عن خَيثَمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي سَبْرَةَ الجُعْفِيِّ قال : قدِمتُ المدينةَ ، فجعلتُ أطبِّقُ كما يطبِّقُ أصحابُ عبدِ اللهِ وأركعُ ، قال : فقال رجلٌ : يا عبدَ اللهِ ما يحملُكَ على هذا ؟ قلتُ : كان عبدُ اللهِ يفعلهُ ، وذكر أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم كان يفعلهُ ، قال : صدقَ عبدُ اللهِ ، ولكنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم ربما صنع الأمرَ ، ثمَّ أحدثَ اللهُ له الأمرَ الآخرَ ، فانظرْ ما اجتمع عليه المسلمونَ ، فاصنعْهُ ، قال : فلمَّا قدِم ، كان لا يُطبِّقُ
أخرجه البيهقي (2583)، واللفظ له، وأبو داود (747)، والنسائي (1031)، بنحوه، وأصله في مسلم (534)
الصَّلاةُ فريضةٌ عَظيمةٌ ورُكنٌ من أركانِ الدِّينِ، بَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صِفتَها وأحكامَها، وعَلَّمها للصَّحابةِ وقال: صَلُّوا كما رَأيتُموني أُصَلِّي، ومِمَّا بَيَّنَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن صِفةِ الصَّلاةِ كَيفيَّةُ الرُّكوعِ؛ فقد كان في بدايةِ الأمرِ يَأمُرُ الصَّحابةَ بالتَّطبيقِ في الرُّكوعِ، ومَعناه: أن يُلصِقَ المُصَلِّي بَينَ باطِنَي الكَفَّينِ ويَجعَلَهما بَينَ الفَخِذَينِ إذا رَكَعَ، ثُمَّ نُسِخَ هذا الحُكمُ بأن يَقبضَ المُصَلِّي بيَدَيه على رُكبَتَيه إذا رَكَعَ، فكَأنَّ بَعضَ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم لم يَبلُغْه هذا النَّسخُ فاستَمَرَّ على التَّطبيقِ في الرُّكوعِ، ومِنهم عَبدُ اللَّهِ بنُ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه، وعَرَف ذلك أهلُ المَدينةِ بالنَّسخِ فرَووه وعَمِلوا به.
وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ خَيثَمةُ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أبي سَبرةَ الجعفيُّ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ، أنَّه قَدِمَ المَدينةَ، أي: المَدينةَ النَّبَويَّةَ، وكَأنَّه جاءَ مِنَ الكوفةِ البَلَدِ الذي فيها ابنُ مَسعودٍ، وأنَّه جَعَل يُطَبِّقُ في صَلاتِه إذا رَكَعَ، كَما يُطَبِّقُ أصحابُ عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعودٍ؛ وذلك لأنَّ ابنَ مَسعودٍ عَلَّم أصحابَه الذينَ في الكوفةِ التَّطبيقَ في الرُّكوعِ، فرَأى رَجُلٌ خَيثَمةَ وهو يُطَبِّقُ، فقال له: يا عَبدَ اللهِ ما يَحمِلُك على هذا؟ أي: لماذا تَصنَعُ التَّطبيقَ في صَلاتِك إذا رَكَعتَ، ولعَلَّه استَغرَبَ مِنه هذا الفِعلَ الذي قد نُسِخَ حُكمُه.
فقال خيثمةُ: كان عَبدُ اللَّهِ يَفعَلُه، وذَكَرَ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَفعَلُه، أي: أنَّ عَبدَ اللَّهِ بنَ مَسعودٍ عِندَنا في الكوفةِ، وكان إذا صَلَّى فَعَل ذلك وعَلَّمنا هذا الفِعلَ وأخبَرَنا أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَفعَلُه؛ فنَحنُ نَقتَدي بفِعلِه، فقال له الرَّجُلُ: صَدَقَ عَبدُ اللهِ، أي: أنَّ ابنَ مَسعودٍ صادِقٌ في قَولِه: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَفعَلُه، ولكِنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رُبَّما صَنَعَ الأمرَ، ثُمَّ أحدَثَ اللَّهُ له الأمرَ الآخَرَ، أي: أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد يَصنَعُ أمرًا مِنَ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ فترةً مِنَ الزَّمَنِ أوِ الوقتِ، ثُمَّ يَنسَخُ اللهُ ذلك الأمرَ إلى غَيرِه، فيَمتَثِلُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الأمرَ الأخيرَ ويَترُكُ الأمرَ الأوَّلَ، وهو ما يُعرفُ عِندَ الأُصوليِّينَ بالنَّسخِ، فانظُرْ ما اجتَمَعَ عليه المُسلمونَ فاصنَعه، أي: انظُرِ الأمرَ الذي اتَّفقَ المُسلمونَ واستَقَرُّوا عليه فافعَلْه واترُكْ ما عَدا ذلك، فكان خيثمةُ بَعدَ ذلك إذا قَدِمَ المَدينةَ لا يُطَبِّقُ إذا صَلَّى.
وفي الحَديثِ بَيانُ أنَّ التَّطبيقَ في الصَّلاةِ كان مَشروعًا في أوَّلِ الأمرِ.
وفيه بَيانُ نَسخِ التَّطبيقِ في الصَّلاةِ.
وفيه ثُبوتُ النَّسخِ في الشَّريعةِ.
وفيه أنَّ اتِّفاقَ المُسلِمينَ حُجَّةٌ .
السنن الكبير للبيهقي (3/ 505 ت التركي) :
2583 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر ابن إسحاق الفقيه، أخبرنا محمد بن أيوب، أخبرنا أبو الوليد، حدثنا أبو عوانة، عن حصين، عن عمرو بن مرة، عن خيثمة بن عبد الرحمن بن أبى سبرة الجعفى قال: قدمت المدينة فجعلت أطبق كما يطبق أصحاب عبد الله وأركع، قال: فقال رجل: يا عبد الله، ما يحملك على هذا؟ قلت: كان عبد الله يفعله، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله.
قال: صدق عبد الله، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما صنع الأمر، ثم أحدث الله له الأمر الآخر، فانظر ما اجتمع عليه المسلمون فاصنعه.
قال: فلما قدم كان لا يطبق.
سنن أبي داود (1/ 199 ت محيي الدين عبد الحميد) :
747 - حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، قال: قال عبد الله : علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة فكبر ورفع يديه فلما ركع طبق يديه بين ركبتيه قال: فبلغ ذلك سعدا، فقال: صدق أخي، قد كنا نفعل هذا ثم أمرنا بهذا يعني الإمساك على الركبتين
[سنن النسائي] (2/ 319) :
1031 - أخبرنا نوح بن حبيب قال: أخبرنا ابن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة
عن عبد الله قال: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة، فقام فكبر، فلما أراد أن يركع طبق يديه بين ركبتيه وركع، فبلغ ذلك سعدا، فقال: صدق أخي، قد كنا نفعل هذا، ثم أمرنا بهذا، يعني الإمساك بالركب
صحيح مسلم (1/ 379 ت عبد الباقي) :
28 - (534) حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي.
أخبرنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود؛ أنهما دخلا على عبد الله .
فقال: أصلى من خلفكم؟ قالا: نعم.
فقام بينهما.
وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله.
ثم ركعنا.
فوضعنا أيدينا على ركبنا.
فضرب أيدينا.
ثم طبق بين يديه.
ثم جعلهما بين فخذيه.
فلما صلى قال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.