كنَّا مع عمرَ في مسيرٍ فأبصر رجلًا يُسرِعُ في مسيرِه ، فقال : إنَّ هذا الرَّجلَ يريدُنا ، فأناخ ثمَّ ذهب لحاجتِه وجاء الرَّجلُ فبكَى وبكَى عمرُ ، وقال : ما شأنُك ؟ قال : يا أميرَ المؤمنين إنِّي شرِبتُ الخمرَ فقامَ أبو موسَى وسوَّد وجهي وطاف بي ونهَى النَّاسَ أن يُجالسوني فهمَمْتُ أن آخُذَ سيفي فأضربَ به أبا موسَى أو آتيك فتُحوِّلُني إلى بادٍ لا أُعرَفُ فيه أو ألحقُ بأرضِ الشِّركِ فبكَى عمرُ وقال : ما يسرُّني أنَّك لحِقتَ بأرضِ الشِّركِ وإنَّ لي كذا وكذا وقال : إن كنتُ لمن أشرَبِ النَّاسِ للخمرِ في الجاهليَّةِ ، ثمَّ كتب إلى أبي موسَى : إنَّ فلانًا آتاني فذكر كذا وكذا فإذا أتاك هذا فمُرْ النَّاسَ أن يُجالِسوه وأنْ يُخالِطوه وإن تاب فاقبَلْ شهادتَه وكساه وأمر له بمائتَيْ درهمٍ
أخرجه ابن أبي الدنيا كما في ((مسند الفاروق)) لابن كثير (2/521)
جَعَل اللهُ التَّوبةَ مِنَ الذُّنوبِ والمَعاصي كَفَّارةً لصاحِبِها مِمَّا اقتَرَفه، ولا يُلامُ الشَّخصُ أو يُذَمُّ بذَنبِه الذي اقتَرَفه بَعدَ التَّوبةِ، وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما أنَّهم كانوا مَعَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه في مَسيرٍ، أي: في سَفَرٍ؛ ففي رِوايةٍ أُخرى: أنَّه سَفَرُ حَجٍّ أو عُمرةٍ، فأبصَرَ عُمَرُ رجُلًا يُسرِعُ في مَسيرِه، أي: يُسرِعُ في السَّيرِ يُريدُ أن يَلحَقَ بعُمَرَ، فقال عُمَرُ: إنَّ هذا الرَّجُلَ يُريدُنا، أي: أنَّه لم يُسرِعْ إلَّا وله حاجةٌ عِندَنا، فأناخَ عُمَرُ، أي: أوقَف السَّيرَ ونَزَل عن ناقَتِه حتَّى يَنتَظِرَ الرَّجُلَ، ثُمَّ ذَهَبَ عُمَرُ لحاجَتِه، أي: لقَضاءِ حاجَتِه، فجاءَ الرَّجُلُ فبَكى، وبَكى عُمَرُ لبُكاءِ الرَّجُلِ، ثُمَّ قال عُمَرُ للرَّجُلِ: ما شَأنُك؟ أي: ما حاجَتُك ولماذا تُسرِعُ بَعدَنا وجِئتَ تَبكي؟ فقال الرَّجُلُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، إنِّي شَرِبتُ الخَمرَ، فقامَ أبو موسى الأشعَريُّ وسوَّد وجهي، أي: جَعَل على وَجهِه بَعضَ السَّوادِ، وطاف بي، أي: بَينَ النَّاسِ حتَّى يَعرِفوا أنِّي شَرِبتُ الخَمرَ، ونَهى النَّاسَ أن يُجالِسوني، أي: مَنَعَهم أن يَجلِسوا مَعي، وكُلُّ هذا مِن أبي موسى كان تَعزيرًا للرَّجُلِ لشُربِه الخَمرَ، وإلَّا ففي رِوايةٍ أُخرى أنَّ أبا موسى جَلدَه.
