شَهِدْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ - رضِي اللهُ عنه - غَداةَ طُعِنَ، فكنتُ في الصَّفِّ الثاني، وما يَمنَعُني أنْ أَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ إلَّا هَيْبَتُه، كان يَستَقْبِلُ الصَّفَّ إذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فإنْ رأى إنسانًا مُتقدِّمًا أو مُتأخِّرًا أصابَه بالدِّرَّةِ، فذلك الَّذي مَنَعَني أنْ أَكُونَ في الصَّفِّ الأَوَّلِ، فكنتُ في الصَّفِّ الثاني، فجاءَ عُمَرُ يُريدُ الصَّلاةَ، فعَرَضَ له أبو لُؤْلُؤَةَ غلامُ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ، فناجاهُ عُمَرُ غيرَ بعيدٍ ثمَّ تَرَكَه، ثمَّ ناجاهُ ثمَّ تَرَكَه، ثمَّ ناجاهُ ثمَّ تَرَكَه ثمَّ طَعَنَه.
قال: رأيتُ عُمَرَ قائلًا بيدِه هكذا، يقولُ: دُونَكُمُ الكلبَ قد قَتَلَني .
وماجَ النَّاسُ.
قال: فجَرَحَ ثلاثةَ عشرَ رجُلًا، فماتَ منهم سِتَّةٌ , أو سبعةٌ , وماجَ النَّاسُ بعضُهم في بعضٍ، فشَدَّ عليه رَجُلٌ مِن خلْفِه فاحتَضَنَه.
قال قائلٌ: الصَّلاةَ عبادَ اللهِ، قد طلَعَتِ الشَّمسُ، فتدافَعَ النَّاسُ، فدفَعوا عبدَ الرَّحمنِ بنَ عَوْفٍ فصَلَّى بهم بأَقصَرِ سورتيْنِ في القُرْآنِ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ} ، و: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}.
واحتُمِلَ، فدَخَلَ عليه النَّاسُ، قال: يا عبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ، اخرُجْ فنادِ في النَّاسِ: عن مَلأٍ منكم كان هذا ؟ قالوا: مَعاذَ اللهِ، ولا عَلِمْنا ولا اطَّلَعْنا، قال: ادْعُوا ليَ الطَّبِيبَ، فدُعِيَ، فقال: أيُّ الشَّرابِ أَحَبُّ إليكَ ؟ قال: النَّبِيذُ، قال: فشَرِبَ نَبِيذًا، فخَرَج مِن بعضِ طَعَناتِه، فقال النَّاسُ: هذا صَدِيدٌ، فقال: اسْقُوه لَبَنًا، فشَرِبَ لَبَنًا فخَرَج مِن بعضِ طَعَناتِه، قال: ما أرَى أنْ يَمشي، فما كنتَ فاعِلًا فافعَلْ.
فقال: يا عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ، ناوِلْني الكَتِفَ، فلو أراد اللهُ أن يُمضِيَ ما فيها أَمضاهُ.
قال عبدُ اللهِ: أنا أَكفِيكَ مَحْوَها، فقال: لا واللهِ لا يَمحُوها أحدٌ غيري.
قال: فمَحاها عُمَرُ بيدِه.
قال: وكان فيها فريضةُ الجَدِّ.
قال: ادْعُوا لي عليًّا وعثمانَ وطَلْحةَ والزُّبَيرَ وعبدَ الرَّحمنِ بنَ عَوْفٍ وسعدًا.
قال: فدُعُوا، قال: فلم يُكَلِّمْ أحدًا مِنَ القومِ إلَّا عليًّا وعثمانَ، فقال: يا عليُّ، هؤلاء القومُ لعلَّهم أنْ يَعرِفوا لك قَرابَتَكَ مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وما أَعطاكَ اللهُ مِنَ الفِقهِ والعِلمِ، فإنْ ولَّوْكَ هذا الأمرَ فاتَّقِ اللهَ فيه، ثمَّ قال: يا عثمانُ، إنْ هؤلاء القومَ لعلَّهم أنْ يَعرِفُوا لك صِهْرَكَ مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وشَرَفَك، فإنْ ولَّوْكَ هذا الأمرَ فاتَّقِ اللهِ، ولا تَحمِلَنَّ بَنِي أَبي مُعَيْطٍ على رِقابِ النَّاسِ.
