ كان عن يَسارِ النَّجاشيِّ، وأمَّا القَساوِسةُ والرُّهبانُ فقد كانوا صَفَّينِ، كُلُّ صَفٍّ في جانِبٍ مِن جَوانِبِ النَّجاشيِّ.

وقد كان عَمرُو بنُ العاصِ وعُمارةُ قالا للنَّجاشيِّ: إنَّهم لا يَسجُدونَ لك، أي: إنَّ هؤلاء القَومَ الذينَ تَرَكوا دينَنا لا يَسجُدونَ لك كَما يَفعَلُ بَقيَّةُ الرَّعيَّةِ.

وأرادَ بذلك أن يوغِرَ صَدرَ النَّجاشيِّ عليهم.

فلمَّا انتَهَينا، أي: وصَلنا إلى قَصرِ النَّجاشيِّ ومَكانِه، زَبَرَنا، أي: انتَهَرَنا مَن عِندَ النَّجاشيِّ مِنَ القِسِّيسينَ والرُّهبانِ، وقالوا: اسجُدوا للمَلِكِ، أي: إذا دَخَلتُم على النَّجاشيِّ فاسجُدوا له.

فقال جَعفَرٌ رَضِيَ اللهُ عنه: لا نَسجُدُ إلَّا للهِ، أي: نَحنُ لا نَسجُدُ إلَّا للهِ وَحدَه؛ فهو المُستَحِقُّ للعِبادةِ كُلِّها، ومِنها السُّجودُ، فلمَّا انتَهَينا، أي: وصَلنا إلى النَّجاشيِّ، ولم يَسجُدوا، قال النَّجاشيُّ لجَعفَرٍ: ما يَمنَعُك أن تَسجُدَ؟ أي: ما الذي حَمَلك على عَدَمِ السُّجودِ لي.

فقال جَعفَرٌ: لا نَسجُدُ إلَّا للهِ! فقال له النَّجاشيُّ: وما ذاكَ؟ أي: فسِّرْ لي مَعنى قَولِك، وماذا تَقصِدُ أنَّكُم لا تَسجُدونَ إلَّا للهِ فقَط؟ فقال جَعفَرٌ: إنَّ اللَّهَ بَعَثَ فينا رَسولَه، أي: أرسَله لنا، وهو الرَّسولُ الذي بَشَّرَ به عيسى ابنُ مَريَمَ {برَسولٍ يَأتي مِن بَعدي اسمَه أحمَدُ}، أي: رَسولُنا هو الرَّسولُ الذي أخبَرَ به عيسى ابنُ مَريَمَ، فأمَرَنا نَبيُّنا أن نَعبُدَ اللَّهَ، أي: أن نُخلِصَ له العِبادةَ ولا نُشرِكَ به شَيئًا، أي: لا نَجعَلَ مَعَ اللهِ شَريكًا آخَرَ في العِبادةِ، ونُقيمَ الصَّلاةَ، أي: أمَرَنا بإقامةِ الصَّلاةِ، ونُؤتيَ الزَّكاةَ، أي: نُخرِجَ زَكاةَ أموالِنا، وإن كان تَفاصيلُ الصَّلاةِ والزَّكاةِ لم تَكُنْ شُرِعَت حينَ ذلك.

وأمَرَنا بالمَعروفِ، أي: بكُلِّ ما هو خَيرٌ وحَسَنٌ، ونَهانا عنِ المُنكَرِ، أي: بكُلِّ ما هو قَبيحٌ وسَيِّئٌ، ومِن ذلك ما كانت عليه الجاهليَّةُ مِنَ القَبائِحِ.

فلمَّا سَمِعَ النَّجاشيُّ كَلامَ جَعفَرٍ أُعجِبَ بقَولِه.

فلمَّا رَأى ذلك عَمرُو بنُ العاصِ، أي: رَأى أنَّ النَّجاشيَّ أُعجِبَ بكَلامِ جَعفَرٍ وظَنَّ أنَّ النَّجاشيَّ لن يُرجِعَهم مَعَهم، أرادَ أن يوغِرَ صَدرَ النَّجاشيِّ بشَيءٍ عليهم، فقال: أصلحَ اللهُ المَلِكَ، إنَّهم -أي: جَعفَرًا وأصحابَه- يُخالفونَ في ابنِ مَريَمَ! أي: يُخالفونَك فيما تَعتَقِدُه أنتَ في نَبيِّكُم عيسى ابنِ مَريَمَ! فقال النَّجاشيُّ لجَعفَرٍ: ما يَقولُ صاحِبُك في ابنِ مَريَمَ؟ أي: ما يَقولُ نَبيُّكُم في عيسى ابنِ مَريَمَ؟ فقال جَعفَرٌ: يَقولُ فيه قَولَ اللهِ: هو رُوحُ اللهِ وكَلِمَتُه، أي: كان بكَلِمةِ اللهِ، أخرَجَه مِنَ البَتولِ.

