- عن عائشةَ أنها حجَّتْ مع عمرَ آخرَ حجَّةٍ حجَّها فارتحل من الحصبةِ آخرَ الليلِ فجاء راكبٌ فسأل عن منزلِه فأناخ بهِ ورفع عقيرتَه يتغنَّى : عليك سلامٌ من أميرٍ وباركتْ يدُ اللهِ في ذاك الأديمِ الممزَّقِ.
الأبياتُ في رثاءِ عمرَ، قالت عائشةُ : فنظَرْنَا مكانَه فلم نجد أحدًا فحسبتُه من الجنِّ فنحل الناسُ هذه الأبياتَ الشماخِ
أخرجه ابن أبي شيبة (32669)، وأحمد في ((فضائل الصحابة)) (362)، وابن شبة في ((تاريخ المدينة)) (3/ 873) جميعهم بنحوه.
كان مِنَ الصَّحابةِ مَنِ اشتَهَرَ وعُرِف بقَولِ الشِّعرِ، ومِنهمُ الشَّمَّاخُ بنُ ضِرارٍ رَضِيَ اللهُ عنه؛ فقد كان شاعِرًا مَشهورًا، أدرَكَ الجاهليَّةَ والإسلامَ، فأسلمَ وحَسُنَ إسلامُه، وفي هذا الحَديثِ تُخبرُ عائِشةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّها حَجَّت مَعَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه في آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّها عُمَرُ، وبَعدَها توُفِّيَ عُمَرُ، فارتَحَل مِنَ الحَصبةِ آخِرَ اللَّيلِ، أي: ليلةَ المَبيتِ بالمُحَصَّبِ، وهو مَوضِعٌ فيما بَينَ مَكَّةَ ومِنًى، وهو إلى مِنًى أقرَبُ.
ويُعرَفُ المُحَصَّبُ اليَومَ بمَجَرِّ الكَبشِ، والمَعنى: أنَّ عُمَرَ لمَّا انتَهى مِن حَجِّه خَرَجَ راجِعًا إلى المَدينةِ مِنَ الحَصبةِ في آخِرِ اللَّيلِ.
فجاءَ راكِبٌ فسَأل عن مَنزِلِه، أي: مَكانِه الذي سَيَنزِلُ به، فأناخَ به، أي: أقعَدَ ناقَتَه وباتَ في ذلك المَكانِ، ورَفعَ عَقيرَتَه.
أي: صَوتَه، يَتَغَنَّى ويُنشِدُ: عليك سَلامٌ مِن أميرٍ وبارَكَت يَدُ اللهِ في ذاكَ الأديمِ المُمَزَّقِ، أي: الجِلدِ المُقَطَّعِ، وإنَّما قَدَّمَ لفظَ: ""عليك"" على ""السَّلام"" ولم يَقُلْ: السَّلامُ عليك؛ لأنَّه تَسليمُ المَوتى، وإنَّما فعَلوا ذلك؛ لأنَّ المُسَلِّمَ على القَومِ يَتَوقَّعُ الجَوابَ، وأن يُقالَ له: عليك السَّلامُ، فلمَّا كان المَيِّتُ لا يُتَوقَّعُ مِنه جَوابٌ جَعَلوا السَّلامَ عليه كالجَوابِ، وكانوا إذا أرادوا تَحيَّةَ الحَيِّ قدَّموا لفظَ السَّلامِ.
الأبياتُ في رِثاءِ عُمَرَ، وهيَ أبياتٌ في رِثاءِ عُمَرَ، ومِنها: قَضَيتَ أُمورًا ثُمَّ غادَرتَ بَعدَها...
بَوائِجَ في أكمامِها لم تَفَتَّقِ فمَن يَسعَ أو يَركَبْ جَناحَي نَعامةٍ...
ليُدرِكَ ما قدَّمتَ بالأمسِ يُسبَقِ أبَعدَ قَتيلٍ بالمَدينةِ أظلَمَت...
له الأرضُ تَهتَزُّ العِضاهُ بأسوُقِ.
وكَأنَّه يَتَوقَّعُ مَوتَ عُمَرَ بَعدَ الحَجِّ.
