عن صلةَ بنِ أشيَمَ قالَ: خَرجنا في بعضِ قرى نَهرِ تيرى وأنا على دابَّتي في زمنِ فُيوضِ الماءِ فأنا أسيرُ على مُسنَّاةٍ فسرتُ يومًا لا أجدُ شيئًا آكلُهُ فلقِيَني علجٌ يحملُ على عاتقِهِ شيئًا فقلتُ: ضعْهُ فوضعَهُ فإذا هوَ خبزٌ فقلتُ: أطعِمني قالَ: إن شئتَ ولَكن فيهِ شَحمَ خِنزيرٍ فترَكتُهُ، ثمَّ لقيتُ آخرَ يحملُ طعامًا فقلتُ: أطعِمني فقالَ: تزوَّدتُ بِهذا لِكذا وَكذا من يومٍ فإن أخذتَ منْهُ شيئًا أجَعتني فترَكتُهُ ومضيتُ فَوَاللَّهِِ إنّي لأسيرُ إذ سمعتُ خَلفي وجبةً كوجبةِ الطَّيرِ فالتفتُّ فإذا هوَ شيءٌ ملفوفٌ في سِبٍّ أبيضَ أي خمارٍ فنزلتُ إليْهِ فإذا هوَ دَوخلَةٌ من رُطبٍ في زمانٍ ليسَ في الأرضِ رطبةٌ فأَكلتُ منْهُ ثمَّ لففتُ ما بقيَ ورَكبتُ الفرسَ وحملتُ معي نواهُنَّ.
قالَ جريرٌ فحدَّثني أوفى بنُ دلْهمٍ قالَ: رأيتُ ذلِكَ السِّبَّ معَ امرأتِهِ ملفوفًا فيهِ مصحفٌ ثمَّ فُقِدَ بعدُ
مِن عَقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ إثباتُ كَراماتِ الأولياءِ والصَّالحينَ؛ فأهلُ السُّنَّةِ يُثبِتونَ أنَّ اللَّهَ تعالى يُكرِمُ ويُعطي أولياءَه المُتَّبعينَ لهَديِ أنبيائِهم بَعضَ الكَراماتِ؛ وذلك لتَأييدِهم وزيادةِ إيمانِهم، ورَحمةً بهم وإعانةً لَهم على الخَيرِ، والكَراماتُ التي يُكرِمُ اللَّهُ بها أولياءَه كَثيرةٌ جِدًّا حَتَّى في الأُمَمِ السَّابقةِ، وقد جاءَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ ذِكرُ بَعضِ تلك الكَراماتِ، وهكذا أيضًا جاءَ عنِ الصَّحابةِ والتَّابِعينَ، ومِن تلك الكَراماتِ ما وقَعَ لصِلةَ بنِ أشيَمَ أحَدِ العُبَّادِ مِن سادةِ التَّابعينَ؛ حَيثُ خَرَجَ مُسافِرًا في بَعضِ قُرى نَهرِ تِيرَى، وهو بَلدٌ مِن نَواحي الأهوازِ حَفَرَه أردشيرُ الأصغَرُ بنُ بابكَ، ووهَبَه لرَجُلٍ يُقالُ له تِيرى مِن ولدِ جودرز الوزيرِ؛ فسُمِّي به، وهو على دابَّتِه، في زَمَنِ فُيوضِ الماءِ، أي: كان الزَّمَنُ فيه فيَضانٌ للمياهِ، يَقولُ صِلةُ: فأنا أسيرُ على مُسَنَّاةٍ، وهو سَدٌّ يُبنى لحَجزِ ماءِ السَّيلِ أوِ النَّهرِ، به مَفاتِحُ للماءِ تُفتَحُ على قدرِ الحاجةِ، فسِرتُ يَومًا لا أجِدُ شَيئًا آكُلُه، فلقيَني عِلجٌ، وهو الرَّجُلُ القَويُّ الضَّخمُ، وقيل: العِلجُ الرَّجُلُ مِن كُفَّارِ العَجَمِ وغَيرِهم، يَحمِلُ على عاتِقِه -وهو ما بَينَ المَنكِبِ والعُنُقِ- شَيئًا، أي: مَعَه شَيءٌ يَحمِلُه مِنَ الطَّعامِ.
