سألتُ أبا جعفرٍ محمَّدَ بنَ عليٍّ وابنَهُ جعفرا عن أبي بَكرٍ وعمرَ فقالا: يا سالِمُ تَولَّهُما وابرأ من عدوِّهِما فإنَّهما كانا إمامَي هدًى، وقالَ لي جعفرٌ: يا سالِمُ أيسبُّ الرَّجلُ جدَّهُ أبو بَكرٍ جدِّي فلا نالَتني شفاعةُ محمَّدٍ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ يومَ القيامةِ إن لم أَكن أتولَّاهما وأبرأُ من عدوِّهما.
جيلُ الصَّحابةِ خَيرُ القُرونِ، وهم أيضًا خَيرُ هذه الأُمَّةِ، أثنى اللهُ تعالى عليهم ومَدَحَهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبَيَّنَ فَضلَهم في أحاديثَ كَثيرةٍ، وذلك لِما قاموا به مِن نُصرةِ هذا الدِّينِ والجِهادِ في سَبيلِ اللهِ تعالى، وخَيرُ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على الإطلاقِ هما أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ وعُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنهما، وحُبُّهم جميعًا دينٌ وإيمانٌ، وبُغضُهم نِفاقٌ، ولمَّا ظَهَرَتِ الفِرَقُ الضَّالَّةُ -ومِنهمُ الشِّيعةُ الرَّافِضةُ- طَعنوا في الشَّيخَينِ وكَفَّروهما وعادَوهما وعادَوا مَن تَولَّاهما، وزَعَموا أنَّهم بذلك يُحِبُّونَ أهلَ البَيتِ، وأهلُ البَيتِ بريئون مِن ذلك، بَل كان جَميعُ آلِ بَيتِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَتَولَّونَ الشَّيخَينِ ويُثنونَ عليهما، ومِمَّا جاءَ في ذلك أنَّ سالِمَ بنَ أبي حَفصةَ -وهو أحَدُ التَّابِعينَ- وكان فيه تَشَيُّعٌ ظاهِرٌ، ومَعَ هذا فيَبُثُّ هذا القَولَ الحَقَّ، أنَّه سَأل أبا جَعفَرٍ مُحَمَّدَ بنَ عَليٍّ المَشهورَ بأبي جَعفَرٍ الباقِرِ، وابنَه جَعفرًا، وهو المَشهورُ بجَعفرٍ الصَّادِقِ، وهما مِن خيارِ آلِ البَيتِ، عن أبي بَكرٍ وعُمَرَ، أي: ما تَقولانِ فيهما؟ وذلك بسَبَبِ ما كَثُرَ فيه الكَلامُ مِنَ الشِّيعةِ أنَّ آلَ البَيتِ لا يُحِبُّونَ أبا بَكرٍ وعُمَرَ.
فقال أبو جَعفَرٍ وابنُه: يا سالمُ، تَولَّهما وابرَأْ مِن عَدُوِّهما، أي: نوصيك بتَولِّي أبي بَكرٍ وعُمَرَ وحُبِّهما والدُّعاءِ لهما، وتَبرَّأْ إلى اللهِ مِمَّن يُعاديهما؛ فإنَّهما كانا إمامَي هُدًى، أي: كانا على طَريقٍ مُستَقيمةٍ وهُدًى مِنَ اللهِ، مُتَّبعَينِ لنَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غايةَ الاتِّباعِ وأتَمَّه.
ثُمَّ يُخبرُ سالمٌ أنَّ جَعفرًا قال له: يا سالمُ، أيَسُبُّ الرَّجُلُ جَدَّه، أي: أيُعقَلُ أو هَل تَتَوقَّعُ أنَّ رَجُلًا يَسُبُّ جَدَّه، فلا يَفعَلُ ذلك عاقِلٌ! وإذا كان الأمرُ كذلك فأبو بَكر جَدِّي، فكَيف أسُبُّ جَدِّي؟! وذلك لأنَّ جَعفرًا أُمُّه هيَ أمُّ فروةَ ابنةُ القاسِمِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أبي بَكرٍ، وأُمُّها أسماءُ بنتُ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أبي بَكرٍ؛ ولهذا كان جَعفَرٌ يَقولُ: ولَدَني الصِّدِّيقُ مَرَّتَينِ، فلا نالَتْني شَفاعةُ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَومَ القيامةِ إن لم أكُنْ أتَولَّاهما وأبرَأُ مِن عَدوِّهما! أي: أنَّني إذا لم أتَولَّهما وأبرَأْ مِن عَدوِّهما فأنا لا أستَحِقُّ شَفاعةَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهذا كُلُّه مِن جَعفرٍ وأبيه حتَّى يُثبِتا للنَّاسِ أنَّ ما يَقولُه الشِّيعةُ ويَروونَه عن آلِ البَيتِ مِن بُغضِهم لأبي بَكرٍ وعُمَرَ كَذِبٌ وافتِراءٌ، بَل جاءَ في رِوايةٍ أُخرى عن أبي جَعفَرٍ أنَّه قال: واللهِ إنِّي لأتَولَّاهما وأستَغفِرُ لهما، وما أدرَكتُ أحَدًا مِن أهلِ بَيتي إلَّا وهو يَتَولَّاهما.
وفي الحَديثِ بَيانُ مَحَبَّةِ آلِ البَيتِ لأبي بَكرٍ وعُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما.
وفيه ثَناءُ جَعفَرٍ الصَّادِقِ وأبيه على أبي بَكرٍ وعُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما.
وفيه الأمرُ بتَولِّي أبي بَكرٍ وعُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما والتَّبَرِّي مِن عَدوِّهما .