يا صُهَيبُ، صَلِّ بالنَّاس ثلاثًا، وأَدخِلَ هؤلاء في بيتٍ، فإذا اجتَمَعوا على رَجُلٍ فمَن خالَفَهم فليَضرِبُوا رأسَه .
قال: فلمَّا خَرَجوا، قال: إنْ وَلَّوُا الأَجْلَحَ سلَكَ بهمُ الطَّريقَ.
قال: فقال عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ: ما يَمنَعُكَ ؟ قال: أَكرَهُ أنْ أَحمِلَها حيًّا وميِّتًا.
أخرجه الحارث بن أبي أسامة كما في ((بغية الباحث)) (594)، واللفظ له، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (4/ 151)، باختلاف يسير، وابن أبي خيثمة في ((التاريخ الكبير)) (3/ 159)، مختصرا.
الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم خَيرُ القُرونِ؛ فهمُ الذينَ ناصَروا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ووقَفوا مَعَه، وكانوا يُقدِّمونَ أنفُسَهم دونَ نَفسِه؛ ولهذا أثنى اللهُ تَعالى عليهم، وأثنى عليهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومِن خيرةِ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه ثاني الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ، وسيرَتُه وحَياتُه مَليئةٌ بالدُّروسِ والعِبَرِ، وفي هذا الحَديثِ بَيانُ كَيف قُتِل رَضِيَ اللهُ عنه، فيُخبِرُ عَمرُو بنُ مَيمونٍ الأوديُّ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ، بقِصَّةِ مَقتَلِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه، فيَقولُ: شَهِدتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه غَداةَ طُعِنَ، أي: كُنت حاضِرًا وقتَ صَلاةِ الفَجرِ يَومَ قُتِل عُمَرُ، فكُنتُ في الصَّفِّ الثَّاني، أي: في صُفوفِ الصَّلاةِ في المَسجِدِ، وما يَمنَعُني أن أكونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ إلَّا هَيبَتُه، أي: مَهابةٌ لعُمَرَ أن يَكونَ خَلفَه في الصَّفِّ، وذلك أنَّ عُمَرَ هو الخَليفةُ، وكان هو إمامَ النَّاسِ في الصَّلاةِ، وكان عُمَرُ إذا صَلَّى بالنَّاسِ استَقبَل الصَّفَّ الأوَّلَ إذا أُقيمَتِ الصَّلاةُ، أي: التَفتَ إلى الصَّفِّ مواجِهًا للمَأمومينَ حتَّى يُعَدِّلَ ويُسَوِّيَ الصُّفوفَ، فإن رَأى إنسانًا، أي: مُصَلِّيًا، مُتَقدِّمًا أو مُتَأخِّرًا عنِ الصَّفِّ أصابَه بالدِّرَّةِ، أي: ضَرَبَه بها حتَّى يَستَويَ ويَعتَدِلَ في الصَّفِّ.
والدِّرَّةُ هيَ الآلةُ التي يُضرَبُ بها، كالسَّوطِ والعَصا، يَقولُ عَمرُو بنُ مَيمونٍ: فذلك الذي مَنَعني أن أكونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ، فكُنتُ في الصَّفِّ الثَّاني، أي: بَيَّنَ سَبَبَ عَدَمِ وُقوفِه في الصَّفِّ الأوَّلِ، وفي يَومِ مَقتَلِ عُمَرَ جاءَ عُمَرُ يُريدُ الصَّلاةَ، أي: صَلاةَ الفَجرِ، فعَرَضَ له، أي: واجَهَه، أبو لُؤلُؤةَ المَجوسيُّ -لعنه اللهُ- غُلامُ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ، أي: عَبدُ المُغيرةِ، أي: أنَّ أبا لُؤلُؤةَ واجَهَ عُمَرَ وقَصَدَه موهِمًا أنَّه يُريدُ أن يُكَلِّمَه في شَيءٍ، فناجاه عُمَرُ غَيرَ بَعيدٍ ثُمَّ تَرَكَه.
