أنَّ عائشةَ أخبرت آلَ الزُّبيرِ أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ صلَّى عندَها ركعتينِ بعدَ العصرِ فكانوا يصلُّونَهما قالَ قبيصةُ فقالَ زيدُ بنُ ثابتٍ يغفرُ اللَّهُ لعائشةَ نحنُ أعلمُ برسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ من عائشةَ إنَّما كانَ ذلكَ لأنَّ ناسًا منَ الأعرابِ أتَوا رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بهجيرٍ فقعدوا يسألونَهُ ويفتيهم حتَّى صلَّى الظُّهرَ ولم يصلِّ يعني بعدَها ثمَّ قعدَ يفتيهم حتَّى صلَّى العصرَ فانصرفَ إلى بيتِهِ فذكرَ أنَّهُ لم يصلِّ بعدَ الظُّهرِ شيئًا فصلَّاهما بعدَ العصرِ نحنُ أعلمُ برسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ من عائشةَ نهى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ عنِ الصَّلاةِ بعدَ العصرِ
صَلاةُ النَّوافِلِ مِنَ العِباداتِ والتَّطَوُّعاتِ التي جاءَ الشَّرعُ ببَيانِ فَضلِها، والحَثِّ عليها، إلَّا أنَّه قد جاءَ النَّهيُ عنِ التَّطَوُّعِ في أوقاتٍ مُعَيَّنةٍ، فلا يُشرَعُ التَّنَفُّلُ فيها، ومِن تلك الأوقاتِ المَنهيِّ عنها: بَعدَ صَلاةِ العَصرِ؛ فقد نَهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عنِ الصَّلاةِ بَعدَ العَصرِ، وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ قَبيصةُ بنُ ذُؤَيبٍ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ، أنَّ عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها أخبَرَت آلَ الزُّبَيرِ، أي: بَني الزُّبَيرِ، ومِنهم عَبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ، بأنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صَلَّى عِندَها رَكعَتَينِ بَعدَ العَصرِ، أي: دَخَل بَيتَها بَعدَ صَلاةِ العَصرِ فرَكَعَ رَكعَتَينِ، فكانوا يُصَلُّونَهما، أي: لمَّا سَمِعَ آلُ الزُّبَيرِ ذلك كانوا يواظِبونَ على الصَّلاةِ بَعدَ العَصرِ، وهو وقتُ نَهيٍ، ولا تُؤاخَذُ عائِشةُ على هذا فإنَّها أخبَرَت بما رَأت مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلمَّا رَأى زَيدُ بنُ ثابتٍ هذا الفِعلَ مِنهم قال: يَغفِرُ اللهُ لعائِشةَ، أي: حَيثُ حَدَّثَت بهذا الحَديثِ، ويُريدُ أنَّ هذا الإطلاقَ في الفتوى خَطَأٌ مِن عائِشةَ؛ لأنَّه يَدُلُّ على مَشروعيَّةِ الصَّلاةِ بَعدَ العَصرِ، وقد ورَدَ النَّهيُ عن ذلك.
ثُمَّ قال زَيدٌ: نَحنُ أعلمُ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن عائِشةَ، أي: بالأُمورِ الخارِجةِ عنِ المَنزِلِ؛ فقد يَفعَلُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فِعلًا أو يَقولُ قَولًا في الخارِجِ لم تَعلَمْ به عائِشةُ، ويَعلَمُه بَعضُ الصَّحابةِ، أي: عِندَنا عِلمٌ بسَبَبِ صَلاةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هاتَينِ الرَّكعَتَينِ لم تَعلَمْه عائِشةُ.
ثُمَّ بَيَّنَ السَّبَبَ فقال: إنَّما كان ذلك، أي: صَلاةُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للرَّكعَتَينِ بَعدَ العَصرِ؛ لأنَّ ناسًا مِنَ الأعرابِ -وهم سُكَّانُ الصَّحراءِ والباديةِ- أتَوا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بهَجيرٍ، أي: وقتِ الهاجِرةِ، وهو وقتُ اشتِدادِ حَرارةِ الشَّمسِ قَبلَ الظُّهرِ، فقَعَدوا يَسألونَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ورَسولُ اللهِ يُفتيهم حتَّى صَلَّى الظُّهرَ، أي: استَمَرَّ يُجيبُهم حتَّى صَلَّى صَلاةَ الظُّهرِ، ولم يُصَلِّ بَعدَها، أي: لم يُصَلِّ سُنَّةَ الظُّهرِ البَعديَّةَ، ثُمَّ قَعَدَ يُفتيهم حتَّى صَلَّى العَصرَ، أي: استَمَرَّ يُفتيهم بَعدَ صَلاةِ الظُّهرِ حتَّى جاءَ وقتُ العَصرِ وصَلَّى العَصرَ، وهو لم يُصَلِّ نافِلةَ الظُّهرِ، وانصَرَف إلى بَيتِه الذي فيه عائِشةُ، ثُمَّ ذَكَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه لم يُصَلِّ بَعدَ الظُّهرِ شَيئًا، فصَلَّاهما بَعدَ العَصرِ.
فظَنَّت عائِشةُ أنَّ الصَّلاةَ مَشروعةٌ بَعدَ العَصرِ ولم تَدرِ سَبَبَ ذلك، ونَحنُ أعلمُ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن عائِشةَ، نَهى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عنِ الصَّلاةِ بَعدَ العَصرِ، أي: فإنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد نَهى عنِ الصَّلاةِ بَعدَ العَصرِ، وليسَ كَما قالت عائِشةُ، وصَلاةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعدَ العَصرِ قيل: إنَّه مَخصوصٌ بذلك، وقيل: إنَّ الأصلَ فيه أنَّه صَلَّاها يَومًا قَضاءً لفائِتِ رَكعَتي الظُّهرِ، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا فعَل فِعلًا واظَبَ عليه ولم يَقطَعْه فيما بَعدُ، فإذا فاتَه قَضاه.
وجاءَ في رِوايةٍ أُخرى أنَّ عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها كانت تَعلَمُ سَبَبَ ذلك وأخبَرَت به عَبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيرِ، لكِنَّه أخطَأ في النَّقلِ ولم يَحفَظْ، ففَهِمَ أنَّ الرَّكعَتَينِ تُشرَعانِ وتُصَلَّيانِ مُطلقًا دونَ نَظَرٍ إلى السَّبَبِ الوارِدِ.
وفي الحَديثِ النَّهيُ عنِ الصَّلاةِ بَعدَ العَصرِ.
وفيه بَيانُ سَبَبِ صَلاةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الرَّكعَتَينِ بَعدَ العَصرِ.
وفيه خَفاءُ بَعضِ العِلمِ على بَعضِ الصَّحابةِ، وذلك بحَسَبِ قُربِهم ومَعرِفتِهم بأحوالِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .