قال عمارُ بنُ ياسرٍ لعائشةَ لما فرغوا من الجملِ ما أبعدَ هذا المسيرَ من العهدِ الذي عهد إليكم يشيرُ إلى قولِه تعالى وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ فقالت أبو اليقظانِ قال نعم قالت واللهِ إنك ما علمتُ لقوَّالٌ بالحقِّ قال الحمدُ للهِ الذي قضى لي على لسانِكِ
لمَّا توفِّيَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان بَعدَه عَهدُ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ، وسارَتِ الأُمورُ في عَهدِهم على أحسَنِ حالٍ مِنِ استِقامةِ أمرِ النَّاسِ وكَثرةِ الفُتوحاتِ الإسلاميَّةِ وانتِشارِ الإسلامِ، ثُمَّ أعقَبَ ذلك وُقوعُ الفِتَنِ عَقِبَ مَقتَلِ أميرِ المُؤمِنينَ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ رَضيَ اللهُ عنه، وما حَصَلَ مِن قِتالٍ بَينَ الصَّحابةِ في مَعرَكةِ الجَمَلِ سَنةَ سِتٍّ وثَلاثينَ للهِجرةِ بَينَ علي بنِ أبي طالِبٍ، وطَلحةَ والزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ ومَعَهم عائِشةُ رَضِيَ اللهُ عنهم، وسُمِّيَت بمَعرَكةِ الجَمَلِ؛ لكَونِ عائِشةَ خَرَجَت راكِبةً على جَمَلٍ، وكان الحَقُّ مَعَ علي رَضِيَ اللهُ عنه، وكان عَمَّارُ بنُ ياسِرٍ رَضِيَ اللهُ عنه مَعَ علي، وفي هذا الحَديثِ يَقولُ عَمَّارُ بنُ ياسِرٍ لعائِشةَ لمَّا فرَغوا مِنَ الجَمَلِ، أي: لمَّا انتَهَوا مِن مَعرَكةِ الجَمَلِ وما حَصَل فيها مِنَ القِتالِ، وفي رِوايةٍ أنَّه قال لها ذلك حينَ ودَّعَها وهيَ ذاهبةٌ لمَكانِ الفريقَينِ: ما أبعَدَ هذا المَسيرَ مِنَ العَهدِ الذي عُهِدَ إليكُم! يُشيرُ إلى قَولِه تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب: 33] .
والمَعنى: أنَّ اللَّهَ تعالى أمَر أزواجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالقَرارِ في بُيوتِهنَّ وعَدَمِ الخُروجِ، فلمَّا خَرَجَت عائِشةُ رَضِيَ اللهُ عنها وسارَت مِنَ المَدينةِ إلى مَوقِعِ القِتالِ الحاصِلِ بَينَ الطَّرَفينِ، كانت بذلك قد تَرَكَتِ العَهدَ الذي عُهِدَ إليها مِن قَرارِها في البَيتِ، ومَقصودُ عَمَّارٍ أنَّ عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها لو بَقيَت في بَيتِها ولم تُشارِكْ في القِتالِ كان خَيرًا لها مِنَ الخُروجِ، فلمَّا سَمِعَت عائِشةُ قَولَ عَمَّارٍ قالت: أبو اليَقظانِ؟ وهيَ كُنيةُ عَمَّارٍ، أي: أنتَ أبو اليَقظانِ القائِلُ هذا الكَلامَ! فقال عَمَّارٌ: نَعَم.
فقالت عائِشةُ: واللهِ إنَّك ما عَلِمتُ لقَوَّالٌ بالحَقِّ، أي: قد عُرِف عنك يا عَمَّارُ قَولُك ونُطقُك للحَقِّ.
ومُرادُها، واللَّهُ أعلمُ: بَيانُ صِدقِ قَولِه وأنَّها لو بَقيَت في بَيتِها كان خَيرًا لها.
فقال عَمَّارٌ رَضِيَ اللهُ عنه: الحَمدُ للهِ الذي قَضى لي على لسانِك، أي: حَمِد اللَّهَ لكَونِ الثَّناءِ عليه جاءَ مِن عائِشةَ ولم تَكُنْ مِنَ الفريقِ الذي مَعَه، ومَعَ ذلك أثنَت عليه وبَيَّنَت صِدقَه.
وفي الحَديثِ ثَناءُ عائِشةَ على عَمَّارِ بنِ ياسِرٍ رَضِيَ اللهُ عنهم.
وفيه بَيانُ ما كان عليه الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم مِن قَولِ الحَقِّ .