عن ابن عمرَ أن رجلا سألهُ عن مسألةٍ فقال : لا علمِ لي بها ، فلما أدبرَ الرجلُ قال ابن عمرَ : نِعْمَ ما قال ابن عمرَ ، سئلَ عما لا عِلْمَ له به فقال : لا أعلمُ
أخرجه الدارمي (185)، والحاكم في ((المستدرك على الصحيحين)) (6518)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (31/ 168)، باختلاف يسير.
مِن آدابِ أهلِ العِلمِ وأخلاقِهم أنَّهم إذا سُئِلوا عَمَّا لا يَعلَمونَه يَرُدُّون العِلمَ إلى عالِمِه، ويَقولون: اللَّهُ أعلمُ، ولا يَقدَحُ ذلك في مَكانتِهم ومَنزِلتِهم، بَل ذلك يَرفعُ مِن شَأنِهم؛ حَيثُ رَدُّوا العِلمَ إلى اللهِ تعالى، ولم يَجتَرِئوا على القَولِ على اللهِ بغَيرِ عِلمٍ، فقد جَعَل اللهُ تعالى القَولَ عليه بغَيرِ عِلمٍ مِنَ الأُمورِ العَظيمةِ، فقال سُبحانَه: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] ، وكان الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم لا يُفتونَ فيما لا عِلمَ لهم به، ويَرَونَ ذلك أسهَلَ عليهم مِن أن يَقولوا بغَيرِ عِلمٍ، ففي هذا الحَديثِ أنَّ رجلًا سَأل عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما عن مَسألةٍ، أي: مِن مَسائِلِ الفِقهِ والدِّينِ، وفي رِوايةٍ أنَّها مَسألةٌ في الميراثِ، فقال ابنُ عُمَرَ: لا عِلمَ لي بها، أي: لا أعلمُ حُكمَها.
فلمَّا أدبَر الرَّجُلُ، أي: انصَرَف راجِعًا وولَّى دُبُرَه للخَلفِ، قال ابنُ عُمَرَ: نِعمَ ما قال ابنُ عُمَرَ! سُئِل عَمَّا لا عِلمَ له به فقال: لا أعلَمُ، أي: نِعمَ الأمرُ ما فعَلَه ابنُ عُمَرَ؛ حَيثُ سُئِل عن مَسألةٍ لا يَعلمُها فقال: لا أعلمُ، ولم يَجتَرِئْ على الجَوابِ عنها، فهذا أمرٌ حَسَنٌ مَمدوحٌ.
وفي الحَديثِ بَيانُ أنَّ مِن أدَبِ العالمِ أن يَقولَ لِما لا يَعلمُه: لا أعلَمُ.
وفيه بَيانُ فَضلِ ابنِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما.
وفيه أنَّ قَولَ العالمِ: لا أعلَمُ، لا يَضُرُّه ولا يَنقُصُ مِن مَكانتِه .