لمَّا [حُضِر] [الحسن] بنُ عليٍّ رضِيَ اللهُ عنهما قال أخرجوني إلى الصَّحراءِ لعلِّي أتفكَّرُ أنظُرُ في ملكوتِ السَّماواتِ يعني الآياتِ فلمَّا أُخْرِجَ به قال اللَّهمَّ إنِّي أحتسِبُ نفسي عندَك فإنَّها أعزُّ الأنفُسِ عليَّ وكان ممَّا صنَع اللهُ له أنَّه احتسَب نفسَه
أخرجه الطبراني (2692 ) (3/ 70)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (2/ 38)، وابن عساكر (13/ 285) واللفظ لهم جميعا.
جيلُ الصَّحابةِ خَيرُ القُرونِ، وهم أيضًا خَيرُ هذه الأمَّةِ؛ وذلك لِما قاموا به من نُصرةِ هذا الدِّينِ والصَّبرِ على الأذى في سَبيلِه، وكانوا سَبَّاقينَ في كُلِّ خَيرٍ، ومن خيارِ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الحَسَنُ بنُ عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنهما ابنُ فاطِمةَ بنتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُحِبُّه حُبًّا شَديدًا، وقال فيه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ ابني هذا سَيِّدٌ، وسَيُصلِحُ اللهُ به بَينَ فِئَتَينِ مِنَ المُسلمينَ، وقد وقَعَ ذلك عِندَما تَنازَل الحَسَنُ بالخِلافةِ لمُعاويةَ، واجتَمَعَ أمرُ المُسلمينَ، وفي هذا الحَديثِ أنَّ الحَسَنَ رَضِيَ اللهُ عنه لمَّا حُضِرَ، أي: حَضَرَ أجلُه وقَرُب، قال لمَن حَولَه مِن أهلِه: أخرِجوني إلى الصَّحراءِ لعَلِّي أتَفكَّرُ أنظُرُ في مَلكوتِ السَّمواتِ، يَعني الآياتِ، أي: أُريدَ مِنكُم أن تَأخُذوني إلى الصَّحراءِ حتَّى أتَأمَّلَ في عَظمةِ خَلقِ اللهِ وآياتِه العَظيمةِ الباهرةِ في هذا الكَونِ الفسيحِ، وفي رِوايةٍ: أخرِجوني إلى الصَّحنِ، ولعَلَّه يَقصِدُ صَحنَ الدَّارِ، وأنَّهم أخرَجوه فجَعَل يَنظُرُ في السَّماءِ، فلمَّا أُخرِج به، أي: أخرَجوه إلى حَيثُ طَلبَ، قال: اللهُمَّ إنِّي أحتَسِبُ نَفسي عِندَك فإنَّها أعَزُّ الأنفُسِ عليَّ، أي: جَعَل يُعَزِّي نَفسَه ويُصَبِّرُها بهذه الكَلِماتِ وأنَّه يَطلُبُ أجرَ وثَوابَ نَفسِه مِنَ اللهِ، وكان مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ له أنَّه احتَسَبَ نَفسَه، أي: أنَّ اللَّهَ تعالى قَبَض رُوحَه.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ الخُروجِ إلى الصَّحراءِ للتَّفكُّرِ في مَلَكوتِ السَّمَواتِ والأرضِ.
وفيه مَشروعيَّةُ تَعزيةِ النَّفسِ عِندَ الاحتِضارِ بالصَّبرِ.
وفيه مَشروعيَّةُ الوصيَّةِ عِندَ حُضورِ المَوتِ.
وفيه احتِسابُ الحَسَنِ رَضِيَ اللهُ عنه نَفسَه للهِ .