- لَمَّا خَرَج عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ من الكوفةِ اجتمع إليه أصحابُه فوَدَّعَهم، ثمَّ قال: لا تنازَعوا في القرآنِ؛ فإنَّه لا يختَلِفُ ولا يتلاشى، ولا يتغَيَّرُ لكثرةِ الرَّدِّ، وإنَّ شريعةَ الإسلامِ وحدودَه وفرائِضَه فيه واحِدةٌ، ولو كان شيءٌ مِنَ الحرفينِ يَنهى عن شيءٍ يأمُرُ به الآخَرُ، كان ذلك الاختلافَ، ولكِنَّه جامِعٌ ذلك كلَّه، لا تختَلِفُ فيه الحدودُ ولا الفرائضُ، ولا شيءٌ من شرائعِ الإسلامِ، ولقد رأيتُنا نتنازعُ فيه عند رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيأمُرُنا فنقرَأُ عليه، فيُخبِرُنا أنَّا كُلُّنا محسِنٌ، ولو أعلَمُ أحدًا أعلَمَ بما أَنزَلَ اللهُ على رسولِه منِّي لطلَبْتُه؛ حتى أزدادَ عِلْمَه إلى علمي، ولقد قرأتُ من لسانِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سبعينَ سورةً، وقد كنتُ عَلِمْتُ أنَّه يَعرِضُ عليه القرآنَ في كلِّ رمضانَ، حتى كان عامُ قُبِضَ، فعَرَض عليه مرَّتين، فكان إذا فَرَغ أقرأُ عليه، فيخبِرُني أنِّي محسِنٌ، فمَن قرأ على قراءتي فلا يدَعَنَّها رغبةً عنها، ومن قرأَ على شيءٍ من هذه الحروفِ فلا يدَعَنَّه رغبةً عنه ؛ فإنَّه من جَحَد بآيةٍ جحَدَ به كُلِّه
أخرجه الطبراني (10076) (10/ 97)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (2074) واللفظ لهما. والمستغفري في ((فضائل القرآن)) (252) مختصرا.
القُرآنُ الكَريمُ مُحكَمٌ لا اختِلافَ فيه ولا تَناقُضَ؛ لأنَّه نَزَل مِن عِندِ اللهِ تعالى بلُغةِ العَرَبِ يَفهَمُه مَن عَرَف مَعناه، وقد أُنزِلَ على سَبعةِ أحرُفٍ لتَيسيرِ قِراءَتِه على النَّاسِ، ولكِنَّ المَعنى واحِدٌ وإنِ اختَلف اللَّفظُ؛ فلا يَظُنَّ أحَدٌ أنَّ ذلك مِنَ الاختِلافِ، وكان الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم يوصونَ أتباعَهم وتَلاميذَهم بالقُرآنِ وعَدَمِ الاختِلافِ فيه؛ ففي هَذا الحَديثِ يُخبرُ عَلقَمةُ النَّخعيُّ -وهو أحَدُ التَّابِعينَ- أنَّ عَبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه لمَّا خَرَجَ مِنَ الكوفةِ -وهيَ بَلدٌ في العِراقِ، وكان ابنُ مَسعودٍ مُقيمًا فيها، وأرادَ الخُروجَ مِنَ الكوفةِ والذَّهابَ إلى المَدينةِ كَما في رِوايةٍ أُخرى- اجتَمَعَ إلى ابنِ مَسعودٍ أصحابُه فودَّعَهم لكَونِه مُسافِرًا، ثُمَّ أوصاهم وقال لهم: لا تَنازَعوا في القُرآنِ، أي: احذَروا أن تَختَلفوا في قِراءةِ القُرآنِ ويُنكِرَ بَعضُكُم على بَعضٍ قِراءةَ الآخَرِ؛ فإنَّه، أي: القُرآنَ، لا يختَلِفُ، أي: ليسَ فيه اختِلافٌ، ولا يَتَلاشى، أي: لا يَذهَبُ ويَضمَحِلُّ، ولا يَتَغَيَّرُ لكَثرةِ الرَّدِّ، أي: لكَثرةِ القِراءةِ، وإنَّ شَريعةَ الإسلامِ وحُدودَه وفرائِضَه فيه واحِدةٌ، أي: أحكامُ الدِّينِ التي جاءَ بها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأمَرَ بها وعَلَّمَها للنَّاسِ واحِدةٌ لا تَختَلفُ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ، ولو كان شَيءٌ مِنَ الحَرفينِ يَنهى عن شَيءٍ يَأمُرُ به الآخَرُ كان ذلك الاختِلافَ، أي: لو كانت بَعضُ حُروفِ القُرآنِ تَنهى عن شَيءٍ وبَعضُ الحُروفِ الأُخرى تَأمُرُ بذلك الشَّيءِ نَفسِه، فهذا هو الاختِلافُ المُتَضادُّ، وهذا مِمَّا لا يُمكِنُ وُقوعُه في القُرآنِ، ولكِنَّه جامِعٌ ذلك كُلَّه، أي: أنَّ القُرآنَ يَجمَعُ اختِلافَ الحُروفِ، لكِنَّه لا يَقَعُ فيه اختِلافُ الأحكامِ، فلا تَختَلفُ فيه الحُدودُ ولا الفرائِضُ، ولا شَيءٌ مِن شَرائِعِ الإسلامِ، أي: هيَ ثابتةٌ مُتَّفَقٌ عليها مَهما اختَلفتِ الحُروفُ، ثُمَّ قال ابنُ مَسعودٍ: ولقد رَأيتُنا نَتَنازَعُ فيه، أي: كُنَّا نَحنُ -الصَّحابةَ- نَختَلفُ في قِراءةِ بَعضِ حُروفِ القُرآنِ عِندَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فكان كُلُّ واحِدٍ مِنَّا يَقرَأُ بحَرفٍ غَيرِ حَرفِ الآخَرِ، فيَأمُرُنا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فنَقرَأُ عليه، أي: يَقرَأُ أحَدُنا بالحَرفِ الذي تَعَلَّمه، ويَقرَأُ الآخَرُ بالحَرفِ الذي تَعَلَّمه، ثُمَّ يُخبرُنا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّا كُلَّنا مُحسِنٌ، أي: ليسَ اختِلافُهم في قِراءةِ حُروفِ القُرآنِ مِنَ الخِلافِ المَذمومِ، بَل هو مِنَ التَّيسيرِ في قِراءةِ القُرآنِ، وأنَّ كُلَّهم مُصيبٌ مُحسِنٌ.
ثُمَّ يَقولُ ابنُ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه: ولو أعلَمُ أحَدًا، أي: مِنَ النَّاسِ أوِ الصَّحابةِ، أعلَمَ بما أنزَل اللهُ على رَسولِه مِنِّي لطَلبتُه، أي: لقَصدتُه لكَي أتَعَلَّمَ مِنه مَعانيَ القُرآنِ وما فيه مِنَ الأحكامِ، حَتَّى أزدادَ عِلمَه إلى عِلمي، أي: حَتَّى أجمَعَ عِلمَه إلى ما مَعي مِنَ العِلمِ، وقد كان ابنُ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه مِنَ الصَّحابةِ الذينَ أوتوا عِلمًا كَبيرًا في القُرآنِ، ثُمَّ يَقولُ رَضِيَ اللهُ عنه: ولقد قَرَأتُ مِن لسانِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَبعينَ سورةً، أي: أخَذَ سَبعينَ سورةً مِن فمِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ نَزَلت، وقد كُنتُ عَلِمتُ أنَّه يُعرَضُ عليه القُرآنُ في كُلِّ رَمَضانَ، أي: كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُدارِسُ جِبريلَ جَميعَ ما نَزَل مِنَ القُرآنِ، مِنَ المُعارَضةِ، وهيَ المُقابَلةُ مِنَ الجانِبَينِ، كَأنَّ كُلًّا مِنهما كان يَقرَأُ والآخَرُ يَسمَعُ، والظَّاهِرُ أنَّ جِبريلَ كان يَسمَعُ القُرآنَ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ويُقرِئُه إيَّاه ليَزدادَ حِفظًا وإتقانًا، حَتَّى كان عامُ قُبِض، فعَرَضَ عليه مَرَّتَينِ، أي: في