عن عليٍّ أنَّه بعَثَ حَكَمَينِ، وقال: تَدْرِيانِ ما عليكُما؟ إنْ رأيتُما أنْ تَجمَعَا فاجمَعَا، وإنْ رأيتُما أنْ تُفرِّقَا ففَرِّقَا، فقالتِ الزَّوجةُ: رَضِيتُ بما في كتابِ اللهِ تعالى علَيَّ ولي، فقال الرَّجلُ: أمَّا الفُرقةُ فلا، قال عليٌّ: كذَبتَ حتَّى تُقِرَّ بمِثلِ الَّذي أقرَّتْ به.
جاءَ رجلٌ وامرأةٌ إلى عليٍّ عليه السلام ومعَ كلِّ واحدٍ منهما فئامٌ من النَّاسِ فأمرَهُم عليٌّ فبعثوا حَكَمًا من أَهْلِهِ وحَكَمًا من أَهْلِها ثمَّ قالَ للحَكَمينِ : تدريانِ ما عليكُما ، عليكُما إن رأيتُما أن تجمَعا أن تَجمَعا وإن رأيتُما أن تُفرِّقا أن تُفرِّقا قالت المرأةُ رَضيت بِكِتابِ اللَّهِ بما عليَّ فيهِ وليَ ، قالَ الرَّجلُ أمَّا الفُرقةُ فلا .
فقالَ عليٌّ عليه السلام كذَبتَ واللَّهِ حتَّى تُقرَّ بمثلِ الَّذي أقرَّت بِهِ الراوي : عبيدة بن عمرو السلماني المحدث : الإمام الشافعي المصدر : الأم الصفحة أو الرقم: 6/496 خلاصة حكم المحدث : ثابت التخريج : أخرجه البيهقي (14898)، والبغوي في ((شرح السنة)) (2347) كلاهما بلفظه مطولا، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (4661) بنحوه.
شَرَع اللهُ عَقدَ الزَّواجِ وسَمَّاه ميثاقًا غَليظًا؛ وذلك لِما يَقتَضيه هذا العَقدُ بَينَ الزَّوجَينِ مِن حُقوقٍ وواجِباتٍ على كُلٍّ مِنهما أن يُؤَدِّيَها حتَّى تَستَقيمَ الحَياةُ الزَّوجيَّةُ، ولكِن أحيانًا قد يَحصُلُ ما يُعَكِّرُ صَفوَ هذه الحَياةِ الزَّوجيَّةِ مِن مُشكِلاتٍ وخُصوماتٍ، فأوجَدَ اللهُ طُرُقًا لحَلِّها، ومِنها أن يَجتَمِعَ رَجُلانِ: رَجُلٌ مِن أهلِ الزَّوجِ، ورَجُلٌ مِن أهلِ الزَّوجةِ، ثُمَّ يَرَيانِ ما الأنسَبُ في الزَّوجَينِ، فيَحكُمانِ إمَّا باجتِماعِ الزَّوجَينِ وبَقاءِ عَقدِ الزَّوجيَّةِ، وإمَّا بافتِراقِهما وانفِصالِهما.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ عَبِيدةُ السَّلْمانيُّ -وهو أحَدُ التَّابِعينَ، مِن أصحابِ عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه- فيَقولُ: جاءَ رَجُلٌ وامرَأةٌ، أي: زَوجٌ مَعَ زَوجَتِه، وكَأنَّه قد حَصَل بَينَهما شِقاقٌ وخِصامٌ إلى عليِّ بنِ أبي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، ومَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهما، أي: الزَّوجِ والزَّوجةِ، فِئامٌ، أي: جَماعةٌ مِنَ النَّاسِ، فأمَرَ عليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه النَّاسَ أن يَبعَثوا، أي: يُرسِلوا، حَكَمًا مِن أهلِه، أي: الزَّوجِ، وحَكَمًا مِن أهلِها، أي: الزَّوجةِ، وإنَّما جَعَل الحَكَمَينِ مِن أهلِهما؛ لأنَّ الأقارِبَ أعرَفُ ببَواطِنِ أحوالِهما مِنَ الأجانِبِ، ولأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الزَّوجَينِ يُظهِرُ إلى حَكَمِه ما في نَفسِه مِنَ الحُبِّ والبُغضِ ما لا يُظهِرُ إلى الأجانِبِ، فلمَّا جاءَ الحَكَمانِ إلى مَجلِسِ عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه قال عليٌّ للحَكَمَينِ: تَدريانِ ما عليكُما، أي: هَل تَعرِفانِ ما الواجِبُ عليكُما في شَأنِ وحالِ شِقاقِ الزَّوجِ والزَّوجةِ؟ ثُمَّ أخبَرَهما بما يَجِبُ عليهما مِمَّا يُؤَدِّي إليه اجتِهادُهما مِنَ الجَمعِ والفُرقةِ، والجَمعُ: هو الإصلاحُ بَينَ الزَّوجَينِ، والفُرقةُ: هيَ الطَّلاقُ والخُلعُ.
فقال: عليكُما إن رَأيتُما أن تَجمَعَا أن تَجمَعَا، أي: إذا رَأيتُما بَعدَ تَشاوُرِكُما أن تَجمَعَا بَينَ الزَّوجَينِ جَمَعتُما بَينَهما، وحُكمكُما لازِمٌ عليهما، وإن رَأيتُما أن تُفَرِّقا أن تُفَرِّقا، أي: إن رَأيتُما أنَّ الأصلحَ هو أن تُفَرِّقا بَينَ الزَّوجَينِ ويَذهَبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهما في سَبيلِه فرَّقتُما بَينَهما، وحُكمكُما لازِمٌ عليهما.
فقالتِ المَرأةُ، أي: الزَّوجةُ: رَضيتُ بكِتابِ اللهِ بما عليَّ فيه ولي، أي: أنَّها قَبِلَت بحُكمِ اللهِ تعالى، سَواءٌ كان الحُكمُ عليها بالفِراقِ، أو لها بالبَقاءِ، وقال الرَّجُلُ، أي: الزَّوجُ: أمَّا الفُرقةُ فلا، أي: أنَّه يَقبَلُ بحُكمِ الحَكَمَينِ في إبقاءِ الزَّوجَينِ، وأمَّا بحُكمِهما بالفِراقِ وأن يُفارِقَ الزَّوجُ زَوجتَه فلم يَقبَلْ بذلك.
فقال له عليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه: كَذَبتَ -واللَّهِ- أي: أخطَأتَ الصَّوابَ، وقُلتَ ما لا يَجوزُ لك قَولُه، ومِن عادةِ العَرَبِ بأن تَضَعَ الكَذِبَ مَوضِعَ الخَطَأِ، حتَّى تُقِرَّ بمِثلِ الذي أقَرَّت به، أي: حتَّى تَنقادَ لحُكمِ اللهِ تعالى كما انقادَتِ المَرأةُ لذلك.
والمَقصودُ أنَّ الرَّجُلينِ حَكَمانِ وليسا وكَيلينِ عنِ الزَّوجَينِ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} [النساء: 35] ، فسَمَّاهما حَكَمَينِ، ولم يَعتَبِرْ رِضا الزَّوجَينِ.
والمَسألةُ فيها خِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ بَعثِ حَكَمَينِ عِندَ تَنازُعِ الزَّوجِ والزَّوجةِ.
وفيه أنَّ الحَكَمَينِ حُكمُهما لازِمٌ على الزَّوجِ والزَّوجةِ، سَواءٌ بالاجتِماعِ أو بالفِراقِ .