قال لي عبادةُ بنُ الصامتِ رضي اللهُ عنه: يا أبا عطاءٍ كيف تصنعونَ إذا فرَّتْ منكم علماؤكم وقراؤكم وكانوا في رؤوسِ الجبالِ مع الوحوشِ ؟ قلتُ: ولِمَ ذاكَ أصلحكَ اللهُ ؟ قال: خشيةَ أن تقتُلوهم قال: قلتُ: نقتُلُهم وكتابُ اللهِ بين أظهُرِنا ؟ قال: ثكِلَتكَ أمُّكَ يا أبا عطاءٍ أولم يؤتَ التوراةَ اليهودُ فترَكوها وضلُّوا عنها ؟ أولم يؤتَ النصارى الإنجيلَ فترَكوه وضلُّوا عنه , وإنما هي فتنٌ تتبعُ بعضُهم بعضًا ولم يكُنْ فيهم شيءٌ إلا سيكونُ فيكم مثلُه ؟ قال داودُ: يعني ابنَ أبي هندٍ فترَكتُه أيامًا ثم أتيتُه فقلتُ: يا أبا السائبِ إنه قد كان فيهم مسخُ قردةٍ فقال: حدَّثني أبو عطاءٍ أنَّ عبادةَ بنَ الصامتِ قال: لم يكُنْ فيهم شيءٌ إلا سيكونُ فيكم مثلُه لا تذهبُ الأيامُ والليالي حتى تُمسَخَ طوائفُ مِن هذه الأمةِ

الدلالات الموضوعية:# فتن - وقوع المسخ# فتن - ظهور الفتن# إيمان - الكتب السماوية# فتن - اتباع شرار هذه الأمة سنن أهل الكتاب# إيمان - أهل الكتاب وما يتعلق بهم
المصدر: إتحاف الخيرة المهرة
الراوي: أبو عطاء اليحبوري
المحدث: البوصيري
الحكم:إسناده حسن

الشرح والتوضيح

جاءَتِ نُصوصُ الشَّريعةِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ بالتَّحذيرِ مِن مُشابَهةِ اليَهودِ والنَّصارى، والسُّلوكِ مَسلَكَهم في أفعالِهم وأحوالِهم، بَل أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ هذه الأُمَّةَ سَوف تَتبَعُ سَنَنَ اليَهودِ والنَّصارى في كُلِّ ما فعَلوه، وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ أبو عَطاءٍ اليحبوريُّ أحَدُ التَّابِعينَ أنَّ عُبادةَ بنَ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عنه، قال له: يا أبا عَطاءٍ، كَيف تَصنَعونَ إذا فرَّت مِنكُم عُلماؤُكُم وقُرَّاؤُكُم؟ أي: هَرَبَ العُلماءُ وقُرَّاءُ القُرآنِ وأهلُ الفِقهِ، وكانوا في رُؤوسِ الجِبالِ مَعَ الوُحوشِ؟ أي: بَقوا مَعَ الحَيَواناتِ الوحشيَّةِ التي تَفِرُّ مِنَ النَّاسِ وظَلُّوا في رؤوسِ الجِبالِ يَسكُنونَ فيها.

والمَعنى: أنَّه يَسألُه كَيف يَكونُ وَضعُكُم في ذلك الوقتِ؟ فقال أبو عَطاءٍ: ولمَ ذاكَ أصلَحَك اللهُ؟ أي: لماذا يَفِرُّ العُلماءُ والقُرَّاءُ؟ فقال عُبادةُ: خَشيةَ أن تَقتُلوهم، أي: مَخافةَ أن يَقتُلَهمُ النَّاسُ.

