عن أبي قلابةَ قالَ خرجتُ معتمِرًا فوقعتُ عن راحلتي فانْكسرْتُ فأرسلتُ إلى ابن عبَّاس وابن عمرَ فقالا ليسَ لَها وقتٌ كالحجِّ يَكونُ على إحرامِهِ حتَّى يصلَ إلى البيتِ
الحَجُّ رُكنٌ من أركانِ الإسلامِ له أركانٌ وواجِباتٌ وسُنَنٌ، وله كذلك مَحظوراتٌ يَنبَغي على المُحرِمِ أن يَجتَنِبَها أثناءَ الإحرامِ، وقد بَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صِفةَ الحَجِّ بقَولِه وفِعلِه، وقال: خُذوا عنِّي مَناسِكَكُم، ومِمَّا يَتَعَلَّقُ بأحكامِ الحَجِّ والعُمرةِ الإحصارُ، بأن يُمنَعَ المُحرِمُ مِنَ الوُصولِ إلى البَيتِ الحَرامِ، فإذا كان حاجًّا ومُنِع وصُدَّ عنِ الوُصولِ إلى البَيتِ الحَرامِ، فله أن يَتَحَلَّلَ في مَكانِه الذي صُدَّ فيه، فيَذبَحَ هَديَه ويَحلِقَ رَأسَه أو يُقصِّرَه، ويَكونُ بذلك قد أتَمَّ نُسُكَه، كما قال تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البَقَرة: 196] ، ولكِنْ هذا التَّحَلُّلُ بالإحصارِ هَل هو خاصٌّ بالحاجِّ فقَط أم حتَّى المُعتَمِرُ له أن يَتَحَلَّلَ إذا أُحصِر، اختَلف الصَّحابةُ ومَن بَعدَهم في ذلك؛ فذَهَبَ بَعضُهم إلى أنَّه خاصٌّ بالحاجِّ بخِلافِ المُعتَمِرِ فلا يَتَحَلَّلُ بذلك، بَل يَستَمِرُّ على إحرامِه حتَّى يَطوفَ بالبَيتِ؛ لأنَّ السَّنةَ كُلَّها وقتٌ للعُمرةِ، فلا يُخشى فواتُها بخِلافِ الحَجِّ، فإنَّ وَقتَه مُحَدَّدٌ بزَمَنٍ مُعَيَّنٍ؛ ففي هذا الحَديثِ يُخبرُ أبو قِلابةَ أحَدُ التَّابِعينَ أنَّه خَرَجَ مُعتَمِرًا فوقَعَ عن راحِلتِه، أي: ناقَتِه التي هو عليها، فانكَسَرَ، أي: أُصيبَ قَدَمُه أو ساقُه ولم يَستَطِعْ مواصَلةَ السَّيرِ، فأرسَل إلى ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عُمَرَ يَسألُهما عن ذلك: هَل له أن يَتَحَلَّلَ مِنَ العُمرةِ في مَكانِه أم لا؟ فقالا له: ليسَ لها، أي: العُمرةِ، وقتٌ كالحَجِّ، أي: أنَّ وقتَ العُمرةِ واسِعٌ، وليسَت مُقَيَّدةً بزَمَنٍ مِثلَ الحَجِّ؛ فلذلك عليه أن يَبقى على إحرامِه حتَّى يَصِلَ إلى البَيتِ، أي: يَظَلُّ مُحرِمًا بالعُمرةِ إلى أن يَستَطيعَ الوُصولَ إلى البَيتِ الحَرامِ وعَمَلَ عُمرَتِه.
والمَسألةُ فيها خِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ أنَّ التَّحَلُّلَ بالإحصارِ خاصٌّ بالحَجِّ فقَط .