المُناجاةُ: الكَلامُ بَينَ اثنَينِ سِرًّا دونَ أن يُسمِعَ الآخَرينَ، أي: كَلَّمَ عُمَرُ أبا لُؤلُؤةَ مِن بَعيدٍ، ثُمَّ تَرَكَ مُناجاةَ أبي لُؤلُؤةَ، ثُمَّ ناجاه ثُمَّ تَرَكَه، أي: كَلَّمَه مَرَّةً ثانيةً، ثُمَّ ناجاه ثُمَّ تَرَكَه، أي: كَلَّمَه مَرَّةً ثالثةً، ولعَلَّ هذه حيلةٌ مِن أبي لُؤلُؤةَ حتَّى يَنفَرِدَ بعُمَرَ، أو يُريدُ أن يَقرُبَ مِنه حتَّى يَتَمَكَّنَ مِنه، فلمَّا تمكَّن مِنه طَعَنه.
يَقولُ عَمرُو بنُ مَيمونٍ: فرَأيتُ عُمَرَ قائِلًا بيَدِه هَكَذا، أي: أشارَ بيَدِه نَحوَ أبي لُؤلُؤةَ يَقولُ: دونَكُمُ الكَلبَ قد قَتَلني! أي: أدرِكوا وأمسِكوا هذا الكَلبَ الذي قَتَلني.
وماجَ النَّاسُ، أي: اختَلطَ أمرُ النَّاسِ ولم يَدروا كَيف يَصنَعونَ، وأرادَ أبو لُؤلُؤةَ الهَرَبَ، فطَعَن مَنِ اعتَرَضَه بالخِنجَرِ مِن جِهةِ اليَمينِ أوِ الشِّمالِ، فجُرِح ثَلاثةَ عَشَرَ رَجُلًا، أي: أصابَ بخِنجَرِه الذي مَعَه ثَلاثةَ عَشَرَ مِنَ المُصَلِّينِ، ماتَ مِنهم سِتَّةٌ، أو سَبعةٌ.
وماجَ النَّاسُ بَعضُهم في بَعضٍ، أي: دَخَل بَعضُهم في بَعضٍ، حتَّى شَدَّ عليه رَجُلٌ مِن خَلفِه فاحتَضَنَه، أي: أتى عليه رَجُلٌ مِن خَلفِه فأمسَكَه، ولمَّا شَعَرَ أبو لُؤلُؤةَ أنَّه قد وقَعَ وأنَّهم سَوف يُمسِكونَ به قَتَل نَفسَه.
ثُمَّ قال قائِلٌ مِنَ المُصَلِّينِ: الصَّلاةَ عِبادَ اللهِ، قد طَلعَتِ الشَّمسُ، أي: نادى النَّاسَ لكَي يُصَلُّوا فقد كادَتِ الشَّمسُ أن تَطلُعَ ويَخرُجَ وقتُ الصَّلاةِ، فتَدافعَ النَّاسُ، أي: أقبَلوا مُندَفِعينَ نَحوَ الصُّفوفِ، ودَفعوا عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ، أي: قدَّموه لكَي يُصَلِّيَ بهم، فصَلَّى بهم عَبدُ الرَّحمَنِ بأقصَرِ سورَتَينِ في القُرآنِ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ}، و{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}.
ثُمَّ حَمَلوا عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه إلى بَيتِه، ودَخَل عليه النَّاسُ يَنظُرونَ كَيف حالُه، وكان مِمَّن دَخَل مَعَ النَّاسِ على عُمَرَ عَبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ، فقال عُمَرُ لابنِ عبَّاسٍ: يا عَبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ، اخرُجْ فنادِ في النَّاسِ: عن مَلأٍ مِنكُم كان هذا؟ أي: واللهُ أعلمُ، هَل كان قَتلي وأنتُم شاهِدونَ وعارِفونَ بذلك وبإقرارٍ مِنكُم.
فقالوا: مَعاذَ اللَّهِ، أي: نَعوذُ باللهِ أن يَكونَ هذا الفِعلُ على مَعرِفةٍ مِنَّا به، فلا عَلِمنا ولا اطَّلعنا على هذا الأمرِ، ولم يَكُنْ لنا فيه سابِقُ مَعرِفةٍ.
