حَديثُ أنَّ آيةَ {لقد كِدتَ تَركَنُ إليهم...} نَزَلَت في وفدِ ثَقيفٍ.
[يَعني حَديثَ: عن ابنِ عبَّاسٍ، قَولُه: {وإن كادوا ليَفتِنونَك عنِ الذي أوحَينا إليك لتَفتَريَ علينا غَيرَه وإذًا لاتَّخَذوك خَليلًا} وذلك أنَّ ثَقيفًا كانوا قالوا للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا رَسولَ اللهِ أجِّلْنا سَنةً حتَّى يُهدى لآلهَتِنا، فإذا قَبَضنا الذي يُهدى لآلهَتِنا أخَذناه، ثُمَّ أسلَمنا وكَسَّرنا الآلهةَ، فهمَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُعطيَهم، وأن يُؤَجِّلَهم، فقال اللهُ: {ولولا أن ثَبَّتناك لقد كِدتَ تَركَنُ إليهم شَيئًا قَليلًا}]
العِلمُ بالقُرآنِ وبمَعانيه وتَفسيرِه مِن أشرَفِ العُلومِ وأجَلِّها؛ فهو مُتَعَلِّقٌ بكِتابِ اللهِ تعالى، وقد أَولى العُلماءُ العِلمَ بالقُرآنِ الاهتِمامَ الأكبَرَ، فقَسَّموا أنواعَ العُلومِ في القُرآنِ إلى أنواعٍ مُتَعَدِّدةٍ، مِنها ما يَتَعَلَّقُ بالتَّفسيرِ، ومِنها ما يَتَعَلَّقُ بغَريبِ القُرآنِ، ومِنها ما يَتَعَلَّقُ بمعرِفةِ المَكِّيِّ والمَدَنيِّ، ومِنها أيضًا ما يَتَعَلَّقُ بأسبابِ النُّزولِ، وهو عِلمٌ شَريفٌ جَليلٌ؛ إذ به يُعرَفُ كَيف كانت بدايةُ نُزولِ الآياتِ، وما سَبَبُها، وذلك أنَّ المُسلِمينَ في بدايةِ الإسلامِ كانت تَقَعُ لهم حَوادِثُ وقَضايا، فيَنزِلُ القُرآنُ ببَيانِ أحكامِها على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وفي هذا الحَديثِ بَيانُ قَولِه تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} [الإسراء: 74] نَزَلت في وَفدِ ثَقيفٍ.
وذلك أنَّهم قَدِموا على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالوا: أجِّلْنا سَنةً حتَّى نَأخُذَ ما نُهدي لآلهَتِنا، فإذا أخَذناه كَسَرنا آلهَتَنا وأسلَمْنا، فهَمَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُؤَجِّلَهم، فنَزَلتِ الآيةُ.
وفي رِوايةٍ أُخرى: أنَّ وَفدَ ثَقيفٍ أتَوا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالوا: مَتِّعْنا باللَّاتِ سَنةً، وحَرِّمْ وادينا كَما حَرَّمتَ مَكَّةَ، فأبى ذلك، فأقبَلوا يُكثِرونَ مَسألتَهم، وقالوا: إنَّا نُحِبُّ أن تَعرِفَ العَرَبُ فَضلَنا عليهم، فإن خَشيتَ أن يَقولَ العَرَبُ: أعطَيتَهم ما لم تُعطِنا، فقُل: اللهُ أمَرَني بذلك، فأمسَكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عنهم، ودَخلهمُ الطَّمَعُ، فنَزَلت هذه الآيةُ.
والمَعنى: ولولا أن ثَبَّتناك يا رَسولَ اللهِ بعِصمَتِنا إيَّاكَ عَمَّا دَعاك إليه هَؤُلاءِ المُشرِكونَ مِنَ الفِتنةِ، لقد كِدتَ تَميلُ إليهم وتَطمَئِنُّ شَيئًا قَليلًا.
وفي الحَديثِ بَيانُ سَبَبِ نُزولِ الآيةِ .