خرَجتُ مع عبدِ اللهِ –يعني: ابنَ مَسْعودٍ- مِن دارِهِ إلى المسجِدِ، فلمَّا توسَّطْنا المسجِدَ ركَعَ الإمامُ كبَّرَ عبدُ اللهِ وركعَ، ورَكعتُ معه، ثمَّ مشَيْنا راكِعينَ حتى انتهَيْنا إلى الصفِّ حين رفَعَ القومُ رُؤوسَهم، فلمَّا قضى الإمامُ الصلاةَ، قمتُ وأنا أرى أنِّي لم أُدرِكْ، فأخَذَ عبدُ اللهِ بيَدي وأجلَسَني.
ثمَّ قال: إنَّكَ قد أدرَكتَ.
صَلاةُ الجَماعةِ لها فَضلٌ كَبيرٌ، ولها أحكامٌ كَثيرةٌ، مِنها ما يَتَعَلَّقُ بالحُضورِ والإتيانِ للصَّلاةِ، ومِنها ما يَتَعَلَّقُ بإدراكِ المَأمومِ للصَّلاةِ قَبلَ وُصولِه إلى الصَّفِّ، فمَن جاءَ إلى المَسجِدِ ووجَدَ الإمامَ راكِعًا فرَكَعَ قَبل أن يَصِلَ إلى الصَّفِّ فهَل تُحسَبُ له هذه الرَّكعةُ أم أنَّه لا يَركَعُ حتَّى يَصِلَ إلى الصَّفِّ؟ ففي هذا الحَديثِ يُخبرُ زَيدُ بنُ وَهبٍ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ، أنَّه كان مَعَ عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه في دارِه، ثُمَّ إنَّهم خَرَجوا إلى المَسجِدِ، فلمَّا كانوا وسَطَ المَسجِدِ ركَعَ الإمامُ، فكَبَّرَ عَبدُ اللَّهِ بنُ مَسعودٍ ورَكَعَ قَبلَ أن يَصِلَ إلى الصَّفِّ، ورَكَعَ مَعَه زَيدُ بنُ وَهبٍ، ثُمَّ مَشَوا وهم راكِعونَ حتَّى وصَلوا إلى الصَّفِّ حينَ رَفعَ القَومُ رُؤوسَهم، أي: أنَّهم ما وصَلوا إلى الصَّفِّ إلَّا وقد رَقَعَ القَومُ رُؤوسَهم مِنَ الرُّكوعِ، فلمَّا قَضى الإمامُ الصَّلاةَ، أي: انتَهى مِنَ الصَّلاةِ قامَ زَيدُ بنُ وَهبٍ يَقضي الرَّكعةَ التي فاتَته وهو يَظُنُّ أنَّه لم يُدرِكْ تلك الرَّكعةَ التي رَكَعوها قَبلَ وُصولِهم إلى الصَّفِّ، فلمَّا قامَ أخَذ عَبدُ اللَّهِ بنُ مَسعودٍ بيَدِه وأجلَسَه، أي: مَنَعَه مِنَ الإتيانِ مِنَ الرَّكعةِ، وقال له: إنَّك قد أدرَكتَ، أي: إنَّك قد أدرَكتَ الرَّكعةَ برُكوعِك قَبلَ الوُصولِ إلى الصَّفِّ، فلا داعيَ للإتيانِ برَكعةٍ أُخرى، والمَسألةُ فيها خِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ رُكوعِ المَأمومِ قَبلَ الوُصولِ إلى الصَّفِّ.
وفيه مَشروعيَّةُ صَلاةِ المُنفرِدِ خَلفَ الصَّفِّ عِندَ الحاجةِ.
وفيه أنَّ الرَّكعةَ تُدرَكُ بالرُّكوعِ.
وفيه أنَّ الرَّكعةَ التي يَركَعُها الرَّجُلُ دونَ الصَّفِّ ثُمَّ يَدخُلُ في الصَّفِّ مُعتَدٌّ بها.
وفيه بَيانُ رَأيِ ابنِ مَسعودٍ في اعتِدادِه بالرَّكعةِ التي رَكَعَها قَبلَ الوُصولِ إلى الصَّفِّ .