ثُمَّ قال: ادعوا لي الطَّبيبَ، أي: نادُوا لي طَبيبًا حتَّى يَنظُرَ حالي وحالَ الإصابةِ: هَل لها عِلاجٌ أم إنَّه لا فائِدةَ مِنَ العِلاجِ، فدُعيَ الطَّبيبُ، فقال الطَّبيبُ لعُمَرَ: أيُّ الشَّرابِ أحَبُّ إليك؟ أي: ما الشَّرابُ الذي تُحِبُّ وتَرغَبُ في شُربِه؟ فقال عُمَرُ: النَّبيذُ، وهو ما يُعمَلُ مِنَ الأشرِبةِ مِنَ التَّمرِ والزَّبيبِ والعَسَلِ والحِنطةِ، والشَّعيرِ وغَيرِ ذلك، يُترَكُ عليه الماءُ ليَصيرَ نَبيذًا.
فأحضَروا نَبيذًا لعُمَرَ حتَّى يَشرَبَ، فشَرِبَه عُمَرُ، فخَرَجَ مِن بَعضِ طَعناتِه! أي: خَرَجَ النَّبيذُ كَما هو مِن بَعضِ الأماكِنِ التي طُعِنَ فيها عُمَرُ! فقال النَّاسُ: هذا صَديدٌ، أي: جَعَلوا الخارِجَ صَديدًا وليسَ بنَبيذٍ، فقال الطَّبيبُ: اسقوه لبَنًا، فشَرِبَ عُمَرُ لبَنًا فخَرَجَ اللَّبَنُ مِن بَعضِ طَعناتِه كَما هو لم يَتَغَيَّرْ! فقال الطَّبيبُ لمَّا رَأى ذلك: ما أرى أن يَمشيَ، أي: ما أظُنُّ عُمَرَ سَوف يَعيشُ، بَل إنَّه مَيِّتٌ، فما كُنتَ فاعِلًا فافعَلْ! أي: ما كُنتَ تُريدُ أن تَفعَلَه يا أميرَ المُؤمِنينَ مِن وصيَّةٍ أو إخبارٍ للنَّاسِ بشَيءٍ فافعَلْه؛ فإنَّك لا تَعيشُ! فقال عُمَرُ: يا عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ، ناوِلْني الكَتِفَ.
وهيَ عِبارةٌ عن كَتِفٍ يَكتُبونَ فيها، فلو أرادَ اللهُ أن يُمضيَ ما فيها أمضاه، أي: سَأكتُبُ فيها أمرًا، ولو شاءَ اللهُ أن يَكونَ هذا الأمرُ الذي سَوف أكتُبُه فإنَّه سَوف يَكونُ وسَيَقَعُ.
فقال عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ: أنا أكفيك مَحوَها، أي: أنا أمحو ما في هذه الكَتِفِ.
فقال عُمَرُ: لا واللَّهِ لا يَمحوها أحَدٌ غَيري.
فمَحاها عُمَرُ بيَدِه، وكان فيها فريضةُ الجَدِّ، أي: نَصيبُ الجَدِّ مِنَ الميراثِ، ثُمَّ قال عُمَرُ: ادعوا لي عَليًّا وعُثمانَ وطَلحةَ والزُّبَيرَ وعَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ وسَعدًا، أي: أنَّه جَعَل أمرَ الخِلافةِ بَعدَه في هَؤُلاءِ السِّتَّةِ، فدَعَوهم فجاؤوا، فلم يُكَلِّمْ عُمَرُ أحَدًا مِنَ القَومِ إلَّا عَليًّا وعُثمانَ، فقال: يا عَليُّ، هَؤُلاءِ القَومُ لعَلَّهم أن يَعرِفوا لك قَرابَتَك مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وما أعطاك اللهُ مِنَ الفِقهِ والعِلمِ، فإن وَلَّوك هذا الأمرَ، أي: الخِلافةَ، فاتَّقِ اللَّهَ فيه، ثُمَّ قال: يا عُثمانُ، إنَّ هَؤُلاءِ القَومَ لعَلَّهم أن يَعرِفوا لك صِهرَك مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: لكَونِ عُثمانَ تَزَوَّجَ بِنتَي رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وشَرَفَك، أي: مَكانتَك في قَومِك، فإن وَلَّوك هذا الأمرَ، أي: الخِلافةَ، فاتَّقِ اللَّهَ، ولا تَحمِلَنَّ بَني أبي مُعَيطٍ على رِقابِ النَّاسِ، أي: لا تُوَلِّ أحَدًا مِنهم على النَّاسِ، ثُمَّ قال عُمَرُ: يا صُهَيبُ، وهو صُهَيبُ بنُ سِنانٍ الرُّوميُّ رَضِيَ اللهُ عنه، صَلِّ بالنَّاسِ ثَلاثًا، أي: أنتَ إمامُ النَّاسِ في الصَّلاةِ في الأيَّامِ الثَّلاثةِ القادِمةِ، وأدخِلْ هَؤُلاءِ في بَيتٍ.
