خطَبَ عَمْرُو بنُ حُرَيثٍ إلى عَدِيِّ بنِ حاتِمٍ ابنَتَهُ، فقال: ما أنا بِمُزَوِّجِكَ إلَّا بِحُكمي.

فأقبَلَ عليه بَعضُ أصحابِهِ، فقال: واللهِ، لامرَأةٌ مِن قُريشٍ، أحَبُّ إلينا مِنِ امرَأةٍ مِن طَيِّئٍ على حُكمِ أبيها، فقال: إنَّ ذاكَ لكذلكَ.

ثم أبَتْ نفْسُه أنْ تدَعَهُ إلَّا أنْ يَخطُبَ إليه، فقال: ما أنا بِمُزَوِّجِكَ إلَّا على حُكمي.

قال: قد حَكَّمتُكَ.

قال: اذهَبْ، فقد أنكَحْتُكَها، فانطَلَقَ عَمْرٌو، فباتَ، ولم يَنَمْ؛ مَخافةَ أنْ يَحكُمَ عليه بما لا يُطيقُ، فلمَّا أصبَحَ أرسَلَ إليهِ: بَيِّنْ لي ما حكَمْتَ علَيَّ؛ حتى أبعَثَ به إليكَ.

قال: أحكُمُ عليكَ بأربَعِ مِئةٍ وثَمانينَ دِرهَمًا، سُنَّةَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأرسَلَ إليهِ بها، وأرسَلَ إليهِ بعَشَرةِ آلافٍ، أو عِشرينَ ألْفًا -شَكَّ هُدبَةُ- فقال: جَهِّزْها بهذا.

الدلالات الموضوعية:# نكاح - شرط الولي للنكاح# نكاح - الشروط في النكاح# نكاح - الصداق
المصدر: تخريج مشكل الآثار
الراوي: حميد بن هلال
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (5057) واللفظ له، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (40/ 89) بلفظه مطولًا، والبلاذري في ((أنساب الأشراف)) (10/ 216) بنحوه.

الشرح والتوضيح

شَرَع اللهُ تعالى الزَّواجَ وجَعَلَ فيه سَكَنًا ومَودَّةً بَينَ الأزواجِ؛ لِما فيه مِن تَحقيقِ مَصالحَ عَظيمةٍ، وجَعَله مِن سُنَّةِ المُرسَلينَ، وجاءَ أيضًا بالحَثِّ عليه والتَّرغيبِ فيه، ومِمَّا يُساعِدُ على الزَّواجِ التَّيسيرُ مِن أعباءِ وتَكاليفِ الزَّواجِ، وذلك بتَقليلِ المَهرِ، وجاءَ في الحَديثِ: خَيرُ الصَّداقِ أيسَرُه، وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ حُمَيدُ بنُ هلالٍ -وهو أحَدُ التَّابِعينَ- أنَّ عَمرَو بنَ حُرَيثٍ رَضِيَ اللهُ عنه خَطَبَ إلى عَديِّ بنِ حاتِمٍ الطَّائيِّ رَضِيَ اللهُ عنه ابنَتَه، أي: تَقدَّمَ عَمرٌو يُريدُ الزَّواجَ مِنِ ابنةِ عَديِّ بنِ حاتِمٍ، فقال له عَديٌّ: ما أنا بمُزَوِّجِك إلَّا بحُكمي، أي: لن أُزَوِّجَك حتَّى تَقبَلَ بما أحكُمُ به عليك فتُؤَدِّيَه، فأقبَلَ عليه بَعضُ أصحابِه، أي: أقبَلَ على عَمرٍو بَعضُ أصحابِه الذينَ حَضَروا مَعَه، وقالوا لعَمرٍو: واللهِ لامرَأةٌ مِن قُرَيشٍ أحَبُّ إلينا مِنِ امرَأةٍ من طَيِّئٍ على حُكمِ أبيها، أي: اعلَمْ يا عَمرُو أنَّك لأن تَتَزَوَّجَ امرَأةً مِن قُرَيشٍ خَيرٌ وأحَبُّ إليك وإلينا مِن أن تَتَزَوَّجَ امرَأةً مِن طَيِّئٍ -يَعني ابنةَ عَديِّ بنِ حاتِمٍ؛ لأنَّه مِن قَبيلةِ طَيِّئٍ- يُلزِمُك أبوها بحُكمِه.