العامِ الذي ماتَ فيه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَرَضَ القُرآنَ على جِبريلَ مَرَّتَينِ، وفي هذا إشعارٌ بمَوتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فكان إذا فرَغَ أقرَأُ عليه، أي: كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا انتَهى مِن قِراءةِ القُرآنِ على جِبريلَ يَقرَأُ ابنُ مَسعودٍ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم القُرآنَ، فيُخبرُني أنِّي مُحسِنٌ، أي: أنَّ قِراءَتي حَسَنةٌ، فمَن قَرَأ على قِراءَتي، أي: على الكَيفيَّةِ والحَرفِ الذي يَقرَأُ به ابنُ مَسعودٍ فلا يَدعَنَّها، أي: فلا يَترُكْها رَغبةً عنها، أي: زُهدًا فيها، ومَن قَرَأ على شَيءٍ مِن هذه الحُروفِ فلا يَدَعَنَّه رَغبةً عنه، أي: وكذلك مَن قَرَأ القُرآنَ على أيِّ حَرفٍ مِن هذه الحُروفِ التي نَزَل بها القُرآنُ فلا يَترُكْها زُهدًا فيها؛ فكُلُّها حُروفٌ وأوجُهٌ نَزَل بها القُرآنُ، والاختِلافُ إنَّما هو في اللَّفظِ فقَط، أمَّا المَعنى فهو واحِدٌ مُتَقارِبٌ؛ ولذا جاءَ في رِوايةٍ أُخرى أنَّه قال: وإنَّما هو كَقَولِ أحَدِكُم: اعجَلْ، وجِئْ، وهَلُمَّ، فإنَّه مَن جَحَدَ بآيةٍ جَحَدَ به كُلِّه، أي: مَن أنكَرَ آيةً مِن آياتِ القُرآنِ فإنَّ ذلك يُعَدُّ إنكارًا للقُرآنِ كُلِّه؛ وذلك لأنَّ الذي أنزَل الآيةَ هو الذي أنزَل القُرآنَ كُلَّه، وقد أمَرَنا سُبحانَه بالإيمانِ بالقُرآنِ كُلِّه، وأخبَرَ أنَّ مَن آمَنَ بآيةٍ وكَفَر بأُخرى فقد كَذَّبَ بالقُرآنِ كُلِّه.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ تَوديعِ الأصحابِ قَبلَ السَّفرِ.
وفيه مَشروعيَّةُ الوصيَّةِ عِندَ السَّفرِ.
وفيه النَّهيُ عنِ التَّنازُعِ في القُرآنِ.
وفيه بَيانُ أنَّ شَرائِعَ الإسلامِ وحُدودَه لا اختِلافَ فيها.
وفيه نُزولُ القُرآنِ على أحرُفٍ مُختَلفةٍ.
وفيه بَيانُ أنَّ الاختِلافَ في حُروفِ القُرآنِ ليسَ اختِلافًا في مَعانيه وأحكامِه.
وفيه مَشروعيَّةُ عَرضِ القُرآنِ على الغَيرِ.
وفيه مَشروعيَّةُ قِراءةِ القُرآنِ على الحُروفِ التي نَزَل بها القُرآنُ.
وفيه فَضلُ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه وما اختَصَّ به مِن قِراءةِ سُوَرِ القُرآنِ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه بَيانُ كُفرِ مَن جَحَدَ بآيةٍ مِنَ القُرآنِ الكَريمِ .
تفسير الطبري (1/ 28 ط التربية والتراث) :
18- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني هشام بن سعد، عن علي بن أبي علي، عن زبيد، عن علقمة النخعي، قال: لما خرج عبد الله بن مسعود من الكوفة اجتمع إليه أصحابه فودعهم، ثم قال: لا تنازعوا في القرآن، فإنه لا يختلف ولا يتلاشى، ولا يتغير لكثرة الرد.
وإن شريعة الإسلام وحدوده وفرائضه فيه واحدة، ولو كان شيء من الحرفين ينهى عن شيء يأمر به الآخر، كان ذلك الاختلاف.