يَقصِدُ بهمُ السِّتَّةَ الذينَ اختارَهم عُمَرُ، فإذا اجتَمَعوا على رَجُلٍ فمَن خالفهم فليَضرِبوا رَأسَه، أي: إذا اتَّفَقوا على واحِدٍ مِنهم، وأرادَ أحَدٌ أن يُخالِفَ فعليكُم بقَتلِه؛ وذلك لأنَّ أمرَ الخِلافةِ أمرٌ عَظيمٌ، وإذا اجتَمَعَ النَّاسُ على واحِدٍ فلا يَنبَغي لأحَدٍ أن يُخالِفَ حتَّى لا يُفرِّقَ أمرَ المُسلمينَ.
فلمَّا خَرَجَ السِّتَّةُ مِن عِندِ عُمَرَ، قال عُمَرُ: إنْ ولَّوا الأجلَحَ، وهو الذي انحَسَرَ شَعْرَه عن جانِبَي رَأسِه -والظَّاهِرُ أنَّه يُريدُ عَليًّا رَضِيَ اللهُ عنه- سَلكَ بهمُ الطَّريقَ، أي: إنِ اختاروه فإنَّه سَوف يَسيرُ بهمُ الطَّريقَ الحَسَنةَ والصَّالحةَ.
فقال له عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ: ما يَمنَعُك؟ أي: فلماذا لم تُعَيِّنْه وتَختَرْه، ويَنتَهي الأمرُ بَدَلَ أن تَجعَلَه شورى بَينَ السِّتَّةِ؟ فقال عُمَرُ: أكرَهُ أن أحمِلَها حَيًّا ومَيِّتًا، أي: أخافُ أن أتَحَمَّلَ تَبِعاتِ الخِلافةِ حالَ حَياتي ثُمَّ أحمِلَها بَعدَ مَماتي بأن أُعَيِّنَ واحِدًا مِنكُم فأكونَ تَحَمَّلتُها، وإنَّما أجعَلُها شورى، والنَّاسُ يَختارونَ لأنفُسِهم.
وفي الحَديثِ بَيانُ كَيفيَّةِ مَقتَلِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه.
وفيه بَيانُ عَدَدِ الذينَ أُصيبوا في حادِثةِ مَقتَلِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه.
وفيه ما كان عليه عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه مِنَ المَهابةِ عِندَ النَّاسِ.
وفيه حِرصُ الصَّحابةِ على الصَّلاةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ تَأخيرِ الصَّلاةِ بَعضَ الوقتِ للحاجةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ القِراءةِ في صَلاةِ الفَجرِ بقِصارِ السُّوَرِ.
وفيه بَيانُ النَّفَرِ الذينَ جَعَل عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه فيهمُ الشُّورى في الخِلافةِ.
وفيه وصيَّةُ الخَليفةِ السَّابقِ للخَليفةِ الجَديدِ بتَقوى اللهِ.
وفيه مَشروعيَّةُ قَتلِ مَن خالف إجماعَ المُسلمينَ على خَليفةٍ.
وفيه ما كان عليه عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه مِن خَوفِه مِن تَحَمُّلِ أمرِ الخِلافةِ في حَياتِه وبَعدَ مَماتِه .