«لمَّا قَدِمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المَدينةَ جَمَعَ نِساءَ الأنْصارِ في بَيْتٍ، قالَتْ: ثُمَّ بَعَثَ إلينا عُمَرَ، فقامَ فسلَّمَ فرَدَدْنا عليه السَّلامَ، فقالَ: إنِّي رَسولُ رَسولِ اللهِ إليكم، قُلْنَ: مَرْحبًا برَسولِ اللهِ وبرَسولِ رَسولِ اللهِ، فقالَ: أَتُبايِعْنَني ألَّا تَزْنينَ ولا تَسْرِقْنَ ولا تَقْتُلْنَ أوْلادَكنَّ، ولا تَأْتينَ ببُهتانٍ تَفْتَرينَه بَيْنَ أيْديكنَّ وأرْجُلِكنَّ، ولا تَعْصينَه في مَعْروفٍ؟ قُلْنَ: نَعَمْ، قالَتْ: فمَدَدْنا أيْديَنا مِن داخِلِ البَيْتِ، ومَدَّ يَدَه مِن خارِجِه، وأمَرَنا أن نُخرِجَ الحُيَّضَ والعَواتِقَ في العيدَينِ، ونَهانا عن اتِّباعِ الجَنائِزِ ولا جُمُعةَ علينا، قالَتْ: قُلْتُ: فما المَعْروفُ الَّذي نُهيتُنَّ عنه؟ قالَت: النِّياحةُ».
لمَّا قَدِمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المدينةَ، جمَعَ نِساءَ الأنصارِ في بَيتٍ، ثمَّ أرسَلَ إليهِنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ، فقامَ علَى البابِ، فسلَّم عليهِنَّ، فرَدَدْنَ السَّلامَ، فقالَ: أنا رسولُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليكُنَّ، فقُلْنَ: مرْحَبًا برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبرسولِهِ، فقالَ: تُبايِعْنَ على ألَّا تُشرِكْنَ بالله شيئًا، ولا تَسرِقْنَ، ولا تَزْنينَ، ولا تقْتُلْنَ أولادَكُنَّ، ولا تأْتِينَ ببُهْتانٍ تفْتَرينَهُ بينَ أيْديكُنَّ وأرجُلِكُنَّ، ولا تَعصِينَ في معروفٍ؟ فقُلْنَ: نعَمْ، فمَدَّ عُمَرُ يدَهُ من خارجِ البابِ، ومدَدْنَ أيدِيَهُنَّ من داخلٍ، ثمَّ قالَ: اللهمَّ اشْهَدْ، وأمَرَنا أن نُخْرجَ في العيدَينِ العُتَّقَ والحُيَّضَ، ونُهينا عن اتِّباعِ الجنائِزِ، ولا جُمُعَةَ علينا، فسأَلْتُه عن البُهتانِ، وعن قولِه: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} [الممتحنة: 12] ، قالَ: هي النِّياحَةُ.
الراوي : أم عطية نسيبة بنت كعب المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج المسند لشعيب الصفحة أو الرقم: 27309 خلاصة حكم المحدث : صحيح دون ذكر قصة عمر فيه التخريج : أخرجه البخاري (4892)، ومسلم (936)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11587) بنحوه مختصراً، وأبو داود (3127، 1139) مفرقاً، وأحمد (27309) واللفظ له كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُبايِعُ مَن أسلَم، فيَأخُذُ مِنه العَهدَ على السَّمعِ والطَّاعةِ وعلى النُّصرةِ، وقد بايَعَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الأنصارَ في مَكَّةَ في بَيعةِ العَقَبةِ الأولى وبَيعةِ العَقَبةِ الثَّانيةِ، وكان مِن شُروطِها أن يَحموه مِمَّا يَحمونَ مِنه أنفُسَهم وأولادَهم إذا قدِمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المَدينةَ.