ولكنه جامع ذلك كله، لا تختلف فيه الحدود ولا الفرائض، ولا شيء من شرائع الإسلام.
ولقد رأيتنا نتنازع فيه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأمرنا فنقرأ عليه، فيخبرنا أن كلنا محسن.
ولو أعلم أحدا أعلم بما أنزل الله على رسوله منى لطلبته، حتى أزداد علمه إلى علمي.
ولقد قرأت من لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، وقد كنت علمت أنه يعرض عليه القرآن في كل رمضان، حتى كان عام قبض، فعرض عليه مرتين، فكان إذا فرغ أقرأ عليه فيخبرني أني محسن.
فمن قرأ على قراءتي فلا يدعنها رغبة عنها، ومن قرأ على شيء من هذه الحروف فلا يدعنه رغبة عنه، فإنه من جحد بآية جحد به كله.
[المعجم الكبير – للطبراني] (10/ 97) :
10076 - حدثنا أبو يزيد القراطيسي المصري، ثنا أسد بن موسى، ثنا محمد بن طلحة، عن زبيد اليامي، عن عبد الرحمن بن عابس النخعي، عن رجل وصف صفة يرى أنه عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله بن مسعود ، أنه أتاه ناس من أهل الكوفة، فقرأ عليهم السلام، وأمرهم بتقوى الله، وأن لا يختلفوا في القرآن، ولا يتنازعوا فيه؛ فإنه لا يختلف ولا يتساقط ولا ينفذ لكثرة الرد، ألا ترون أن شريعة الإسلام فيه واحدة، حدودها وقراءتها وأمر الله فيها، ولو كان من الحرفين يأمر بشيء ينهى عنه الآخر كان ذلك الاختلاف، ولكنه جامع ذلك كله، وإني لأرجو أن يكون قد أصبح فيكم من الفقه والعلم من خير ما في الناس، ولو أعلم أحدا يبلغنيه الإبل أعلم بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم مني لطلبته؛ حتى أزاد علمه إلى علمي، قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرض عليه القرآن كل عام مرة، فعرض عليه عام قبض مرتين، كنت إذا قرأت عليه القرآن أخبرني أني محسن، فمن قرأ على قراءتي فلا يدعها رغبة عنها؛ فإنه من جحد بحرف منه جحد به كله "
شعب الإيمان (3/ 534 ط الرشد) :
2074 - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، حدثنا أحمد بن عبيد، حدثنا هشام بن علي، حدثنا ابن رجاء، أخبرنا محمد بن طلحة، عن زبيد عن عبد الرحمن بن عابس، عن رجل، عن عبد الله بن مسعود ، أنه أتاه ناس من أهل الكوفة فقرأ عليهم السلام، وأمرهم بتقوى الله عز وجل، وأن لا يختلفوا في القرآن ولا يتنازعوا فيه، فإنه لا يختلف ولا ينسى، ولا ينفد لكثرة الرد أفلا ترون أن شريعة الإسلام فيه واحدة حدودها، وفرائضها وأمر الله فيها، ولو كان شيء من الحرفين يأمر بشيء ينهى عنه الحرف الآخر كان ذلك الاختلاف، ولكنه جامع لذلك كله، وإني لأرجو أن يكون قد أصبح فيكم اليوم من الفقه والعلم من خير ما في الناس، ولو أعلم أحدا تبلغه الإبل وهو أعلم بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لقصدته حتى أزداد علما إلى علمي، فقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان " يعرض عليه القرآن كل عام مرة، فعرض عام توفي فيه مرتين، فكنت إذا قرأت عليه أخبرني أني محسن، فمن قرأ على قراءتي فلا يدعها رغبة عنها، ومن قرأ على شيء من هذه الحروف فلا يدعه رغبة عنه فإن من جحد بحرف منه جحد به كله "
فضائل القرآن للمستغفري (1/ 266) :
252- أخبرنا جعفر بن محمد، حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن هشام بن سعد عن علي بن أبي علي عن زبيد عن علقمة قال: لما خرج عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من الكوفة اجتمع إليه أصحابه فودعهم فقال: لا تنازعوا في القرآن