«سَألْتُ رَبِّي مَسْألةً وَدِدْتُ أنِّي لم أسْأَلْه، قُلْتُ: يا رَبِّ، كانَتْ قَبْلي أنْبِياءُ، فمِنهم مَن سُخِّرَتْ له الرِّياحُ، ومِنهم مَن كانَ يُحْيي المَوْتى، قالَ: أَلَمْ أَجِدْك يَتيمًا فآوَيْتُك، ووَجَدْتُك ضالًّا فهَدَيْتُك، أَلَمْ أَشرَحْ لك صَدْرَك، قالَ: قُلْتُ: بَلى يا رَبِّ.
لَفْظُ البَغَويِّ.
وفي رِوايةِ التُّسْتَرِيِّ: كانَتْ قَبْلي رُسُلٌ مِنهم -وعِنْدَه: ألَمْ أَجِدْك ضالًّا فهَدَيْتُك، ألَمْ أَجِدْك عائِلًا فأَغْنَيْتُك، ألَمْ أَشْرَحْ لك صَدْرَك، ووَضَعْتُ عنك وِزْرَك؟ قالَ: قُلْتُ: بَلى يا رَبِّ».
سألتُ ربِّي عزَّ وجلَّ مسألةً وَدِدْتُ أنِّي لم أكُنْ سألتُه؛ قُلتُ: أيْ ربِّ، قد كانتْ قَبْلي أنبياءُ، منهم مَن سخَّرتَ له الرِّيحَ، ثمَّ ذكَرَ سُليمانَ بنَ داودَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ومنهم مَن كان يُحْيِي المَوْتى، ثمَّ ذكَرَ عيسى ابنَ مريمَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ومنهم ومنهم، يَذكُرُ ما أُعْطُوا، قال: ألم أَجِدْك يتيمًا فآوَيْتُ، قُلتُ: بلى، أيْ ربِّ، قال: ألم أجِدْك ضالًّا فهدَيتُ؟ قُلتُ: بلى، أيْ ربِّ، قال: ألم أجِدْك عائلًا فأَغنَيتُ؟ قُلتُ: بلى، أيْ ربِّ، قال: ألم أشرَحْ لك صدرَك، ووضَعتُ عنك وِزْرَك؟ قُلتُ: بلى، أيْ ربِّ.
الراوي : عبدالله بن عباس المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج مشكل الآثار الصفحة أو الرقم: 3966 خلاصة حكم المحدث : إسناده حسن التخريج : أخرجه الطبراني (11/455) (12289)، والحاكم (3944)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (7/62) باختلاف يسير أرسَلَ اللهُ تعالى الرُّسُلَ، وجَعَلَ لكُلِّ واحِدٍ مِنهم مُعجِزةً أو فضيلةً اختَصَّ بها دونَ بَقيَّةِ الأنبياءِ، وكان نَبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أكثَرَ الأنبياءِ مُعجِزاتٍ، بَل هو أكرَمُ الخَلقِ عِندَ اللهِ تعالى، وقد خَصَّه اللهُ تعالى بفضائِلَ وخَصائِصَ ليست لغَيرِه مِنَ الأنبياءِ السَّابِقينَ، وفي هذا الحَديثِ يَقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: سَألتُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ مَسألةً، أي: طَلَبتُ مِنَ اللهِ حاجةً حتَّى يُعطيَني إيَّاها، ودِدتُ أنِّي لَم أكُنْ سَألتُه، أي: تَمَنَّيتُ أنِّي لَم أسألْ ذلك الطَّلَبَ، قُلتُ: أي رَبِّ، أي: يا رَبِّ، قد كانت قَبلي أنبياءُ مِنهم مَن سَخَّرتَ له الرِّيحَ، أي: جَعَلتَ له الرِّيحَ تَحتَ تَصَرُّفِه يَذهَبُ بها حَيثُ شاءَ، ثُمَّ ذَكَرَ سُلَيمانَ بنَ داودَ عليه السَّلامُ، أي: نَبيُّ اللهِ سُلَيمانُ هو الذي سَخَّرَ اللَّهُ تعالى له الرِّيحَ، كما قال تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ} [الأنبياء: 81] ، ومِنهم مَن كان يُحيي المَوتى، أي: مِن أنبيائِك يا رَبِّ مَن أعطَيتَه القُدرةَ على إحياءِ المَوتى، ثُمَّ ذَكَرَ عيسى ابنَ مَريَمَ عليه السَّلامُ، أي: نَبيُّ اللهِ عيسى هو الذي أوتيَ ذلك، كما قال تعالى له: {وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي} [المائدة: 110] ، ومِنهم ومِنهم، يَذكُرُ ما أُعطُوا، أي: جَعَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَذكُرُ للهِ الأنبياءَ الذينَ أعطاهمُ اللهُ المُعجِزاتِ.
فقال اللهُ له: ألَم أجِدْك يَتيمًا فآويتُك؟ أي: يا مُحَمَّدُ، ألَم تَكُنْ يَتيمًا صَغيرًا فقيرًا حينَ ماتَ أبَواك ولَم يُخَلِّفا لَك مالًا ولا مَأوًى، فجَعَلتُ لَك مَأوًى تَأوي إليه، وضَمَّك عَمُّك أبو طالِبٍ إليه فأحسَنَ تَربيَتَك وكَفاك المُؤنةَ وظَلَّ يحوطُك ويَنصُرُك ويَرفَعُ مِن قَدرِك ويوقِّرُك، ويَكُفُّ عنك أذى قَومِك بَعدَ أنِ ابتَعَثَك اللَّهُ بالرِّسالةِ، وأبو طالِبٍ على دينِ قَومِه مِن عِبادةِ الأوثانِ، وكُلُّ ذلك بقَدَرِ اللهِ وحُسنِ تَدبيرِه.
قُلتُ: بَلى، أي رَبِّ، أي: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أجَلْ يا رَبِّ، حَصَلَ ذلك.
فقال اللهُ له: ألَم أجِدْك ضالًّا، أي: ضالًّا عَمَّا أنتَ عليه، فهَدَيتُك؟ أي: فهَدَيتُك للتَّوحيدِ والنُّبوَّةِ.
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بَلى، أي رَبِّ.
فقال اللهُ له: ألَم أجِدْك عائِلًا، أي: فقيرًا ذا عيالٍ، فأغنَيتُك؟ أي: أغناك اللهُ عَمَّن سِواه، فأغناك بمالِ خَديجةَ ثُمَّ بالغَنائِمِ.
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بَلى، أي رَبِّ.
فقال اللهُ له: ألَم أشرَحْ لَك صَدرَك، أي: ألَم نَفتَحْ ونوسِّعْ ونُلِنْ لَك قَلبَك بالإيمانِ والنُّبوَّةِ والعِلمِ والحِكمةِ.
ووضَعتُ عنك وِزرَك؟ أي: حَطَطنا عنك إثمَك الذي سَلَف في الجاهليَّةِ، وأصلُ الوِزرِ: ما حَمَلَه الإنسانُ على ظَهرِه، فشُبِّهَ بالحَملِ فجُعِلَ مَكانَه.
قُلتُ: بَلى، أي رَبِّ.
وفي الحَديثِ بَيانُ فَضلِ اللَّهِ تعالى على نَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه بَيانُ بَعضِ ما أوتيَ الأنبياءُ السَّابِقونَ .