خرَجتُ مع ابنِ عُمَرَ مِن مَكةَ، وكان له جَفْنةٌ مِن ثَريدٍ يَجتَمِعُ عليها بَنوه، وأصحابُه، وكُلُّ مَن جاءَ، حتى يأكُلَ بَعضُهم قائِمًا، ومعه بَعيرٌ له، عليه مَزادَتانِ، فيهما نَبيذٌ وماءٌ، فكان لِكُلِّ رَجُلٍ قَدَحٌ مِن سَويقٍ بذلك النَّبيذِ.
أخرجه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (4/ 148) بلفظه.
نَقَل السَّلَفُ مِنَ التَّابِعينَ حالَ الصَّحابةِ وأفعالَهم في جَميعِ أحوالِهم في السَّفَرِ والحَضَرِ، وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ أبو جَعفَرٍ القاري -وهو أحَدُ التَّابِعينَ- أنَّه خَرَجَ مَعَ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما مِن مَكَّةَ إلى المَدينةِ، وكان لابنِ عُمَرَ جَفنةٌ، وهيَ القَصعةُ التي يوضَعُ فيها الطَّعامُ، مِن ثَريدٍ وهو الخَبزُ بمَرَقِ اللَّحمِ وقد يَكونُ مَعَه اللَّحمُ، يَجتَمِعُ عليها بَنوه وأصحابُه، وكُلُّ مَن جاءَ، أي: كُلُّ مَن كان مَعَ ابنِ عُمَرَ مِن أبنائِه وأصحابِه يَجتَمِعونَ على قَصعةِ الثَّريدِ هذه، حَتَّى يَأكُلَ بَعضُهم قائِمًا؛ وذلك لكَثرَتِهم مِمَّا يَصعُبُ عليهم أن يَجلِسوا حَولَها، فيَأكُلُ بَعضُهم قائِمًا، وكان مَعَ ابنِ عُمَرَ بَعيرٌ، أي: جَمَلٌ، يَحمِلُ مَزادَتَينِ، وهيَ الظَّرفُ الذى يُحمَلُ فيه الماءُ، وفي المَزادَتَينِ نَبيذٌ -وهو ما يُعمَلُ مِنَ الأشرِبةِ مِنَ التَّمرِ والزَّبيبِ- وماءٌ، فكان لكُلِّ رَجُلٍ قَدَحٌ، أي: إناءٌ، مِن سَويقٍ -وهو القَمحُ أوِ الشَّعيرُ المَقليُّ ثُمَّ يُطحَنُ- بذلك النَّبيذِ، أي: يُشرَبُ أو يُجعَلُ مَعَ النَّبيذِ، وفي رِوايةٍ أُخرى: حَتَّى يَتَضَلَّعَ مِنه شِبَعًا، أي: حَتَّى يَشبَعَ مِنَ السَّويقِ والنَّبيذِ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ أخذِ الطَّعامِ في السَّفرِ.
وفيه مَشروعيَّةُ الاجتِماعِ على الطَّعامِ في السَّفرِ.
وفيه مَشروعيَّةُ الأكلِ قائمًا.
وفيه مَشروعيَّةُ شُربِ النَّبيذِ إذا لم يُسكِرْ.
وفيه كَرَمُ ابنِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما .
[الطبقات الكبرى - ط دار صادر] (4/ 148) :
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا هشام بن سعد عن أبي جعفر القارئ قال: خرجت مع ابن عمر من مكة إلى المدينة وكان له جفنة من ثريد يجتمع عليها بنوه وأصحابه وكل من جاء حتى يأكل بعضهم قائما، ومعه بعير له عليه مزادتان فيهما نبيذ وماء مملوءتان، فكان لكل رجل قدح من سويق بذلك النبيذ حتى يتضلع منه شبعا.