ومُرادُه أن يُبعِدَه مِنَ الزَّواجِ بهذه المَرأةِ، فقال عَمرٌو: إنَّ ذاكَ لكذلك، أي: قد صَدَقتَ فيما قُلتَ فلن أتَزَوَّجَها، وجاءَ في رِوايةٍ أنَّ عَمرًا كَرِهَ وخاف أن يَحكُمَ عليه عَديٌّ بدارِه أو أمرٍ يَقتَطِعُه.

ثُمَّ أبَت نَفسُه أن تَدَعَه إلَّا أن يَخطُبَ إليه، أي: لم تَطِبْ نَفسُه أن يَترُكَ الزَّواجَ مِنِ ابنةِ عَديٍّ، فرَجَعَ مَرَّةً أُخرى يَخطُبُها، فقال له عَديٌّ: ما أنا بمُزَوِّجِك إلَّا على حُكمي، أي: أنا على ما أخبَرتُ مِن أن تَرضى بحُكمي.

فعِندَ ذلك قال عَمرٌو: قد حَكَّمتُك، أي: قد قَبِلتُ حُكمَك.

فقال له عَديٌّ: اذهَبْ، فقد أنكَحتُكَها، أي: إذَنْ فقد زَوَّجتُك ابنَتي لأنَّك قَبِلتَ حُكمي! فانطَلقَ عَمرٌو فباتَ ولم يَنَمْ مَخافةَ أن يَحكُمَ عليه بما لا يُطيقُ، أي: خَشيَ أن يَحكُمَ عليه عَديٌّ بحُكمٍ لا يُطيقُه فيَندَمَ على قَبولِه ذلك، فلمَّا أصبَحَ، أي: كان الصَّباحُ أرسَل عَمرٌو إلى عَديٍّ يَقولُ له: بَيِّنْ لي ما حَكَمتَ عَلَيَّ؛ حتَّى أبعَثَ به إليك، أي: أخبِرْني بماذا حَكَمتَ عليَّ حتَّى أبعَثَ به إليك.

فقال عَديٌّ: أحكُمُ عليك بأربَعِمِئةٍ وثَمانينَ دِرهَمًا، أي: حُكمي أن يَكونَ صَداقُ ومَهرُ ابنَتي أربَعَمِئةٍ وثَمانينَ دِرهَمًا، سُنَّةَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: فهذه هيَ سُنَّةُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولم أكُنْ لأحكُمَ عليك بغَيرِ سُنَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفي رِوايةٍ: لا أحكُمُ حُكمًا يُسائِلُني اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عنه يَومَ القيامةِ، فلمَّا رَأى عَمرٌو ذلك اطمَأنَّ وارتاحَ، وأرسَل إلى عَديٍّ بها، أي: بهذه الدَّراهمِ، وأرسَل إليه أيضًا بعَشَرةِ آلافٍ أو عِشرينَ ألفًا -شَكَّ هُدبةُ، وهو أحَدُ الرُّواةِ- فقال: جَهِّزْها بهذا، أي: قال عَمرٌو لعَدِيٍّ: جَهِّزِ ابنَتَك بهذه الدَّراهمِ كُلِّها.

وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ تَخفيفِ الصَّداقِ.

وفيه مَشروعيَّةُ الزِّيادةِ في الصَّداقِ، وأنَّه ليسَ هناكَ حَدٌّ له سَواءٌ كان قليلًا أم كثيرًا.

