دَفَعَ إليَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ دينارًا لأَشْتَرِيَ له به شاةً، فاشْتَرَيْتُ له شاتَينِ، فبِعْتُ إحْداهما بدينارٍ، وجِئْتُ بالشَّاةِ والدِّينارِ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فذَكَرْتُ له ما كانَ مِن أمْري فقالَ: "بارَكَ اللهُ لك في صَفْقةِ يَمينِك"، فكانَ بَعْدَ ذلك يَخرُجُ إلى كُناسةِ الكوفةِ فيَربَحُ الرِّبْحَ العَظيمَ، وكانَ مِن أَكثَرِ أهْلِ الكوفةِ مالًا.

الدلالات الموضوعية:# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - دعاء النبي لبعض الناس# وكالة - ما يجوز التوكيل فيه من العقود# وكالة - من وكل في شراء شيء فاشترى بالثمن أكثر منه# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - إجابة دعاء النبي# آداب الدعاء - استجابة الدعاء
المصدر: الأحكام الوسطى
الراوي: عروة بن الجعد
المحدث: عبد الحق الإشبيلي
الحكم:أبو لبيد أثنى عليه أحمد بن حنبل ثناء حسنا

الشرح والتوضيح

عَرَضَ لِلنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جَلَبٌ، فأعطاني دينارًا، وقال: أيْ عُروةُ، ائْتِ الجَلَبَ، فاشتَرِ لنا شاةً.

فأتَيتُ الجَلَبَ، فساوَمتُ صاحِبَه، فاشتَرَيتُ منه شاتَيْنِ بدينارٍ، فجِئتُ أسوقُهما، فلَقيَني رَجُلٌ، فساوَمَني، فبِعتُه شاةً بدينارٍ، وجِئتُ بالدِّينارِ والشاةِ، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، هذا دينارُكم، وهذه شاتُكم.

قال: وصَنَعتَ كيف؟! فحَدَّثتُه الحَديثَ، فقال: اللَّهمَّ بارِكْ له في صَفقةِ يَمينِه.

الراوي : عروة بن أبي الجعد البارقي المحدث : محمد ابن عبدالهادي المصدر : تنقيح التحقيق الصفحة أو الرقم: 4/153 خلاصة حكم المحدث : صحيح مِن أحكامِ المُعامَلاتِ التي جاءَت بها الشَّريعةُ الوَكالةُ، بحَيثُ يوكِّلُ الإنسانُ غَيرَه ليَقومَ له ببَعضِ الأعمالِ والأغراضِ؛ فقد يَكونُ الإنسانُ مُنشَغِلًا أو مُسافِرًا، ويَحتاجُ إلى مَن يَشتَري له أشياءَ، أو نَحوِ ذلك مِن المُعامَلاتِ؛ فلهذا شُرِعَ له أن يوكِّلَ مَن يَراه مُناسِبًا، والأصلُ في الوكيلِ أنَّه لا يَتَصَرَّفُ إلَّا حَسَبَ ما طَلبَ مِنه موكِّلُه، وإذا اجتَهَدَ الوكيلُ وتَصَرَّف بشَيءٍ مِن عِندِه فيَرجِعُ ذلك إلى الموكِّلِ، بحَيثُ يُقِرُّه عليه أو لا.

وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ عُروةُ البارقيُّ رَضِيَ اللهُ عنه، فيَقولُ: عَرَضَ، أي: ظَهَرَ وبَرَزَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جَلبٌ.

وهو ما يُجلَبُ مِن بَلدٍ إلى بَلدٍ للبَيعِ مِن كُلِّ شَيءٍ.

والمَعنى: جُلِبَ إلى المَدينةِ ما يُباعُ مِن أنواعِ السِّلعِ والحَيَواناتِ، وظَهَرَت في السُّوقِ، فأعطاني دينارًا، أي: أعطى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لعُروةَ دينارًا، وقال له، أي: لعُروةَ: ائتِ الجَلَبَ، أي: اذهَبْ إلى مَكانِ الجَلَبِ، فاشتَرِ لنا شاةً، أي: اشتَرِ بهذا الدِّينارِ شاةً؛ يَقولُ عُروةُ: فأتَيتُ الجَلَبَ، أي: ذَهَبتُ إلى مَكانِ المَواشي، فساومتُ صاحِبَه.

المُساومةُ: المُجاذَبةُ بَينَ البائِعِ والمُشتَري على السِّلعةِ وفَصلِ ثَمَنِها، أي: بايَعَه في ثَمَنِ الشَّاةِ، فاشتَرَيتُ مِنه شاتَينِ بدينارٍ.

فجِئتُ أسوقُهما، أي: أقودُهما حتَّى آتيَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

فلقيَني رَجُلٌ، أي: لقيَه رَجُلٌ وهو ذاهبٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فساومَني، أي: بايَعَه في شِراءِ شاةٍ، فبِعتُه شاةً بدينارٍ، أي: باعَه إحدى الشِّاتينِ بدينارٍ، وجِئتُ بالدِّينارِ والشَّاةِ، أي: جاءَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومَعَه الشَّاةُ والدِّينارُ، وقال: يا رَسولَ اللهِ، هذا دينارُكُم، وهذه شاتُكُم، أي: قد أرجَعتُ لكُم الدِّينارَ، واشتَرَيتُ أيضًا لكُم الشَّاةَ التي طَلبتُم! فسَأله النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقال له: وصَنَعتَ كَيف؟! أي: كَيف فعَلتَ حتَّى رَجَعتَ ومَعَك الدِّينارُ والشَّاةُ؟ فحَدَّثتُه الحَديثَ، أي: أخبَرَ عُروةُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما صَنَعَه.

فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اللهُمَّ بارِكْ له في صَفقةِ يَمينِه، أي: دَعا له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالبَرَكةِ، وهيَ الزِّيادةُ والنَّماءُ في صَفقةِ يَمينِه، أي: في بَيعِه وتِجارَتِه وفيما يَكسِبُه بيَدِه، وأصلُ الصَّفقِ ضَربُ الكَفِّ على الكَفِّ، وكانوا يَعمَلونَ ذلك في بَيعِهم، وإنَّما خُصَّ اليَمينُ؛ لأنَّ البَيعَ يَقَعُ بها غالبًا.

وهذه المَسألةُ تُسَمَّى عِندَ العُلماءِ تَصَرُّفَ الفُضوليِّ، وفيها خِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.

وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ الوَكالةِ.

وفيه مَشروعيَّةُ اجتِهادِ الوكيلِ وتَصَرُّفِه في مالِ موكِّلِه.

وفيه مَشروعيَّةُ بَيعِ الفُضوليِّ.

وفيه مُكافأةُ مَن قَضى للإنسانِ حاجةً بالدُّعاءِ له بما يُناسِبُ ما فعَلَه .

أحاديث ذات صلة