والبَتولُ: هيَ المُنقَطِعةُ عنِ الأزواجِ للعِبادةِ، العَذراءِ، أي: البكرِ التي لم يَقرَبْها بَشَرٌ، أي: لم يَمسَّها بشَرٌ.

فلمَّا سَمِعَ النَّجاشيُّ كَلامَ جَعفَرٍ تَناول عودًا مِنَ الأرضِ، وقال: يا مَعشَرَ القِسِّيسينَ والرُّهبانِ، ما يَزيدُ ما يَقولُ هؤلاء على ما تَقولونَ في ابنِ مَريَمَ ما يَزِنُ هذه! أي: أنَّ ما تَعتَقِدونَه أيُّها القِسِّيسونَ والرُّهبانُ لا يَختَلفُ عَمَّا يَعتَقِدُه جَعفرٌ وأصحابُه، فلا يَزيدُ اعتِقادُكُم على اعتِقادِهم بمِثقالِ هذا العودِ، بَل هو سَواءٌ.

ثُمَّ قال النَّجاشيُّ لجَعفَرٍ ومَن مَعَه: مَرحَبًا بكُم، أي: أهلًا وسَهلًا بكُم في أرضي، وبمَن جِئتُم مِن عِندِه، أي: النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأنا أشهَدُ أنَّه رَسولُ اللهِ، أي: أُقِرُّ بأنَّ مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو رَسولُ اللهِ، وهو الذي بَشَّرَ به عيسى ابنُ مَريَمَ، لولا ما أنا فيه مِنَ المُلكِ لأتَيتُه حتَّى أحمِلَ نَعلَيه! أي: إنَّ مُلكي يَمنَعُني مِنَ الذَّهابِ إليه ولُقياه، فأخافُ إن تَرَكتُ البَلَدَ والمُلكَ أن يَستَوليَ عليه غَيري، ولولا المُلكُ لأتَيتُه حتَّى أحمِلَ نَعلَيْ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

امكُثوا، أي: ابقَوا في أرضي ما شِئتُم، وأمَرَ لهمُ النَّجاشيُّ بطَعامٍ وكِسوةٍ.

وقال لجَماعَتِه أو للقَساوِسةِ والرُّهبانِ: رُدُّوا على هذينِ -أي: عَمرِو بنِ العاصِ، وعُمارةَ بنِ الوَليدِ- هَديَّتَهما، أي: أرجِعوا لهم هَداياهم فلا نُريدُها.

يَقولُ أبو موسى: وكان عَمرُو بنُ العاصِ رَجُلًا قَصيرًا، وكان عُمارةُ بنُ الوليدِ رَجُلًا جَميلًا، فأقبَلا في البَحرِ إلى النَّجاشيِّ، أي: عِندَ ذَهابِهم إلى النَّجاشيِّ لمَّا رَكِبوا البَحرَ مُسافِرينَ إلى الحَبَشةِ، فشَرِبوا، أي: شَرِبوا الخَمرَ حتَّى سَكِروا، ومَعَ عَمرِو بنِ العاصِ امرَأتُه، أي: كانت مَعَهم في السَّفرِ، فلمَّا شَرِبوا الخَمرَ، قال عُمارةُ لعَمرٍو: مُرِ امرَأتَك فلتُقَبِّلْني، أي: اجعَلْها تُقَبِّلُني! فقال عَمرٌو لعُمارةَ: ألَا تَستَحي؟! أي: ألَا تَستَحي مِن هذا الطَّلَبِ حَيثُ تُريدُني أن أجعَلَ زَوجَتي تُقَبِّلُك؟! فعِندَ ذلك أخَذَ عُمارةُ عَمرًا ورَمى به في البَحرِ؛ وذلك لأنَّ عَمرًا كان قَصيرًا وعُمارةُ كان طَويلًا، فجَعَل عَمرٌو يُناشِدُه، أي: يَصيحُ ويَطلُبُ مِنه أن يُخرِجَه مِنَ البَحرِ، فاستَجابَ عُمارةُ حتَّى أدخَل عَمرًا السَّفينةَ، فلهذا الفِعلِ حَقَد عَمرٌو على عُمارةَ؛ ولذلك قال عَمرٌو للنَّجاشيِّ: إنَّك إذا خَرَجتَ، أي: خَرَجتَ مِن قَصرِك أو مِن مَكانِك، خَلَفَ عُمارةُ في أهلِك، أي: أنَّ عُمارةَ يَذهَبُ إلى أهلِك ويواقِعُهم! ويُريدُ عَمرٌو بذلك أن يوغِرَ صَدرَ النَّجاشيِّ على عُمارةَ، فدَعا النَّجاشيُّ بعُمارةَ فنَفخَ في إحليلِه، أي: ذَكَرِه، فصارَ مَعَ الوَحشِ، أي: فعَلوا به سِحرًا حتَّى جُنَّ واستَوحَشَ، فصارَ يَعدو مَعَ الوَحشِ في البَرِّيَّةِ حتَّى ماتَ! والوَحشُ هو حَيَوانُ البَرِّ، الواحِدُ وَحشيٌّ، وأرضٌ مُوحِشةٌ، أي: خاليةٌ لا أنيسَ بها.

