عن ابنِ عُمَرَ: مَن نذَر بدَنةً، فإنَّه يُقلِّدُها نعلَيْنِ، ويُشعِرُها، ثم يسُوقُها حتى يَنحَرَها عند البيتِ العتيقِ، أو بمنًى يومَ النَّحْرِ، ليس لها مَحِلٌّ دون ذلك، ومَن نذَر جَزُورًا مِن الإبلِ والبقَرِ، فَلْيَنحَرْها حيث شاء.
أخرجه مالك (1473)، والبيهقي (10260) واللفظ لهما.
مِنَ السُّنَنِ الشَّرعيَّةِ فيما يَتَعَلَّقُ بالكَعبةِ أنَّه يُشرَعُ للمَرءِ أن يَبعَثَ بالهَديِ لها، والهَديُ هو عِبارةٌ عَمَّا يُرسِلُه الشَّخصُ مِن بَهيمةِ الأنعامِ حتَّى يُذبَحَ في مَكَّةَ ويوزَّعَ على الفُقَراءِ والمَساكينِ؛ فقد كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُرسِلُ بالهَديِ إلى مَكَّةَ ويَظَلُّ في مَكانِه في المَدينةِ، وللهَديِ أحكامٌ تَتَعَلَّقُ به، وفي هذا الحَديثِ يَقولُ ابنُ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما: مَن نَذَرَ بَدَنةً، أي: نَذَرَ أن يُهديَ ناقةً للكَعبةِ، فإنَّه يُقَلِّدُها نَعلَينِ، والتَّقليدُ: هو أن يَجعَلَ على الهَديِ قِلادةً في عُنُقِه مِن نِعالٍ أو جُلودٍ أو خُيوطٍ ونَحوِها، يُعرَفُ بأنَّه هَديٌ، ويُشعِرُها، والإشعارُ: هو أن يَجرَحَها في صَفحةِ سَنامِها اليُمنى بحَربةٍ أو سِكِّينٍ أو حَديدةٍ أو نَحوِها، ثُمَّ يَمسَحَ الدَّمَ عنها، وأصلُ الإشعارِ: هو العَلامةُ، وإشعارُ الهَديِ لكَونِه عَلامةً له ليُعلَمَ أنَّه هَديٌ، فإن ضَلَّ رَدَّه واجِدُه، ثُمَّ يَسوقُها، أي: يَذهَبُ بها حتَّى يَنحَرَها عِندَ البَيتِ العَتيقِ، أي: حتَّى يَصِلَ إلى مَكَّةَ فيَنحَرَها هناكَ، أو بمِنًى يَومَ النَّحرِ، ليسَ لها مَحِلٌّ دونَ ذلك، أي: لا يُجزِئُ أن يُنحَرَ الهَديُ في غَيرِ مَحِلِّه الذي شُرِعَ نَحرُه فيه؛ لأنَّه لمَّا عَبَّرَ ببَدَنةٍ عُلِم أنَّها هَديٌ، ومَن نَذَر جَزورًا مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ فليَنحَرْها حَيثُ شاءَ، أي: في أيِّ مَكانٍ؛ لأنَّه أرادَ إطعامَ لحمِه مَساكينَ مَوضِعِه، أو ما نَوى مِنَ المَواضِعِ، والمَعنى: أنَّ ابنَ عُمَرَ فرَّق بَينَ لفظِ البَدَنةِ ولَفظِ الجَزورِ، فرَأى أنَّ لفظَ البَدَنةِ لا يَنطَلِقُ إلَّا على الهَديِ، والهَديُ يُهدى إلى مَكَّةَ يُرادُ به مَساكينُ أهلِ مَكَّةَ، وسُنَّةُ الهَديِ أن يُقَلَّدَ ويُشعَرَ ويُنحَرَ في مَكَّةَ، وفي عُرفِ الاستِعمالِ أنَّ البَدَنةَ مِنَ الإبِلِ ما أُهدِيَ؛ ولذلك قال: إنَّ مَن نَذَرَ بدَنةً فحُكمُه أن يُقَلِّدَها، ومَن نَذَرَ جَزورًا فليَنحَرْه حَيثُ شاءَ، ففرَّقَ بَينَهما في اللَّفظِ لمَّا افتَرَقا في المَعنى، وصارَ عِندَه اسمُ البَدَنةِ مُختَصًّا بالهَديِ، واسمُ الجَزورِ مُختَصًّا بما ليسَ بهَديٍ، ولا يَنطَلِقُ مِن جِهةِ عُرفِ الشَّرعِ على الهَديِ، فمَن نَذَرَه على هذا الوَجهِ فهو عَمَلٌ يُتَقَرَّبُ به إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ على وَجهِ الصَّدَقةِ، فيُذبَحُ في أيِّ مَكانٍ، بخِلافِ البَدَنةِ فلا تَكونُ إلَّا في مَكَّةَ أو مِنًى.
وفي الحَديثِ تَفريقُ ابنِ عُمَرَ بَينَ البَدَنةِ والجَزورِ في مَوضِعِ نَحرِه .
موطأ مالك - رواية يحيى (3/ 579 ت الأعظمي) :
1473 - مالك ، عن نافع ؛ أن عبد الله بن عمر قال: من نذر بدنة، فإنه يقلدها نعلين، ويشعرها.
ثم ينحرها عند البيت، أو بمنى يوم النحر.
ليس لها محل دون ذلك.
ومن نذر جزورا من الإبل، أو البقر، فلينحرها حيث شاء .
السنن الكبير للبيهقي (10/ 451 ت التركي) :
10260 - أخبرنا أبو أحمد المهرجاني، أخبرنا أبو بكر بن جعفر، حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا ابن بكير، حدثنا مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: من نذر بدنة فإنه يقلدها نعلين ويشعرها، ثم يسوقها حتى ينحرها عند البيت العتيق أو بمنى يوم النحر، ليس لها محل دون ذلك، ومن نذر جزورا من الإبل أو البقر فلينحرها حيث شاء.