وفي هذا الحَديثِ تُخبرُ أمُّ عَطيَّةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَّا قَدِمَ المَدينةَ، أي: وصَل المَدينةَ، ولعَلَّ ذلك كان حينَ قُدومِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن مَكَّةَ بَعدَ الفتحِ؛ لأنَّ آيةَ {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} [الممتحنة: 12] نَزَلت يَومَ فَتحِ مَكَّةَ، جَمَع نِساءَ الأنصارِ في بَيتٍ، أي: جَعَل نِساءَ الأنصارِ يَجتَمِعنَ في بَيتٍ واحِدٍ، وإنَّما خَصَّ نِساءَ الأنصارِ لعِظَمِ مَنزِلتِهنَّ عِندَه ومَحَبَّتِه لأزواجِهنَّ، ثُمَّ أرسَل، أي: بَعَثَ إليهنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه حتَّى يَأخُذَ مِنهنَّ البَيعةَ.
ولعَلَّه إنَّما خَصَّ عُمَرَ بالإرسالِ دونَ غَيرِه؛ لأنَّ النِّساءَ كُنَّ يَهَبنَه ويُعَظِّمنَه، فقامَ عُمَرُ على بابِ البَيتِ الذي فيه النِّساءُ، ولم يَدخُلْ عليهنَّ، فسَلَّمَ عليهنَّ، أي: ألقى عُمَرُ السَّلامَ على النِّساءِ مِن خَلفِ البابِ، فرَدَدنَ السَّلامَ، أي: رَدَّت النِّساءُ على عُمَرَ، ثُمَّ قال عُمَرُ: أنا رَسولُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليكُنَّ، أي: أعلَمَهنَّ أنَّه لم يَأتِ إليهنَّ مِن تِلقاءِ نَفسِه، بَل أرسَله رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليَكونَ أبلَغَ في القَولِ، فقُلنَ: مَرحَبًا برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبرَسولِه، أي: لقيتَ رُحبًا وسَعةً.
فقال عُمَرُ: تُبايِعنَ، أي: تُعاهِدْنَ على ألَّا تُشرِكنَ باللهِ شَيئًا، أي: على الإيمانِ باللهِ وحدَه وعَدَمِ إشراكِ شَيءٍ مَعَه في العِبادةِ، ولا تَسرِقنَ، أي: لا تَأخُذْ إحداكُنَّ المالَ خُفيةً، ولا تَزِنينَ، أي: لا تَفعَلنَ فاحِشةَ الزِّنا، ولا تَقتُلنَ أولادَكُنَّ.
أرادَ بقَتلِ الأولادِ وأدَ البَناتِ الذي كان يَفعَلُه أهلُ الجاهليَّةِ، ولا تَأتينَ ببُهتانٍ تَفتَرينَه بَينَ أيديكُنَّ وأرجُلِكُنَّ.
البَهتُ: الكَذِبُ والافتِراءُ، والمُرادُ هنا: أن تَلتَقِطَ المَرأةُ مَولودًا وتَقولَ لزَوجِها: هذا ولدي مِنك، فتَنسُبُه إليه، كَنَّى بالبُهتانِ المُفتَرى بَينَ يَدَيها ورِجليها عن الولدِ الذي تُلصِقُه بزَوجِها كَذِبًا؛ لأنَّ بَطنَها الذي تَحمِلُه فيه بَينَ اليَدَينِ، وفَرجَها الذي تَلِدُه به بَينَ الرِّجلَينِ، ولا تَعصينَ في مَعروفٍ؟ أي: في كُلِّ أمرٍ وافقَ طاعةَ اللهِ، وفي كُلِّ نَهيٍ عن مَعصيةِ اللهِ.
فقالت النِّساءُ: نَعَم، أي: نُبايِعُ على جَميعِ ذلك ونُقِرُّ به.
فمَدَّ عُمَرُ يَدَه مِن خارِجِ البابِ، ومَدَدنَ أيديَهنَّ مِن داخِلٍ.