ثُمَّ رَجَعَ عَمرٌو إلى مَكَّةَ، وقد أهلكَ اللهُ صاحِبَه، وخَيَّبَ مَسيرَه ومَنَعَه حاجَتَه.

وفي الحَديثِ إذنُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للصَّحابةِ بالهجرةِ إلى الحَبَشةِ.

وفيه مَشروعيَّةُ الهِجرةِ عِندَ عَدَمِ التَّمَكُّنِ مِن إظهارِ الدِّينِ وخَوفِ الفِتنةِ.

وفيه شِدَّةُ إيذاءِ قُرَيشٍ للمُسلمينَ.

وفيه دَهاءُ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنه.

وفيه فِطنةُ جَعفَرٍ وحُنكَتُه في مُخاطَبةِ النَّجاشيِّ.

وفيه فَضلُ جَعفَرِ بنِ أبي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنه.

وفيه تَوكيلُ الجَماعةِ شَخصًا يَكونُ هو المُتَحَدِّثَ عنهم.

وفيه بَيانُ ما كان عليه الكُفَّارُ مِنَ السُّجودِ لمُلوكِهم.

وفيه بَيانُ تَبشيرِ عيسى عليه السَّلامُ بالنَّبيِّ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه بَيانُ أنَّ ما جاءَ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يَختَلفُ عَمَّا جاءَ به عيسى عليه السَّلامُ.

وفيه إسلامُ النَّجاشيِّ.

وفيه أنَّ المُلْكَ قد يَمنَعُ كَثيرًا مِنَ الخَيرِ.

وفيه كَرَمُ النَّجاشيِّ وحُسنُ ضيافتِه للصَّحابةِ المُهاجِرينَ عِندَه.

وفيه بَيانُ بَعضِ مَفاسِدِ وأضرارِ الخَمرِ .

الأصول والأحكام

دلائل النبوة للبيهقي (2/ 293) [[أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، ببغداد قال: أنبأنا أبو بكر بن عتاب قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة في كتاب المغازي]] وخرج جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في رهط من المسلمين عند ذلك فرارا بدينهم أن يفتنوا عنه إلى أرض الحبشة، وبعثت قريش عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد بن المغيرة، وأمروهما أن يسرعا السير، ففعلا وأهدوا للنجاشي فرسا، وجبة ديباج، وأهدوا لعظماء الحبشة هدايا، فلما قدما على النجاشي قبل هداياهم، وأجلس عمرو بن العاص على سريره، فقال عمرو: إن بأرضك رجالا منا سفهاء ليسوا على دينكم ولا على ديننا، فادفعهم إلينا، فقالت عظماء الحبشة للنجاشي: أجل فادفعهم إليهم، فقال النجاشي: لا والله، لا أدفعهم إليهم حتى أكلمهم وأعلم على أي شيء هم.

فقال عمرو بن العاص: هم أصحاب الرجل الذي خرج فينا، وسنخبرك بما نعرف من سفههم وخلافهم الحق، أنهم لا يشهدون أن عيسى ابن الله، ولا يسجدون لك إذا دخلوا عليك كما يفعل من أتاك في سلطانك.

فأرسل النجاشي إلى جعفر وأصحابه، وأجلس النجاشي عمرو بن العاص على سريره فلم يسجد له جعفر ولا أصحابه، وحيوه بالسلام، فقال عمرو وعمارة: ألم نخبرك خبر القوم والذي يراد بك؟ فقال النجاشي: ألا تحدثوني أيها الرهط، ما لكم لا تحيوني كما يحييني من أتاني من قومكم وأهل بلادكم

أحاديث ذات صلة