عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «نَزَلَ تَحْريمُ الخَمْرِ في قَبيلتَينِ مِن الأنْصارِ شَرِبوا حتَّى ثَمِلوا، عَبَثَ بعضُهم ببعضٍ، فلمَّا صَحَوا جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى الأثَرَ بوَجْهِه وبرَأسِه وبلِحْيتِه، ويقولُ: فَعَلَ بي هذا أَخي فُلانٌ، فوَاللهِ لو كانَ بي رَؤوفًا رَحيمًا ما فَعَلَ هذا بي، قالَ: وكانوا إخْوةً ليس في قُلوبِهم ضَغائِنُ، فوَقَعَتْ في قُلوبِهم الضَّغائِنُ؛ فأَنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {إِنَّمَا الْخَمْرُ والْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانَ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}، فقالَ ناسٌ مِن المُتَكَلِّفينَ: هي رِجْسٌ، وهي في بَطْنِ فُلانٍ؛ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وفُلانٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ؛ فأَنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا}»..الآية
عن ابنِ عباسٍ رضي اللهُ عنهما قال إنما نزل تحريمُ الخمرِ في قبيلتين من قبائلِ الأنصارِ ، وشربوا فلمَّا ثمِلَ القومُ عبث بعضُهم ببعضٍ ، فلمَّا أنْ صحوا جعل الرجلُ يرَى في وجههِ ورأسِه الأثرُ ، فيقولُ : صنع هذا أخي فلانٌ ، وكانوا إخوةٌ ليس في قلوبهم ضغائنُ ، فيقولُ واللهِ لو كان لي رحيمًا ما صنع بي هذا ، حتَّى وقعتْ في قلوبهم الضغائنُ فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ هذه الآيةَ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ .
.
.
.
إلى قوله ، مُنْتَهُونَ } فقال ناسٌ من المتكلِّفينَ : هي رجسٌ ، وهي في بطنِ فلانٍ ، وقد قتلَ يومَ أحُدٍ ! فأنزل اللهُ تعالى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ .
.
.
.
إلى الْمُحْسِنِينَ } الراوي : - المحدث : السفاريني الحنبلي المصدر : شرح ثلاثيات المسند الصفحة أو الرقم: 1/760 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح حَرَّمَ اللَّهُ كُلَّ ما يَضُرُّ بعَقلِ الإنسانِ ويُفقِدُه وَعيَه، فحَرَّم الخَمرَ، فهي أُمُّ الخَبائِثِ، وقد جاءَ تَحريمُ الخَمرِ على مَراحِلَ؛ فقد كان مُباحًا في أوَّلِ الأمرِ، ثُمَّ أُمِرَ المُؤمِنونَ بعَدَمِ قُربِ الصَّلاةِ وهم سُكارى، ثُمَّ إنَّه ما زال يَقَعُ مِن شارِبي الخَمرِ بَعضُ التَّصَرُّفاتِ التي تُؤَدِّي بهم إلى الاختِلافِ والبَغضاءِ، حتَّى أنزَل اللهُ تَحريمَه تَحريمًا قاطِعًا.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما فيَقولُ: إنَّما نَزَل تَحريمُ الخَمرِ في قَبيلتَينِ مِن قَبائِلِ الأنصارِ، أي: نَزَل تَحريمُ شُربِ الخَمرِ بسَبَبِ قَبيلتَينِ مِن قَبائِلِ الأنصارِ شَرِبوا الخَمرَ، فلمَّا ثَمِل القَومُ، أي: سَكِروا وزال عنهم شُعورُهم، عَبَث بَعضُهم ببَعضٍ، أي: قامَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بتَلطيخِ وَجهِ ورَأسِ صاحِبِه ببَعضِ القَذَرِ، فلمَّا أن صَحَوْا، أي: فاقوا مِن سُكرِهم، جَعَل الرَّجُلُ يَرى في وَجهِه ورَأسِه الأثَرَ، أي: يَرى آثارَ التَّلطيخِ الذي وقَعَ فيه، فيَقولُ: صَنَعَ هذا أخي فُلانٌ، أي: يَقولُ في نَفسِه: إنَّ مَن فَعَل هذا به هو أخوه الفُلانيُّ، وكانوا إخوةً ليسَ في قُلوبِهم ضَغائِنُ، أي: حِقدٌ وعَداوةٌ وبَغضاءُ، ويَقولُ الرَّجُلُ: واللهِ لو كان لي رَحيمًا ما صَنَعَ بي هذا، أي: لو كان أخي رَحيمًا بي لَما فعَل بي ما فعَل، حتَّى وقَعَت في قُلوبهمُ الضَّغائِنُ، أي: مِمَّا أدَّى إلى وُقوعِ الأحقادِ والبَغضاءِ والعَداوةِ بَينَهم، فعِندَ ذلك أنزَل اللهُ عَزَّ وجَلَّ قَولَه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 90- 91] ، فقال ناسٌ مِنَ المُتَكَلِّفينَ، أي: المُتَشَدِّدينَ والمُتَنَطِّعينَ: هيَ، أي: الخَمرُ، رِجسٌ، أي: خَبيثٌ مُستَقذَرٌ، وهيَ في بَطنِ فُلانٍ، وقد قُتِل يَومَ أُحُدٍ! أي: كَيف تَكونُ الخَمرُ خَبيثةً ومُحَرَّمةً، وقد شَرِبَها إخوانُنا مِمَّن قُتِلوا في غَزوةِ أُحُدٍ، فأنزَل اللهُ تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائِدة: 93] أي: أنَّ مَن شَرِبَ الخَمرَ قَبلَ تَحريمِها فليسَ عليه فيها حَرَجٌ، وإنَّما الحَرَجُ والإثمُ على مَن شَرِبَها بَعدَ تَحريمِها.
وفي الحَديثِ بَيانُ سَبَبِ نُزولِ آيةِ تَحريمِ الخَمرِ.
وفيه أنَّ مَن شَرِب الخَمرَ قَبلَ تَحريمِها فليسَ عليه حَرَجٌ.
وفيه أنَّ الخَمرَ سَبَبٌ لوُقوعِ الأحقادِ والضَّغائِنِ .