يَقولُ الرَّجُلُ: فهَمَمتُ أن آخُذَ سَيفي فأضرِبَ به أبا موسى، أي: أقتُلَه لِما فعَل بي ذلك، أو آتيَك فتُحَوِّلَني إلى بادٍ، أي: باديةٍ مِنَ البَوادي أسكُنُ فيها لا أعرَفُ فيه، أي: لا أحَدَ يَعرِفُني فيها، وفي رِوايةٍ: تُحَوِّلُني إلى الشَّامِ فإنَّهم لا يَعرِفونَني، أو ألحَقُ بأرضِ الشِّركِ، أي: أذهَبُ إلى دارِ المُشرِكينَ وأعيشُ عِندَهم وآكُلُ مَعَهم وأشرَبُ، فبَكى عُمَرُ وقال: ما يَسُرُّني أنَّك لحِقتَ بأرضِ الشِّركِ وإنَّ لي كَذا وكَذا، أي: ما أحِبُّ أن تَلحَقَ بأرضِ المُشرِكينَ ولو كان لي مِنَ المالِ ما كان؛ وذلك لخُطورةِ البَقاءِ في ديارِ الشِّركِ، ثُمَّ قال عُمَرُ مواسيًا له: إن كُنتُ لَمِن أشرَبِ النَّاسِ للخَمرِ في الجاهليَّةِ، أي: أنَّه رَضِيَ اللهُ عنه كان مُكثِرًا مِن شُربِ الخَمرِ في الجاهليَّةِ، فلمَّا مَنَّ اللهُ عليه وأسلمَ تَرَكَها، ثُمَّ كَتَبَ عُمَرُ إلى أبي موسى: إنَّ فلانًا آتاني فذَكَرَ كَذا وكَذا، أي: أنَّك يا أبا موسى سَوَّدتَ وَجهَه ومَنَعتَ النَّاسَ مِن مُجالسَتِه، فإذا أتاك هذا، أي: هذا الكِتابُ، فمُرِ النَّاسَ أن يُجالسوه وأن يُخالِطوه، وإن تابَ مِن شُربِه للخَمرِ فاقبَلْ شَهادَتَه، أي: اجعَلْ شَهادَتَه مَقبولةً ولا تَرُدَّها.
ثُمَّ كَسا عُمَرُ الرَّجُلَ كِسوةً مِنَ الثِّيابِ، وأمَر له بمِائَتَي دِرهَمٍ تَطييبًا لخاطِرِه وتَثبيتًا له.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ التَّعزيرِ في شُربِ الخَمرِ.
وفيه إحسانُ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه لمَن جاءَ تائِبًا.
وفيه أنَّ شارِبَ الخَمرِ تَسقُطُ شَهادَتُه، فإذا تابَ قُبِلَت.
وفيه خَوفُ عُمَرَ مِن أن يَلحَقَ الشَّخصُ بديارِ الشِّركِ .
[مسند الفاروق لابن كثير ت قلعجي] (2/ 521) :قال ابن أبي الدنيا: حدثني يعقوب بن عبيد، ثنا يزيد، أنا حماد بن سلمة، عن سماك، عن عبد الله بن شداد، عن عبد الله بن عمر قال: كنا مع عمر في مسير، فأبصر رجلا يسرع في مسيره، فقال: إن هذا الرجل يريدنا، فأناخ، ثم ذهب لحاجته، وجاء الرجل فبكى، وبكى عمر، وقال: ما شأنك؟ قال: يا أمير المؤمنين، إني شربت الخمر، فضربني أبو موسى، وسود وجهي، وطاف بي، ونهى الناس أن يجالسوني، فهممت أن آخذ سيفي فأضرب به أبا موسى، وآتيك، فتحولني إلى دار لا أعرف فيه، أو ألحق بأرض الشرك، فبكى عمر، وقال: ما يسرني أنك لحقت بأرض الشرك وأن لي كذا وكذا، وقال: إن كنت لمن أشرب الناس للخمر في الجاهلية، ثم كتب إلى أبي موسى: إن فلانا أتاني، فذكر كذا وكذا، فإذا أتاك كتابي هذا، فمر الناس أن يجالسوه، وأن يخالطوه، وإن تاب فاقبل شهادته.
وكساه، وأمر له بمائتي درهم.
وهذا اسناد صحيح.