أتتِ امرأةٌ إلى عبدِ اللَّهِ بنِ عبَّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهُما ، فقالَت : إنِّي نذَرتُ أن أنحرَ ابني فقالَ ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما : لا تَنحري ابنَكِ وَكَفِّري عن يمينِكِ ، فقالَ شيخٌ عندَ ابنِ عبَّاسٍ جالسٌ : وَكَيفَ يَكونُ في هذا كفَّارةٌ ؟ فقالَ ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما إنَّ اللَّهَ تعالى يقولُ : ؟ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِم ؟ ثمَّ جعلَ فيهِ منَ الكفَّارةِ ما قد رأيتَ .
وفي روايةِ جعفرٍ فقالَ لَهُ شيخٌ وَكَيفَ تَكونُ كفَّارةٌ في طاعةِ الشَّيطانِ فقالَ بلَى أليسَ اللَّهُ يقولُ فذَكَرَ معناهُ
أخرجه البيهقي (20572)
نَهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عنِ النَّذرِ بأن يوجِبَ الشَّخصُ على نَفسِه أمرًا لم يوجِبْه اللهُ تعالى عليه، ومَعَ ذلك فمَن نَذَرَ نَذرًا فإنَّه يَجِبُ عليه الوفاءُ به، ولكِن قد يَنذِرُ الشَّخصُ أمرًا ثُمَّ لا يَستَطيعُ القيامَ به أو يَنذِرُ بأمرٍ لا يَجوزُ؛ فعليه في تلك الحالِ أن يُكَفِّرَ عن نَذرِه؛ ففي هذا الحَديثِ يُخبرُ القاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ، أحَدُ التَّابِعينَ: أنَّ امرَأةً جاءَت إلى عَبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، فقالت له: إنِّي نَذَرتُ أن أنحَرَ ابني، أي: أنَّها أتَت بذلك والتَزَمَته على وَجهِ النَّذرِ والتَّقَرُّبِ للهِ تعالى به، فماذا عليها أو ماذا تَفعَلُ وقد نَذَرَت هذا النَّذرَ؟ فقال لها ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: لا تَنحَري ابنَك، وكَفِّري عن يَمينِك، أي: لأنَّ ابنَك نَفسٌ حَرَّم اللَّهُ قَتلَها إلَّا بالحَقِّ، ونَذرُك هذا باطِلٌ ومَعصيةٌ، فمَنَعَها مِنَ النَّحرِ الذي عَلَّقَت به النَّذرَ؛ لأنَّه مَعصيةٌ لا تَحِلُّ بنَذرٍ ولا غَيرِه، وقال لها: كَفِّري عن يَمينِك.
فسَمَّاه يَمينًا لوجهَينِ: أحَدُهما: لمَّا كانت كَفَّارَتُه عِندَ ابنِ عبَّاسٍ كَفَّارةَ يَمينٍ سَمَّاه لذلك يَمينًا، والثَّاني: أنَّه لعَلَّه فَهِم مِنها أنَّها أتَت بذلك على وَجهِ اليَمينِ.
فقال شَيخٌ كان جالسًا عِندَ ابنِ عبَّاسٍ: وكَيف يَكونُ في هذا كَفَّارةٌ؟ أي: كَيف يَكونُ في النَّذرِ كَفَّارةٌ وهو نَذرُ مَعصيةٍ؟ فقال ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: إنَّ اللَّهَ تعالى يَقولُ: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} [المجادلة: 3] ثُمَّ جَعَل فيه مِنَ الكَفَّارةِ ما قد رَأيتَ، أي: ظاهَروا مِن زَوجاتِهم، والظِّهارُ قَولُ الرَّجُلِ لزَوجَتِه: أنتِ علَيَّ كَظَهرِ أُمِّي، فحَرَّمها على نَفسِه بقَولِه هذا، وهو أمرٌ لا يَجوزُ؛ قال تعالى عنه: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا}، ومَعَ ذلك جَعَل اللَّهُ تعالى في ذلك كَفَّارةً، فقال: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المُجادَلة: 3، 4] .
فجَعَل ابنُ عبَّاسٍ دَليلَه على أمرِ المَرأةِ التي نَذَرَت نَحرَ ولَدِها بالكَفَّارةِ أنَّ اللَّهَ تعالى أمَر الذينَ يُظاهرونَ مِن نِسائِهم بالكَفَّارةِ، وكِلاهما مُحرَّمٌ.
وفي رِوايةِ جَعفَرٍ، وهو جَعفَرُ بنُ عَونٍ أحَدُ رُواةِ هذا الحَديثِ: فقال شَيخٌ لابنِ عبَّاسٍ: وكَيف تَكونُ كَفَّارةٌ في طاعةِ الشَّيطانِ؟! أي: أنَّ نَذرَها بنَحرِ وَلَدِها يُعتَبَرُ مَعصيةً؛ لأنَّه طاعةٌ للشَّيطانِ، فكَيف يُجعَلُ في نَذرِ المَعصيةِ كَفَّارةٌ؟ فقال ابنُ عبَّاسٍ: بَلى، أي: حتَّى نَذْرُ المَعصيةِ يَكونُ فيه كَفَّارةٌ، ثُمَّ قال: أليسَ اللَّه يَقولُ، فذَكَرَ مَعناه، أي: ذَكَرَ مَعنى الرِّوايةِ السَّابقةِ مِن أنَّ اللَّهَ تعالى أمَر المُظاهِرَ بالكَفَّارةِ، مَعَ أنَّ المُظاهِرَ أتى مَعصيةً، وطاعةً للشَّيطانِ في الظِّهارِ مِن زَوجَتِه.
والمَسألةُ فيها خِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ الكَفَّارةِ في نَذرِ المَعصيةِ .
السنن الكبرى للبيهقي (10/ 72) 20572- أخبرنا أبو زكريا بن أبى إسحاق أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيبانى حدثنا محمد بن عبد الوهاب أنبأنا جعفر بن عون أنبأنا يحيى بن سعيد عن القاسم ح وأخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن قتادة أنبأنا أبو عمرو بن نجيد حدثنا محمد بن إبراهيم البوشنجى حدثنا ابن بكير حدثنا مالك عن يحيى بن سعيد قال سمعت القاسم بن محمد يقول : أتت امرأة إلى عبد الله بن عباس رضى الله عنهما فقالت إنى نذرت أن أنحر ابنى فقال ابن عباس رضى الله عنهما لا تنحرى ابنك وكفرى عن يمينك فقال شيخ عند ابن عباس جالس وكيف يكون فى هذا كفارة فقال ابن عباس رضى الله عنهما إن الله يقول (والذين يظاهرون من نسائهم) ثم جعل فيه من الكفارة ما قد رأيت.
وفى رواية جعفر فقال له شيخ وكيف تكون كفارة فى طاعة الشيطان فقال بلى أليس الله يقول فذكر معناه هذا إسناد صحيح.وكذلك رواه الثورى عن يحيى بن سعيد الأنصارى.