عن خُناسِ بنِ سُحَيمٍ قال: أقبَلتُ مع زيادِ بنِ حُدَيرٍ الأسديِّ مِنَ الجابيةِ، فقُلتُ في كَلامي: لا والأمانةِ.
فجَعَلَ زيادٌ يَبكي ويَبكي، فظَنَنتُ أنِّي أتَيتُ أمْرًا عَظيمًا، فقُلتُ له: أكانَ يَكرَهُ هذا؟ فقال: نَعَمْ، كان عُمَرُ يَنهى عنِ الحَلِفِ بالأمانةِ أشَدَّ النَّهيِ.
أخرجه ابن المبارك في ((الزهد)) (213)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت)) (631)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (4/ 196) واللفظ لهم.
اليَمينُ تَوكيدُ الشَّيءِ بذِكرِ اسمِ اللهِ تعالى أو صِفةٍ مِن صِفاتِه على وجهٍ مَخصوصٍ، واليَمينُ مُعَظَّمةٌ لها مَكانتُها وقَدرُها عِندَ اللهِ تعالى، فلا يَحلِفُ الإنسانُ بغَيرِ اللهِ تعالى، كالحَلِفِ بالآباءِ والأمانةِ ونَحوِ ذلك، وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ خُنَاسُ بنُ سُحَيمٍ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ، أنَّه أقبَل، أي: جاءَ مَعَ زيادِ بنِ حُدَيرٍ الأسَديِّ، وهو مِن كِبارِ التَّابعينَ، مِنَ الجابيةِ، وهيَ قَريةٌ مِن أعمالِ دِمَشقَ، فتَكَلَّم خُنَاسٌ، فقال في أثناءِ كَلامِه: لا والأمانةِ، أي: حَلَف بالأمانةِ، ولعَلَّه لم يَكُنْ يَعرِفُ أنَّ الحَلِفَ بالأمانةِ مَنهيٌّ عنه، فجَعَل زيادٌ يَبكي ويَبكي، أي: لشِدَّةِ هذا الأمرِ؛ فإنَّ الحَلِفَ بغَيرِ اللهِ مِنَ الشِّركِ الأصغَرِ، يَقولُ خُنَاسٌ: فظَنَنتُ أنِّي أتَيتُ أمرًا عَظيمًا، أي: تَوقَّعتُ أنَّ ما قُلتُه أمرٌ عَظيمٌ بسَبَبِ كَثرةِ بُكاءِ زيادٍ، فقُلتُ لزيادٍ: أكان يُكرَهُ هذا؟ أي: هَل كان الحَلِفُ بالأمانةِ مِمَّا كان يُكرَهُ ويُنهى عنه في عَهدِ الصَّحابةِ؟ فقال زيادٌ: نَعَم، كان عُمَرُ يَنهى عنِ الحَلِفِ بالأمانةِ أشَدَّ النَّهيِ، أي: يُحَذِّرُ ويَمنَعُ مِنَ الحَلفِ بالأمانةِ أشَدَّ التَّحذيرِ، بَل قد جاءَ في الحَديثِ: مَن حَلَف بالأمانةِ فليسَ مِنَّا، وإنَّما نُهيَ عنِ الحَلفِ بالأمانةِ مِن أجلِ أنَّه إنَّما أُمِرَ أن يَحلِفَ باللهِ وصِفاتِه، وليسَتِ الأمانةُ مِن صِفاتِه، وإنَّما هيَ أمرٌ مِن أُمورِه، وفَرضٌ مِن فُروضِه، فنُهُوا عنه لِما في ذلك مِنَ التَّسويةِ بَينَها وبَينَ أسماءِ اللهِ تعالى وصِفاتِه.
وفي الحَديثِ النَّهيُ عنِ الحَلفِ بالأمانةِ.
وفيه تَأثُّرُ السَّلَفِ عِندَ سَماعِهم للمُنكَرِ .