عن الصحابةِ لما حاصروا تُستَرَ وانفلقَ الفجرُ والقتالُ قائمٌ والناسُ على الأسوارِ وعلى الأبوابِ أجَّلوا صلاةَ الفجرِ حتى فُتح لهم ثم صلَّوْها ضُحًى لئلا يفوتَ الفتحُ ولئلا يتراجعَ الكفارُ.
فرَضَ اللَّهُ تعالى الصَّلاةَ وجَعَل لها أوقاتًا مَعلومةً، فقال سُبحانَه: {إنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] ، وقد بَيَّنَ جِبريلُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَواقيتَ الصَّلواتِ الخَمسِ، فلا بُدَّ أن تُؤَدَّى الصَّلواتُ في أوقاتِها، ولا يَجوزُ تَأخيرُها حتَّى يَخرُجَ الوقتُ إلَّا إذا كان هناكَ مَصلحةٌ وحاجةٌ راجِحةٌ تَقتَضي تَأخيرَها عن وقتِها، كَإنقاذِ غَريقٍ، أو هجومِ عَدوٍّ، فيُشرَعُ تَأخيرُها ولو خَرَجَ وقتُها؛ فقد جاءَ أنَّ الصَّحابةَ رَضِيَ اللهُ عنهم لمَّا حاصَروا تُسْتَرَ، وهيَ مَدينةٌ عَظيمةٌ مِن مُدُنِ فارِسَ، واشتَدَّ الحِصارُ، وانفلقَ الفَجرُ، أي: طَلعَ الفَجرُ، والقِتالُ قائِمٌ، أي: مُستَمِرٌّ بَينَ المُسلمينَ والفُرسِ، وكان المُسلمونَ على أسوارِ الحِصنِ وعلى الأبوابِ، فأجَّلوا صَلاةَ الفَجرِ وأخَّروها عن وقتِها حتَّى فتَحوا المَدينةَ ودَخَلوها، ثُمَّ صَلَّوا الفجرَ في وقتِ الضُّحى، أي: بَعدَ خُروجِ الوَقتِ، وإنَّما فعَلوا ذلك لئَلَّا يَفوتَ عليهم فَتحُ المَدينةِ، ولئَلَّا يَتَراجَعَ الكُفَّارُ إلى الحِصنِ ويَتَمَكَّنوا مِنَ المُسلمينَ، ولم يُنكِرْ أحَدٌ مِنَ الصَّحابةِ على الذينَ أخَّروا الصَّلاةَ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ تَأخيرِ الصَّلاةِ عن وقتِها للضَّرورةِ والحاجةِ والمَصلحةِ الرَّاجِحةِ .