أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لما ساقى أهلَ خيبرَ لم يُجَدِّدِ الخُلَفاءُ بعدَه عقدًا
اشتَمَلَتِ الشَّريعةُ الإسلاميَّةُ على كُلِّ ما يَحتاجُه المُسلِمُ في أمرِ دينِه ودُنياه، فهذه الشَّريعةُ فيها أحكامُ العَقائِدِ، وأحكامُ العِباداتِ، وأحكامُ المُعامَلاتِ التي تَضبِطُ تَعامُلَ النَّاسِ فيما بَينَهم، ومِن ذلك أحكامُ العُقودِ؛ فمِنها عُقودٌ لازِمةٌ، ومِنها عُقودٌ جائِزةٌ؛ فالعُقودُ اللَّازِمةُ: هيَ التي لا تَنفسِخُ بمَوتِ أحَدِ الطَّرَفينِ كالإجارةِ، فإذا استَأجَرَ شَخصٌ مِن أحَدٍ أرضًا أو مَزرَعةً ونَحوَ ذلك ثُمَّ ماتَ المُؤَجِّرُ، فإنَّ عَقدَ الإجارةِ لا يَنفسِخُ، بَل يَستَمِرُّ المُستَأجِرُ على عَقدِه، ويُلزَمُ ورَثةُ المُؤَجِّرِ بإتمامِ مُدَّةِ العَقدِ للمُستَأجِرِ، وهَل المُساقاةُ -وهيَ أن يَدفعَ الرَّجُلُ شَجَرَه إلى آخَرَ ليَقومَ بسَقيِه وعَمَلِ سائِرِ ما يَحتاجُ إليه بجُزءٍ مَعلومٍ له مِن ثَمَرِه- هَل هيَ مِنَ العُقودِ اللَّازِمةِ أمِ الجائِزةِ؟ اختَلف أهلُ العِلمِ في ذلك؛ فذَهَبَ بَعضُهم إلى أنَّها مِنَ العُقودِ اللَّازِمةِ، وفي هذا الحَديثِ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَّا ساقى أهلَ خَيبَرَ -وهم يَهودُ خَيبَرَ- عِندَما أرادَ أن يُجلِيَهم مِنَ المَدينةِ، طَلبوا مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يَعمَلوا في النَّخلِ بشَطرِ ما يَخرُجُ مِنه، فوافقَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على ذلك، واستَمَرَّ هذا العَقدُ في حَياةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولمَّا ماتَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَنفسِخِ العَقدُ، بَل استَمَرَّ عَقدُ المُساقاةِ مَعَهم، ولم يُجَدِّدِ الخُلفاءُ بَعدَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَقدَ المُساقاةِ؛ مِمَّا يَدُلُّ على أنَّه عَقدٌ لازِمٌ، والمَسألةُ فيها خِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ أنَّ المُساقاةَ عَقدٌ لازِمٌ لا يَنفسِخُ بمَوتِ أحَدِ الطَّرَفينِ.
وفيه مَشروعيَّةُ المُساقاةِ .