أنَّ عثمانَ أشرف عليهم وقال : أفيكم ابنا مَحدوجٍ ؟ أنشدُكما اللهَ ألستُما تعلمانِ أنَّ عمرَ قال : إنَّ ربيعةَ فاجرٌ أو غادرٌ ، وإني واللهِ لا أجعلُ فرائضَهم وفرائضَ قوم جاءوا من مسيرةِ شهرٍ ، وإنما مهرُ أحدِهم عند طَنَبِه ، وإني زدتُهم في غزاةٍ واحدةٍ خمسمائةٍ حتى ألحقتُهم بهم ؟ قالوا : بلى ، قال : أُذكِّرُكما اللهَ ألستُما تعلمانِ أنكما أتيتماني فقلتُما : إنَّ كندةَ آكلةُ رأسٍ ، وإنَّ ربيعةَ هي الرأسُ ، وإنَّ الأشعث بنَ قَيسٍ قد أكلَهم فنزعتُه واستعملتُكما ؟ قالا : بلى .
قال : اللهمَّ إنهم كفروا معروفي وبدَّلوا نعمتي فلا تُرْضِهم عن إمامِهم ولا تُرضِ إمامًا عنهم
الصَّحابةُ خَيرُ القُرونِ؛ فهمُ الذينَ ناصَروا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ووقَفوا مَعَه، وكانوا يُقدِّمونَ أنفُسَهم دونَ نَفسِه؛ ولهذا أثنى اللهُ تَعالى عليهم، وأثنى عليهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومِن خيرةِ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عُثمانُ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه، وهو ثالثُ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ، وقد تَآمَرَ عليه أهلُ الشَّرِّ وقَتَلوه، وفي هذا الحَديثِ أنَّ عُثمانَ بنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه أشرَف عليهم، أي: اطَّلعَ على الذينَ حاصَروه في دارِه وأرادوا قَتلَه وقال لهم: أفيكم ابنا مَحدوجٍ؟ ثُمَّ قال لابنَي مَحدوجٍ: أنشُدُكُما اللَّهَ، أي: أسألُكُما باللهِ، ألستُما تَعلَمانِ أنَّ عُمَرَ، أي: عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، قال: إنَّ رَبيعةَ، أي: قَبيلةَ رَبيعةَ، فاجِرٌ أو غادِرٌ، أي: هم أهلُ غَدرٍ وفُجورٍ، وإنِّي واللَّهِ لا أجعَلُ فرائِضَهم وفرائِضَ قَومٍ جاؤوا مِن مَسيرةِ شَهرٍ، أي: لا أُسَوِّي بَينَهم وبَينَ مَن جاءَ مِن مَسافةٍ بَعيدةٍ، وإنَّما مهرُ أحَدِهم عِندَ طُنْبِه، الطُّنبُ: أحَدُ أعمِدةِ الخَيمةِ، أي: مهرُ الواحِدِ إلى ما امتَدَّت عليه أطنابُ بُيوتِهم، وإنِّي، أي: عُثمانَ، زِدتُهم في غَزاةٍ واحِدةٍ خَمسَمئةٍ حتَّى ألحَقتُهم بهم؟ أي: أنَّ عُثمانَ زاد أصحابَ رَبيعةَ في إحدى الغَزَواتِ خمسَمئةٍ مِنَ المالِ حتَّى لحِقوا بمَن سَبَقَهم مِنَ الذين جاؤوا مِن مَسيرةِ شَهرٍ، فقال ابنا مَحدوجٍ: بَلى، أي: أقَرَّا له بذلك.
ثُمَّ قال لهم عُثمانُ: أُذَكِّرُكُما اللَّهَ ألستُما تَعلمانِ أنَّكُما أتَيتُماني فقُلتُما: إنَّ كِندةَ، أي: قَبيلةَ كِندةَ مِن قَبائِلِ العَرَبِ، أَكَلَةُ رَأسٍ، وإنَّ رَبيعةَ هيَ الرَّأسُ، وإنَّ الأشعَثَ بنَ قَيسٍ وهو مِن كِندةَ قد أكَلَهم، أي: شَقَّ عليهم، فنَزَعتُه واستَعمَلتُكُما؟ أي: عَزَلتُ الأشعَثَ مِن وِلايَتِه وولَّيتُكُما مَكانَه.
فقالا له: بَلى، أي: أقَرَّا له بذلك.
فقال عُثمانُ: اللهُمَّ إنَّهم كَفروا مَعروفي، أي: إحساني إليهم، وبَدَّلوا نِعمَتي، أي: ما أنعَمتُ عليهم مِنَ الوِلايةِ، فلا تُرضِهم عن إمامِهم ولا تُرضِ إمامًا عنهم، أي: فأسألُك يا اللهُ ألَّا تَجعَلَ أيَّ إمامٍ يَلي أمرَ المُسلمينَ يَرضى عنهم، ولا تَجعَلْهم راضينَ عن إمامِهم، بحَيثُ يَكونُ بَينَهم عداوةٌ، ويَكونونَ في شِدَّةٍ وضيقٍ؛ وذلك لأنَّهم لا يُقدِّرونَ المَعروفَ والنِّعمةَ.
وفي الحَديثِ إقرارُ قَتَلةِ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه بفَضلِه وإحسانِه إليهم.
وفيه دُعاءُ عُثمانَ على قاتِليه .