سمِعْتُ عُمَرَ بنَ الخطَّابِ: لَأنْ أُحمَلَ على بَغلَيْنِ في سَبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ أَحبُّ إليَّ من أنْ أَعتِقَ ابنَ زِنْيةٍ.
أخرجه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (3007)، والبيهقي (20030)، والفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) (1/ 418) واللفظ لهم.
[ عن ] أبي حسنٍ مولى عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ أنَّهُ سمعَ امرأةً تقولُ لعبدِ اللهِ بنِ نوفلٍ تَستفتيهِ في غلامٍ لها ابنِ زنيةٍ تعتقُهُ في رقبةٍ كانَتْ عليْها فقال : لا أراهُ يجزئُكِ ، سمعْتُ عمرَ يقولُ لأن أحملَ على نعلينِ في سبيلِ اللهِ أحبُّ إليَّ من أن أعتقَ ابنَ زنيةٍ الراوي : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المحدث : ابن حجر العسقلاني المصدر : فتح الباري لابن حجر الصفحة أو الرقم: 11/609 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح التخريج : أخرجه البيهقي (20030) واللفظ له.
جاءَت النُّصوصُ الشَّرعيَّةُ في القُرآنِ والسُّنَّةِ بالحَثِّ على عِتقِ الرِّقابِ، وهو تَحريرُها وتَخليصُها مِن الرِّقِّ، وإزالةُ المِلكِ عنها، وتَثبيتُ الحُرِّيَّةِ، بَل إنَّ عِتقَ الرِّقابِ مِن أفضَلِ القُرُباتِ وأجَلِّ الطَّاعاتِ، والنُّصوصُ في فَضلِه كَثيرةٌ، بَل إنَّ الشَّريعةَ جَعَلت العِتقَ في كَثيرٍ مِن الكَفَّاراتِ، مِثلُ: كَفَّارةِ اليَمينِ، وكَفَّارةِ القَتلِ، وكَفَّارةِ الظِّهارِ، وغَيرُها كَثيرٌ، وقد ذَكَرَ العُلماءُ لصِحَّةِ عِتقِ الرَّقَبةِ في الكَفَّاراتِ شُروطًا؛ مِنها: أن تَكونَ الرَّقَبةُ مُؤمِنةً، فلا يُجزئُ عِتقُ رَقَبةٍ كافِرةٍ، ولكِن هَل يَدخُلُ في الرَّقَبةِ المُؤمِنةِ وَلَدُ الزِّنا، فرَأى بَعضُ أهلِ العِلمِ أنَّه لا يَصِحُّ عِتقُ وَلَدِ الزِّنا، وفي هذا الحَديثِ يَقولُ أبو حَسَنٍ مَولى عَبدِ اللَّهِ بنِ الحارِثِ -وهو أحَدُ التَّابِعينَ- أنَّه سَمِعَ امرَأةً تَقولُ لعَبدِ اللَّهِ بنِ نَوفَلٍ -وهو أحَدُ التَّابِعينَ- مِن صُلَحاءِ المُسلمينَ، ومِن ذَوي عِلمِهم، وكان قاضيًا، تَستَفتيه في غُلامٍ لها ابنِ زِنيةٍ، تُعتِقُه في رَقَبةٍ كانت عليها، أي: أنَّ هذه المَرأةَ كان عليها كَفَّارةُ عِتقِ رَقَبةٍ، فجاءَت إلى عَبدِ اللَّهِ بنِ نَوفَلٍ تَسألُه هَل يَصِحُّ لها أن تُعتِقَ غُلامًا لها، وهذا الغُلامُ ابنُ زِنًا.
فقال لها عَبدُ اللَّهِ بنُ نَوفَلٍ: لا أراه يُجزِئُك، أي: أنَّ عِتقَ وَلَدِ الزِّنا لا يُجزِئُ في العِتقِ.
ثُمَّ قال لها: سَمِعتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه يَقولُ: لأن أحمِلَ على نَعلَينِ في سَبيلِ اللهِ، أي: لأن أتَصَدَّقَ بحِذاءينِ في الجِهادِ في سَبيلِ اللهِ، أحَبُّ إليَّ مِن أن أُعتِقَ ابنَ زِنيةٍ، أي: أفضَلُ وأحَبُّ مِن أن أُعتِقَ ابنَ زِنًا.
ولعَلَّ المُرادَ مِن ذلك أنَّ الغالبَ في هذا الشَّخصِ غَلَبةُ الشَّرِّ عليه عادةً؛ فالإحسانُ بهذا إليه يَكونُ قَليلَ الأجرِ، كالإحسانِ إلى غَيرِ أهلِه.
وقد يُحمَلُ أيضًا على مَن تَحَقَّقَ بالزِّنا حتَّى صارَ غالبًا عليه.
والمَسألةُ فيها خِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ والحَديثِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ القَولِ بعَدَمِ إجزاءِ عِتقِ وَلَدِ الزِّنا.
وفيه بَيانُ رَأيِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه في العِتقِ بوَلَدِ الزِّنا .