وفيه مَشروعيَّةُ تَزَوُّجِ الرَّجُلِ المَرأةَ على حُكمِ وليِّها .

الأصول والأحكام

شرح مشكل الآثار (13/ 55) 5057 - ما قد حدثنا أحمد بن داود، قال: حدثنا هدبة بن خالد، قال: حدثنا أبو هلال، قال: حدثنا حميد بن هلال ، قال: " خطب عمرو بن حريث إلى عدي بن حاتم ابنته، فقال: ما أنا بمزوجك إلا بحكمي، فأقبل عليه بعض أصحابه، فقال: والله لامرأة من قريش أحب إلينا من امرأة من طيئ على حكم أبيها، فقال: إن ذاك لكذلك، ثم أبت نفسه أن تدعه إلا أن يخطب إليه، فقال: ما أنا بمزوجك إلا على حكمي قال: قد حكمتك، قال: اذهب، فقد أنكحتكها، فانطلق عمرو، فبات ولم ينم مخافة أن يحكم عليه بما لا يطيق، فلما أصبح أرسل إليه: بين لي ما حكمت علي حتى أبعث به إليك؟، قال: " أحكم عليك بأربع مئة وثمانين درهما سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه بها، وأرسل إليه بعشرة آلاف، أو عشرين ألفا، شك هدبة، فقال: جهزها بهذا "

[تاريخ دمشق - لابن عساكر] (40/ 89) أخبرنا أبو العز أحمد بن عبد الله فيما قرأ علي إسناده وناولني إياه وأذن لي في أنا أبو علي محمد بن الحسين أنبأ المعافى بن زكريا القاضي نا ابن دريد أخبرني عمي عن أبيه عن ابن الكلبي عن محمد بن سليم أبي هلال الراسبي عن حميد بن هلال قال خطب عمرو بن حريث إلى عدي بن حاتم فقال لا أزوجك إلا على حكمي فرجع عمرو وقال امرأة من قريش على أربعة ألاف درهم أعجب إلي من امرأة من طيئ على حكم أبيها فرجع ثم أبت نفسه فرجع إليه فقال على حكمي فقال نعم فرجع عمرو بن حريث فلم ينم ليله ويخاف أن يحكم عليه بما لا يطيق فلما أصبح بعث إليه أن عرفني ما حكمت به علي فأرسل إليه إني حكمت بأربع مائة درهم وثمانين درهما سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فبعث إليه بعشرة آلاف درهم وكسوة فردها وفرق الثياب في جلسائه فقال * يرى ابن حريث أن همي ماله * وما كنت موصوفا بحب الدراهم وقالت قريش لا تحكمه أنه * على كل ما حال عدي بن حاتم فيذهب منك المال أو وهلة * وحمامها والنخل ذات الكمائم فقلت معاذ الله من ترك سنة * جرت من رسول الله والله عاصمي وقلت معاذ الله من سوء سنة * يحدثها الركبان أهل المواسم * .

أنساب الأشراف للبلاذري (10/ 216) حدثني هدبة بن خالد، ثنا أبو هلال، ثنا حميد بن هلال قال: خطب عمرو بن حريث إلى عدي بن حاتم الطائي ابنته، فقال عدي: ما أنا بمزوجك إلا على حكمي.

ثم رجع عمرو إلى أصحابه فقال: امرأة من قريش أتزوجها على أربعة آلاف درهم أحب إلى من امرأة من طيئ أتزوجها على حكم أبيها، قالوا: إن ذاك كذاك، ثم عاد فخطبها فزوجه إياها على حكمه وقال له: ما حكمك؟ قال: أربعمائة وثمانون، سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتا عشرة أوقية، والأوقية أربعون فبعث إليه عمرو بن حريث بأربعمائة وثمانين درهما مهرا، وبعشرة آلاف درهم سوى الصداق، وقال: هي هدية.

أحاديث ذات صلة