فقُلتُ له: ضَعْه فوضَعَه، أي: على الأرضِ، فإذا هو خُبزٌ.
فقُلتُ له: أطعِمْني.
فقال: إن شِئتَ، أي: لك ذلك أن تَأكُلَ مِنه، ولكِنَّ فيه شَحمَ خِنزيرٍ، فتَرَكتُه، أي: لكَونِه مُحرَّمًا، وأخَذَ بالعَزيمةِ وإلَّا فقدَ أُبيحَتِ المُحرَّماتُ للمُضطَرِّ، يَقولُ صِلةُ: ثُمَّ لَقِيتُ آخَرَ يَحمِلُ طَعامًا.
فقُلتُ له: أطعِمْني.
فقال: تَزَوَّدتُ بهذا لكَذا وكَذا مِن يَومٍ، فإن أخَذتَ مِنه شَيئًا أجَعتَني، أي: أنَّني قد جَعَلتُ هذا الطَّعامَ زادًا لي لعِدَّةِ أيَّامٍ، فإن أخَذتَ مِنه شَيئًا يا صِلةُ فإنَّك بذلك سَوف تَضُرُّ بي وتُجيعُني بَقيَّةَ الأيَّامِ، يَقولُ صِلةُ: فتَرَكتُه ومَضَيتُ، أي: لم آخُذْ مِن طَعامِه شَيئًا، فواللهِ إنِّي لأسيرُ إذ سَمِعتُ خَلفي وَجبةً.
الوَجبةُ هيَ صَوتُ السُّقوطِ، كوَجبةِ الطَّيرِ، أي: صَوتِ طَيَرانِه، والمَعنى: أنَّه سَمِعَ خَلفَه صَوتَ شَيءٍ أُلقيَ مِنَ السَّماءِ، فالتَفتُّ فإذا هو شَيءٌ مَلفوفٌ في سِبٍّ أبيَضَ، أي: مَلفوفٌ في خِمارٍ، والسِّبُّ مِن مَعانيه الخِمارُ والعِمامةُ، فنَزَلتُ إليه فإذا هو دَوخَلَّةٌ مِن رُطَبٍ، أي: سَفيفةٌ مِن خوصٍ يوضَعُ فيها التَّمرُ، في زَمانٍ ليسَ في الأرضِ رُطَبةٌ، أي: وقتٍ لا يَنبُتُ فيه الرُّطَبُ عادةً، فأكَلتُ مِنه، وفي رِوايةٍ: فلم آكُلْ رُطَبًا قَطُّ أطيَبَ مِنه، ثُمَّ لفَفتُ ما بَقيَ، ورَكِبتُ الفرَسَ وحَمَلتُ مَعي نَواهُنَّ، أي: نَوى الرُّطَبِ.
قال جَريرٌ -وهو جَريرُ بنُ حازِمٍ أحَدُ الرُّواةِ- فحَدَّثَني أوفى بنُ دَلْهَمٍ وهو أحَدُ الرُّواةِ، فقال: رَأيتُ ذلك السِّبَّ، أي: الخِمارَ مَعَ امرَأتِه، أي: امرَأةِ صِلةَ مَلفوفًا فيه مُصحَفٌ، أي: قد لفَّتِ المَرأةُ المُصحَفَ بهذا الخِمارِ، ثُمَّ فُقِدَ بَعدُ، أي: فُقِدَ ذلك السِّبُّ، وفي رِوايةٍ: فلا يَدرونَ أسُرِقَ ذلك السِّبُّ، أم ذَهَبَ، أم ما صُنِعَ به.
وفي الحَديثِ إثباتُ كَراماتِ الأولياءِ.
وفيه فَضلُ صِلةَ بنِ أشيَمَ رَحِمَه اللهُ.
وفيه بَيانُ كَمالِ قُدرةِ اللهِ تعالى .