- أنَّهُ لمَّا قدم خيبرَ رأى فِتْيَةً لعسا فأعجبَهُ ظرفهم وحالهم فسألَهُ عنهم فقيل لهُ : إنَّهم مَوالٍ لرافعِ بنِ خديجٍ وأبوهم مملوكٌ لآلِ الحرقةِ، فاشترى الزبيرُ أباهم فأعتقَهُ، وقال لأولادِهِ : انْتَسِبُوا إليَّ فإنَّ ولاءكم لي فقال : رافعُ بنُ خديجٍ : الولاءُ لي لأنَّهم عُتِقُوا بعِتْقِي أمَّهم فاحتكموا إلى عثمانَ : فقضى بالولاءِ للزبيرِ فاجتمعتِ الصحابةُ عليهِ
أخرجه البيهقي (21545) واللفظ له، وعبد الرزاق (16284) بمعناه، وابن أبي شيبة (31539) بمعناه.
فرَّقَتِ الشَّريعةُ بَينَ أحكامِ الحُرِّ والعَبدِ؛ وذلك لطَبيعةِ الصِّفةِ المُتَعَلِّقةِ بهما؛ فالعَبدُ ليسَ مستَقِلًّا بتَصَرُّفاتِه؛ لأنَّه مِلكٌ لسَيِّدِه، وذِمَّتُه مَشغولةٌ للغَيرِ، وإذا عَتَقَ العَبدُ فإنَّ ولاءَه يَكونُ لمَن أعتَقَه، وإذا كان هذا العَبدُ له أبناءٌ، فأُعتِقَ الأبُ فإنَّ ولاءَ الأبناءِ يَكونُ لمَن أعتَق الأبَ، وليسَ لمَن أعتَقَ الأُمَّ، لأنَّه بعِتقِ الأبِ صَلحَ للانتِسابِ إليه، وعاد وارثًا ووليًّا، فعادَتِ النِّسبةُ إليه وإلى مَواليه، وفي هذا الحَديثِ أنَّ الزُّبَيرَ بنَ العَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عنه لمَّا قَدِمَ خَيبَر -وهيَ بَلدةٌ تَبعُدُ عنِ المَدينةِ 165 كَيلًا شَمالًا على طَريقِ الشَّامِ- رَأى فِتيةً، أي: عَبيدًا، لُعْسًا.
جَمعُ ألعَسَ، وهو الذي في شَفتِه سَوادٌ، ولم يَرِدْ به سَوادَ الشَّفةِ، وإنَّما أرادَ سَوادَ ألوانِهم، فأعجَبَه ظَرفُهم وحالُهم، أي: شَكلُهم وهَيئَتُهم، فسَأل عنهم، أي: سَأل لمَن هَؤُلاءِ الفِتيةُ، وكَأنَّه يُريدُ أن يَشتَريَهم، فقيل له: إنَّهم مَوَالٍ لرافِعِ بنِ خَديجٍ، وذلك كَما في رِوايةٍ أُخرى: أنَّ أُمَّهم كانت مَولاةً لرافِعٍ فأعتَقَها رافِعٌ فأصبَحَت حُرَّةً، فوُلِد الأبناءُ وأُمُّهم حُرَّةٌ، وأبوهم مَملوكٌ لآلِ الحُرَقةِ، قَبيلةٌ مِنَ القَبائِلِ في المَدينةِ، فاشتَرى الزُّبَيرُ أباهم فأعتَقَه، أي: حَرَّرَه مِنَ العُبوديَّةِ، ثُمَّ قال الزُّبَيرُ لأولادِ الرَّجُلِ: انتَسِبوا إليَّ؛ فإنَّ ولاءَكُم لي، أي: اجعَلوا نِسبَتكُم لي واترُكوا النِّسبةَ لرافِعِ بنِ خَديجٍ؛ وذلك لأنَّ ولاءَكُم أصبَحَ لي بَعدَ أن أعتَقتُ أباكُم، والولاءُ يَكونُ لمَن أعتَقَ، ونَسَبُ أبيكُم يَنجَرُّ إليكُم، فأنتُم تَنتَسِبونَ إليَّ.
فقال رافِعُ بنُ خَديجٍ رَضِيَ اللهُ عنه: الولاءُ لي؛ لأنَّهم عَتَقوا بعِتقي أُمَّهم، أي: امتَنَعَ رافِعٌ مِن أن يَكونَ ولاؤُهم للزُّبَيرِ، وبَيَّن أنَّه قد أعتَقَ أُمَّهم، فكان العِتقُ للأُمِّ، وهم وُلدوا وأُمُّهم حُرَّةٌ، فالولاءُ لرافِعٍ.
فاحتَكَموا، أي: تَرافعَ الزُّبَيرُ ورافِعٌ رَضِيَ اللهُ عنهما في هذه القَضيَّةِ، إلى عُثمانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه، ولعَلَّه كان الخَليفةَ في ذلك الوقتِ، حتَّى يَحكُمَ بَينَهما، فقَضى عُثمانُ بالولاءِ للزُّبَيرِ، أي: جَعَل ولاءَ الأبناءِ للزُّبَيرِ؛ لكَونِه هو الذي أعتَقَ الأبَ، وانجَرَّ ولاءُ الأبِ لمَواليه، فاجتَمَعَتِ الصَّحابةُ عليه، أي: اتَّفقَ الصَّحابةُ على ما قَضى به عُثمانُ مِن أنَّ الولاءَ يَكونُ لمَوالي مَن أعتَق الأبَ، ولكِنَّ المَسألةَ فيها خِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ أنَّ الولاءَ يَكونُ لمَوالي مَن أعتَق الأبَ.
وفيه أنَّ الأبناءَ يَكونونَ مَواليَ لمَن أعتَقَ أباهم .
السنن الكبرى للبيهقي (طبعة هجر) (21/ 408) 21545- وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن أبي طالب، أنبأنا يزيد بن هارون، أنبأنا محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، أن الزبير بن العوام رضي الله عنه قدم خيبر، فرأى فتية لعسا ظرفاء، فأعجبه ظرفهم، فسأل عنهم، فقيل: هم موالي لرافع بن خديج، أمهم حرة، مولاة لرافع بن خديج، وأبوهم مملوك لأشجع أو لبعض الحرقة، فأرسل الزبير رضي الله عنه فاشترى أباهم فأعتقه، ثم قال لفتيته: انتسبوا إلي، فإنما أنتم موالي، فقال رافع: بل هم موالي، ولدوا وأمهم حرة، وأبوهم مملوك، فاختصما إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقضى بولائهم للزبير.
هذا هو المشهور عن عثمان رضي الله عنه.
وروي، عن الزهري، عن عثمان رضي الله عنه منقطعا بخلافه.
مصنف عبد الرزاق الصنعاني (9/ 42) 16284 - عن الثوري، عن هشام بن عروة، عن عروة، وحميد الأعرج، عن إبراهيم التيمي ، أن رافع بن خديج خاصم الزبير في مولاة لرافع كان زوجها مملوكا فاشتراه الزبير فأعتقه فاختصما إلى عثمان فقضى بالولاء للزبير
مصنف ابن أبي شيبة (6/ 292) 31539 - حدثنا وكيع، قال: ثنا هشام بن عروة، عن أبيه ، " أن مكاتبا للزبير تزوج أم ولد لرافع بن خديج، قال: فولدت أولادا، ثم أعتق، فاختصم الزبير ورافع في ولائهم إلى عثمان فقضى بالولاء للزبير "