أنَّ رجلًا قال لعَمْرِو بنِ دِينارٍ: يا أبا مُحمَّدٍ، كيف قولُ ابنِ عبَّاسٍ: على المُجاوِرِ الصومُ؟ قال: ليس كذا قال ابنُ عبَّاسٍ؛ إنَّما قال: المجاوِرُ يصومُ.
أخرجه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (10/ 349)، والبيهقي (8658) كلاهما بلفظه.
الاعتِكافُ هو لُزومُ المَسجِدِ في وقتٍ مَخصوصٍ قُربةً وطاعةً للهِ تعالى، وقد كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يواظِبُ عليه كُلَّ عامٍ في رَمَضانَ، وللاعتِكافِ شُروطٌ وآدابٌ ومُبطِلاتٌ.
ومِنَ المَسائِلِ المُتَعَلِّقةِ بالاعتِكافِ أنَّه هَل لا بُدَّ في الاعتِكافِ مِن صَومٍ، أم يَصِحُّ الاعتِكافُ ولو كان بدونِ صَومٍ؟ اختَلف الصَّحابةُ ومَن بَعدَهم في ذلك؛ فذَهَبَ بَعضُهم إلى أنَّه لا بُدَّ في الاعتِكافِ مِن صَومٍ، ومِمَّن كان يَرى ذلك مِنَ الصَّحابةِ ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما؛ ففي هذا الحَديثِ يُخبِرُ حَمَّادُ بنُ زَيدٍ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ، أنَّ رَجُلًا قال لعَمرِو بنِ دينارٍ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ: يا أبا مُحَمَّدٍ، كَيف قَولُ ابنِ عبَّاسٍ: على المُجاوِرِ الصَّومُ؟ المُجاوِرُ: هو المُعتَكِفُ، سُمِّيَ مُجاوِرًا لأنَّه يُجاوِرُ ويُلازِمُ المَسجِدَ.
والمَعنى: أخبِرْني عن مَعنى كَلامِ ابنِ عبَّاسٍ في أنَّ على المُعتَكِفِ الصَّومَ هَل هو كذلك أم لا يَلزَمُ المُعتَكِفَ الصَّومُ؟ فقال له عَمرُو بنُ دينارٍ: ليسَ كَذا، قال ابنُ عبَّاسٍ، أي: لم يَقُلِ ابنُ عبَّاسٍ: على المُجاوِرِ الصَّومَ، وإنَّما قال: المُجاوِرُ يَصومُ، أي: أنَّ صَومَ المُعتَكِفِ على الاختيارِ لا على الوُجوبِ، وهذا ما فَهِمَه عَمرُو بنُ دينارٍ مِن كَلامِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّه يرى التَّخييرَ في صَومِ المُعتَكِفِ، لكِن قد جاءَتِ الرِّواياتُ الأُخرى تُبَيِّنُ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ يَرى وُجوبَ الصِّيامِ، ومِنها أنَّه قال: المُعتَكِفُ المُجاوِرُ يَصومُ.
والمَسألةُ فيها خِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ رَأيِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّ الاعتِكافَ لا يَكونُ إلَّا بصَومٍ .
شرح مشكل الآثار للطحاوي (معتمد) (10/ 349)
وما قد حدثنا عبد الملك، حدثنا الحميدي، أخبرنا سليمان بن حرب أن حماد بن زيد حدثه أن رجلا قال لعمرو بن دينار: يا أبا محمد، كيف قول ابن عباس: على المجاور الصوم؟ قال: ليس كذا قال ابن عباس ، إنما قال: " المجاور يصوم " فقال قائل: فهذا يدل على أن ما روي عن ابن عباس في هذا إنما هو صوم المجاور على الاختيار، لا على الوجوب فكان من حجتنا عليه في ذلك: أن الذي ذكره ليس كما ذكره، وكيف يكون ذلك كذلك، والذي نحيط به علما أن أحدا لا يقع بقلبه أن الصوم مكروه في الجوار، فيحتاج إلى أن يقال له هذا القول لينطلق له به الصوم في الجوار، ولكنه عندنا على موافقة ما قد رواه شعبة وهشيم، عن عمرو بن دينار كما ذكرنا من وجوب الصوم في الاعتكاف ثم وجدنا عن ابن عباس في ذلك:
السنن الكبير للبيهقي (9/ 181) 8658- وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد أن رجلا قال لعمرو بن دينار: يا أبا محمد كيف قول ابن عباس : على المجاور الصوم، فقال عمرو: وليس كذا قال ابن عباس: إنما قال: المجاور يصوم