والمَقصودُ أنَّه لم يَضَعْ يَدَه في أيديهنَّ، بَل كان مَدُّ الأيدي للإشارةِ للبَيعةِ، وبَيعةُ النِّساءِ تَكونُ بالكَلامِ مِن غَيرِ مُصافَحةٍ ولا أخذِ كَفٍّ، ثُمَّ قال عُمَرُ: اللهُمَّ اشهَدْ، أي: أشهِدُك يا اللَّهُ على إقرارِهنَّ بهذه البَيعةِ.
تَقولُ أمُّ عَطيَّةَ: وأمَرَنا، أي: رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن نُخرِجَ في العيدَينِ، أي: صَلاةِ عيدِ الفِطرِ وعيدِ الأضحى، العُتَّقَ -جَمعُ عاتِقٍ، وهيَ الشَّابَّةُ أوَّلَ ما تَبلُغُ، وقيل: هيَ التي قارَبَت البُلوغَ- والحُيَّضَ، أي: المَرأةَ الحائِضَ.
والمَعنى: أنَّ النِّساءَ تَخرُجُ لصَلاةِ العيدِ حتَّى المَرأةَ الشَّابَّةَ الجَميلةَ مَعَ التَّسَتُّرِ والبُعدِ عن الزِّينةِ، وكذلك تَخرُجُ المَرأةُ الحائِضُ، لكِنَّها تَعتَزِلُ المُصَلَّى، وإنَّما تَشهَدُ الخَيرَ ودَعوةَ المُسلمينَ.
ونُهينا، أي: نَهاهنَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن اتِّباعِ الجَنائِزِ، أي: المَشيِ مَعَ الجِنازةِ إلى المَقبَرةِ، ولا جُمعةَ علينا، أي: أعلَمَهنَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه لا تَجِبُ الجُمُعةُ على النِّساءِ؛ فالجُمعةُ واجِبةٌ على الرِّجالِ فقَط، ولأنَّ تَكليفَهنَّ بالخُروجِ إلى المَسجِدِ ومَشيِهنَّ في الطَّريقِ رُبَّما أدَّى إلى مُخالطةِ الرِّجالِ وإلى مَفسَدةٍ.
فسَألتُه، أي: سَأل أحَدُ الرُّواةِ مَن حَدَّثَه عن مَعنى البُهتانِ، وعن قَولِه: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} [الممتحنة: 12] ، فقال: هيَ النِّياحةُ.
وهيَ رَفعُ الصَّوتِ عِندَ المُصيبةِ.
وفي رِوايةٍ: أنَّ الرَّاويَ سَأل أمَّ عَطيَّةَ عن ذلك، فقالت له: نُهينا عن النِّياحةِ، أي: نَهاهنَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَمَّا كُنَّ عليه في الجاهليَّةِ مِن رَفعِ الصَّوتِ بالبُكاءِ على المَيِّتِ، والصِّياحِ وتَمزيقِ الثِّيابِ وخَدشِ الوُجوهِ وقَطعِ الشِّعرِ، فعليهنَّ أن يُطِعنَ في ذلك ولا يَعصينَ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ مُبايَعةِ النِّساءِ.
وفيه جَمعُ النِّساءِ بمُفرَدِهنَّ للوَعظِ؛ لئَلَّا يَختَلِطنَ بالرِّجالِ.
وفيه مَشروعيَّةُ سَلامِ الرَّجُلِ على النِّساءِ الكَثيراتِ إذا أُمِنَت الفِتنةُ.
وفيه أنَّ صَوتَ المَرأةِ في رَدِّ السَّلامِ ليسَ بعَورةٍ.
وفيه بَيانُ كَيف كان أخذُ البَيعةِ مِن النِّساءِ.
وفيه مَشروعيَّةُ خُروجِ المَرأةِ الشَّابَّةِ لصَلاةِ العيدِ، وكَذا الحائِضُ.
وفيه النَّهيُ عن اتِّباعِ النِّساءِ للجِنازةِ.
وفيه أنَّ صَلاةَ الجُمُعةِ لا تَجِبُ على النِّساءِ.
وفيه النَّهيُ عن النِّياحةِ .