عَن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، أنَّ رجلًا أقرَّ عندَهُ بسَرقةٍ مرَّتينِ فقالَ: قَد شَهِدتَ على نَفسِكَ شَهادتينِ قالَ: فأمرَ بِهِ فقُطِعَ وعلَّقَها في عُنقِهِ
أخرجه الطحاوي في ((معاني الآثار)) (4980) واللفظ له، وعبد الرزاق (18783)، والبيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (17223) بنحوه.
مِن كُلِّيَّاتِ ومَقاصِدِ هذا الدِّينِ العَظيمِ حِفظُ الأموالِ، وذلك بصيانَتِها مِنَ العَبَثِ بها وصَرفِها في غَيرِ مَحَلِّها، ومِن أجلِ صيانَتِها حَرَّمَ اللهُ تعالى السَّرِقةَ؛ لِما فيها مِنَ الإخلالِ بهذا المَقصَدِ العَظيمِ، وجَعَلها كَبيرةً مِن كَبائِرِ الذُّنوبِ، وأوجَبَ فيها حَدَّ قَطعِ اليَدِ، فقال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38] ، والأحكامُ الشَّرعيَّةُ لا تَثبُتُ إلَّا بأحَدِ أمرَينِ: شَهادةِ الشُّهودِ على الشَّخصِ بأنَّه ارتَكَبَ ذلك الفِعلَ، أو إقرارِه على نَفسِه، ويَختَلفُ عَدَدُ مَرَّاتِ الإقرارِ مِن فِعلٍ إلى فِعلٍ؛ ففي السَّرِقةِ يُكتَفى بالإقرارِ مَرَّتَينِ، فمَتى أقَرَّ الشَّخصُ على نَفسِه مَرَّتَينِ أنَّه سَرَقَ فقد ثَبَتَ الحُكمُ في حَقِّه واستَحَقَّ الحَدَّ، فإقرارُه مَرَّتَينِ بمَنزِلةِ شَهادةِ شاهِدَينِ؛ ففي هذا الحَديثِ أنَّ رَجُلًا أقَرَّ على نَفسِه عِندَ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنه بالسَّرِقةِ مَرَّتَينِ، أي: اعتَرَف بأنَّه سَرَقَ وأكَّدَ هذا الاعتِرافَ مَرَّتَينِ، فقال له عليٌّ: قد شَهِدتَ على نَفسِك شَهادَتَينِ، أي: كَما أنَّ حُكمَ السَّرِقةِ لا يَثبُتُ إلَّا بشاهِدَينِ، فكذلك الإقرارُ بها لا يُقبَلُ ولا يُحكَمُ به إلَّا إذا كان مَرَّتَينِ، ثُمَّ أمَرَ به فقُطِعَ، أي: قُطِعَت يَدُ السَّارِقِ، وعَلَّقَ يَدَه في عُنُقِه؛ لأنَّ في تَعليقِها في عُنُقِه مِنَ الزَّجرِ ما لا مَزيدَ عليه؛ فإنَّ السَّارِقَ يَنظُرُ إليها مَقطوعةً مُعَلَّقةً فيَتَذَكَّرُ السَّبَبَ لذلك وما جَرَّ إليه ذلك الأمرُ مِنَ الخَسارِ بمُفارَقةِ ذلك العُضوِ النَّفيسِ، وكذلك الغَيرُ يَحصُلُ له بمُشاهَدةِ اليَدِ على تلك الصُّورةِ مِنَ الانزِجارِ ما تَنقَطِعُ به وساوِسُه الرَّديئةُ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ الحَدِّ في السَّرِقةِ بالإقرارِ.
وفيه مَشروعيَّةُ أخذِ السَّارِقِ باعتِرافِه.
وفيه الاكتِفاءُ في الإقرارِ في السَّرِقةِ مَرَّتَينِ.
وفيه مَشروعيَّةُ تَعليقِ يَدِ السَّارِقِ في عُنُقِه .
شرح معاني الآثار (3/ 170) 4980 - حدثنا أبو بشر الرقي , قال: ثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن القاسم بن عبد الرحمن , عن أبيه , عن علي بن أبي طالب , أن رجلا أقر عنده بسرقة مرتين فقال: قد شهدت على نفسك شهادتين قال: فأمر به فقطع وعلقها في عنقه.
أفلا ترى أن عليا رضي الله تعالى عنه رد حكم الإقرار بالسرقة إلى حكم الشهادة عليها في عدد الشهود فكذلك الإقرار بحدود الله كلها لا يقبل في ذلك إلا بعدد ما يقبل من الشهود عليها
مصنف عبد الرزاق الصنعاني (10/ 191) 18783 - أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري , عن جابر , والأعمش , عن القاسم بن عبد الرحمن , عن أبيه , قال: جاء رجل إلى علي , فقال: إني سرقت فرده , فقال: إني سرقت , فقال: شهدت على نفسك مرتين فقطعه قال: فرأيت يده في عنقه معلقة
معرفة السنن والآثار (12/ 418) 17223 - أخبرنا أبو سعيد , حدثنا أبو العباس , أخبرنا الربيع , قال: قال الشافعي فيما بلغه عن الأعمش , عن القاسم بن عبد الرحمن , عن أبيه , قال: " جاء رجل إلى علي فقال: إني سرقت , فطرده , ثم قال: إني سرقت , فقطع يده , وقال: إنك قد شهدت على نفسك مرتين "