قالت عائِشةُ: فنَظَرنا مَكانَه، أي: مَكانَ الرَّجُلِ الذي أنشَدَ الأبياتَ فلم نَجِدْ أحَدًا، فحَسِبتُه مِنَ الجِنِّ، أي: ظَنُّوا الذي أنشَدَ الأبياتَ شَخصًا مِنَ الجِنِّ؛ لكَونِهم لم يَجِدوا أحَدًا.
فنَحَل، أي: نَسَبَ، النَّاسُ هذه الأبياتَ للشَّمَّاخِ، أي: نَسَبوا قَولَ هذه الأبياتِ للشَّمَّاخِ بنِ ضِرارٍ، وليسَت له.
وفي الحَديثِ شُهرةُ الشَّمَّاخِ بنِ ضِرارٍ رَضِيَ اللهُ عنه بقَولِ الشِّعرِ.
وفيه بَيانُ ما كان يُتَوقَّعُ مِن مَوتِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه.
وفيه مَشروعيَّةُ رِثاء المَيِّتِ .
مصنف ابن أبي شيبة ط القبلة ت عوامة (17/ 66) 32669- حدثنا محمد بن بشر , قال : حدثنا مسعر , عن عبد الملك بن عمير , عن الصقر بن عبد الله , عن عروة بن الزبير , عن عائشة ؛ أن الجن بكت على عمر قبل أن يقتل بثلاث , فقالت :
أبعد قتيل بالمدينة أصبحت ...
له الأرض تهتز العضاه بأسوق.
جزى الله خيرا من أمير وباركت ...
يد الله في ذاك الأديم الممزق.
فمن يسع , أو يركب جناحي نعامة ...
ليدرك ما أسديت بالأمس يسبق.
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ...
بوائق في أكمامها لم تفتق.
وما كنت أخشى أن تكون وفاته ...
بكفي سبنتى أخضر العين مطرق
فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل (1/ 274) 362 - حدثنا عبد الله قثنا محمد بن عباد قثنا أبو ضمرة، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن ابن شهاب، أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة أخبره، عن أم كلثوم، عن عائشة قالت: لما كان آخر حجة حجها عمر حج أمهات المؤمنين، فلما صدرنا عن منى مروا بالمحصب، فسمعت رجلا على راحلته يقول: أين كان أمير المؤمنين؟ فسمعت آخر قال: كان هاهنا كان أمير المؤمنين، قالت: فأناخ راحلته ثم قال:
[البحر الطويل]
عليك سلام من إمام وباركت ...
يد الله في ذاك الأديم الممزق
فمن يسع أو يركب جناحي نعامة ...
ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ...
بوائج في أكمامها لم يفتق
قالت عائشة: فالتمس ذلك الراكب، فلم يقدر عليه، ولم يدر من هو، فكنا نتحدث أنه من الجن، قال فرجع عمر من ذلك الحج فطعن فمات
تاريخ المدينة لابن شبة (3/ 873) حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، قال: أنبأنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة، أنه حدثه عن أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، أنها أخبرتها عن عائشة رضي الله عنها: " أن عمر، أذن لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فحججن في آخر حجة حجها عمر رضي الله عنه، قالت: فلما ارتحل عمر رضي الله عنه من الحصبة من آخر الليل أقبل رجل متلثم، وقال: وأنا أسمع: أين كان أمير المؤمنين نزل؟ فقال له قائل، وأنا أسمع: هذا كان منزله فأناخ في منزل عمر رضي الله عنه ثم رفع عقيرته يتغنى:
[البحر الطويل]
عليك السلام من أمير وباركت ...
يد الله في ذاك الأديم الممزق
فمن يجر أو يركب جناحي نعامة ...
ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ...
فوائح في أكمامها لم تفتق
قالت عائشة رضي الله عنها فقلت لهم: اعلموا علم هذا الرجل، فذهبوا فلم يروا في مناخه أحدا، فكانت عائشة رضي الله عنها تقول: إني لأحسبه من الجن، فلما قتل عمر رضي الله عنه نحل الناس هذه الأبيات شماخ بن ضرار، أو جماع بن ضرار " شك إبراهيم بن سعد