فقال أبو عَطاءٍ: نَقتُلُهم وكِتابُ اللهِ بَينَ أظهُرِنا؟ أي: استَغرَبَ ذلك كَيف لنا أن نَقتُلَ عُلماءَنا وكِتابُ اللهِ بَينَ أيدينا زاجِرًا لنا وناهيًا لنا عنِ القَتلِ؟ فقال له عُبادةُ: ثَكِلَتك أُمُّك يا أبا عَطاءٍ، أي: فقَدَتك أُمُّك، والثُّكلُ: فَقدُ الوَلَدِ، وهذا مِمَّا غَلبَ جَرَيانُه على ألسِنَتِهم في المُحاوَراتِ؛ للتَّحريضِ على الشَّيءِ والتَّهييجِ إليه مِن غَيرِ إرادةِ حَقيقةِ مَعناه مِنَ الدُّعاءِ على المُخاطَبِ بمَوتِه، أولم يُؤتَ التَّوراةَ اليَهودُ فتَرَكوها وضَلُّوا عنها؟ أولم يُؤتَ النَّصارى الإنجيلَ فتَرَكوه وضَلُّوا عنه، أي: أنَّ أهلَ الكِتابِ مِنَ اليَهودِ والنَّصارى كان مَعَهمُ الكُتُبُ، ولكِنَّ ذلك لم يُغنِ عنهم مِنَ الاختِلافِ والتَّفرُّقِ، فقد حَرَّفوها وضَلُّوا عَمَّا أُنزِلَ عليهم، والمَقصودُ أنَّ عُبادةَ يُريدُ أن يُبَيِّنَ له أنَّ المُسلمينَ وإن كان عِندَهمُ القُرآنُ فإنَّهم سَوف يَترُكونَه ويَضِلُّونَ عنه ويَقَعُ فيهم ما وقَعَ في اليَهودِ والنَّصارى؛ ولذلك قال له: وإنَّما هيَ فِتَنٌ -وفي رِوايةٍ: سُنَنٌ، وهو الأقرَبُ- تَتبَعُ بَعضُهم بَعضًا.

السُّنَنُ: الطَّرائِقُ، أي: أنَّكُم سَتَتَّبِعونَ سُنَنَ وطَرائِقَ مَن قَبلَكُم مِنَ الأُمَمِ وتَسيرونَ سَيرَهم، ولم يَكُنْ فيهم، أي: اليَهودِ والنَّصارى، شَيءٌ إلَّا سَيَكونُ فيكُم مِثلُه؟ أي: ما من شَيءٍ وقَعَ فيه اليَهودُ والنَّصارى، وارتَكَبوه مِنَ الفِتَنِ والذُّنوبِ والمَعاصي، إلَّا سَيَقَعُ في هذه الأُمَّةِ مِثلُه.

قال داودُ بنُ أبي هندٍ، وهو أحَدُ رواةِ الحَديثِ: فتَرَكتُه أيَّامًا، أي: تَرَك شَيخَه، وهو أبو مُنيبٍ الخمصيُّ، الذي حَدَّثَه بهذا الحَديثِ أيَّامًا، ثُمَّ أتَيتُه بَعدَ ذلك، فقُلتُ له: يا أبا السَّائِبِ، وفي رِوايةٍ: أبا مُنيبٍ، وهو الأقرَبُ: إنَّه قد كان فيهم مَسخُ قِرَدةٍ، أي: أنَّك أخبَرتَني أنَّ أيَّ شَيءٍ وقَعَ في اليَهودِ والنَّصارى فسَيَقَعُ في هذه الأُمَّةِ مِثلُه، وإنَّه قد كان في اليَهودِ والنَّصارى مَسخٌ إلى قِرَدةٍ، فهَل سَيَقَعُ في هذه الأُمَّةِ مَسخٌ كذلك؟ فقال أبو مُنيبٍ: حَدَّثَني أبو عَطاءٍ أنَّ عُبادةَ بنَ الصَّامِتِ قال: لم يَكُنْ فيهم شَيءٌ إلَّا سَيَكونُ فيكُم مِثلُه، لا تَذهَبُ الأيَّامُ واللَّيالي حتَّى تُمسَخَ طَوائِفُ مِن هذه الأُمَّةِ، أي: أنَّه سَيَقَعُ في هذه الأُمَّةِ مَسخٌ كَما حَصَل للأُمَمِ السَّابقةِ.

وفي الحَديثِ بَيانُ فِرارِ العُلماءِ خَشيةَ القَتلِ.

وفيه أنَّ الضَّلالَ والانحِرافَ قد يَقَعُ في الأُمَّةِ مَعَ وُجودِ القُرآنِ بَينَهم.

وفيه مُشابَهةُ هذه الأُمَّةِ للأُمَمِ السَّابقةِ.

وفيه وُقوعُ المَسخِ في هذه الأُمَّةِ .

أحاديث ذات صلة