عن ابنِ عُمَرَ: أنَّ عبدًا له سرَق وكان آبِقًا، فأرسَل به عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ إلى سعيدِ بنِ العاصِ لِيَقطَعَ يدَهُ، فأبى سعيدٌ أن يَقطَعَ يدَهُ، وقال: لا تُقطَعُ يدُ الآبِقِ إذا سرَق، فقال عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ: في أيِّ كتابِ اللهِ وجَدْتَ هذا؟ فأمَر به عبدُ اللهِ، فقُطِعتْ يدُهُ.
اشتَمَلَتِ الشَّريعةُ الإسلاميَّةُ على كُلِّ ما يَحتاجُه المُسلِمُ في أمرِ دينِه ودُنياه، فهذه الشَّريعةُ فيها أحكامُ العَقائِدِ، وأحكامُ العِباداتِ، وأحكامُ المُعامَلاتِ والجِناياتِ والعُقوباتِ، ومِنَ الأحكامِ المُتَعَلِّقةِ بالعُقوباتِ: قَطعُ يَدِ السَّارِقِ؛ فقد جاءَتِ النُّصوصُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ على أنَّ السَّارِقَ إذا سَرَقَ وثَبَتَ ذلك عليه وَفقَ شُروطٍ مَعروفةٍ فحَدُّه أن تُقطَعَ يَدُه، قال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمْا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38] ، وهذه الآيةُ عامَّةٌ تَعُمُّ كُلَّ سارِقٍ سَواءٌ كان حُرًّا أو عَبدًا؛ ففي هذا الحَديثِ أنَّ عَبدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما كان له عَبدٌ آبِقٌ، أي: هارِبٌ فرَّ مِنه، وكان هذا العَبدُ قد سَرَقَ، فأرسَل ابنُ عُمَرَ بهذا العَبدِ إلى سَعيدِ بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنه، وله صُحبةٌ، وكان أميرَ المَدينةِ ولَّاه مُعاويةُ رَضِيَ اللهُ عنه، يُريدُه أن يَقطَعَ يَدَ هذا العَبدِ الآبِقِ، فأبى، أي: امتَنَعَ سَعيدٌ أن يَقطَعَ يَدَ العَبدِ، وقال: لا تُقطَعُ يَدُ الآبِقِ إذا سَرَقَ، فقال له عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ مُنكِرًا عليه: في أيِّ آيةٍ مِن كِتابِ اللهِ وَجَدتَ هذا؟ أي: أينَ الدَّليلُ مِن كِتابِ اللهِ على أنَّ العَبدَ الآبِقَ لا تُقطَعُ يَدُه، وقد أمَرَ اللَّهُ بقَطعِ يَدِ السَّارِقِ ولم يُخَصِّصْ سارِقًا دونَ سارِقٍ؟ ثُمَّ أمَرَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ بهذا العَبدِ فقُطِعَت يَدُه؛ وذلك لقوَّةِ دَليلِه على القَطعِ، وإنَّما لم يَقطَعِ ابنُ عُمَرَ يَدَ العَبدِ ابتِداءً؛ لأنَّ السَّيِّدَ لا يَقطَعُ يَدَ عَبدِه في السَّرِقةِ، وقَطعُ السَّارِقِ إلى السُّلطانِ، فلمَّا لم يَرَ ابنُ عُمَرَ الحَدَّ يُقامُ مِن قِبَلِ السُّلطانِ ورَآه حدًّا مُعَطَّلًا قامَ للهِ عَزَّ وجَلَّ وأقامَ الحَدَّ.
وفي الحَديثِ أنَّ العَبدَ إذا سَرَقَ تُقطَعُ يَدُه.
وفيه أنَّ إقامةَ حَدِّ السَّرِقةِ خاصٌّ بالإمامِ أو مَن يَليه في ذلك.
وفيه أنَّ السَّيِّدَ لا يُقيمُ حَدَّ السَّرِقةِ على عَبدِه.
وفيه مَشروعيَّةُ الإنكارِ على الإمامِ إذا خالَف الحُكمَ الشَّرعيَّ .