جاءنا يزيدُ بنُ النُّعمانِ بنِ بشيرٍ إلى حلْقةِ القاسِمِ ابنِ عبدِ الرَّحمنِ بكتابِ أبيهِ النُّعمانِ بنِ بشيرٍ بسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ منَ النُّعمانِ بنِ بشيرٍ إلى أمِّ عبدِ اللَّهِ بنتِ أبي هاشمٍ سلامٌ عليكِ فإنِّي أحمدُ إليكِ اللَّهَ الَّذي لا إلهَ إلَّا هوَ فإنَّكِ كتبتِ إليَّ لأكتبَ إليكِ بشأنِ زيدِ بنِ خارجةَ وأنَّهُ كانَ من شأنِهِ أنَّهُ أخذهُ وجعٌ في حلقِهِ وهوَ يومئذٍ من أصحِّ أهلِ المدينةِ فتوفِّيَ بينَ صلاةِ الأُولى وصلاةِ العصرِ فأضجعناهُ لظهرِهِ وغشَّيناهُ بردينِ وكساءً فأتاني آتٍ في مَقامي وأنا أسبِّحُ بعدَ العصرِ فقالَ إنَّ زيدًا قد تكلَّمَ بعدَ وفاتِهِ فانصرفتُ إليهِ مسرعًا وقد حضرهُ قومٌ منَ الأنصارِ وهوَ يقولُ أو يقالُ على لسانِ الأوسَطِ أجلدُ القومِ الَّذي كانَ لا يبالي في اللَّهِ عزَّ وجلَّ لومةَ لائمٍ كانَ لا يأمُرُ النَّاسَ أن يأكُلَ قويُّهم ضعيفَهم عبدُ اللَّهِ أميرُ المؤمنينَ صدقَ صدقَ كانَ ذلكَ في الكتابِ الأوَّلِ قالَ ثمَّ قالَ عثمانُ أميرُ المؤمنينَ وهوَ يعافِي النَّاسَ من ذنوبٍ كثيرةٍ خلت ليلتانِ وهيَ أربعٌ ثمَّ اختلفَ النَّاسُ وأكلَ بعضُهم بعضًا فلا نظامَ وأبيحتِ الأحماءُ ثمَّ ارعوى المؤمنونَ وقالوا كتابُ اللَّهِ وقدرُهُ أيُّها النَّاسُ أقبِلوا على أميرِكم واسمعوا وأطيعوا فمن تولَّى فلا يعهَدنَّ ذَمًّا كانَ أمرُ اللَّهِ قدَرًا مقدورًا اللَّهُ أكبرُ هذهِ الجنَّةُ وهذهِ النَّارُ هؤلاءِ والنَّبيُّونَ والصِّدِّيقونَ سلامٌ عليكَ يا عبدَ اللَّهِ بنَ رواحةَ هل أحسستَ لي خارِجةَ لأبيهِ وسعدًا اللَّذينِ قُتِلا يومَ أُحُدٍ كَلَّا إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِلشَّوَى تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعَى ثمَّ خفضَ صوتَهُ فسألتُ الرَّهطَ عمَّا سبقني من كلامِه فقالوا سمعناهُ يقولُ أنصِتوا أنصِتوا فنظرَ بعضُنا إلى بعضٍ فإذا الصَّوتُ من تحتِ الثِّيابِ فكشفنا عن وجههِ فقالَ هذا أحمدُ رسولِ اللَّهِ سلامٌ عليكَ يا رسولَ اللَّهِ ورحمةُ اللَّهِ وبركاتُهُ ثمَّ قالَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ الأمينُ خليفةُ رسولِ اللَّهِ كانَ ضعيفًا في جسمِهِ قويًّا في أمرِ اللَّهِ صدقَ صدقَ وكانَ في الكتابِ الأوَّلِ
أيَّد اللَّهُ أنبياءَه بمُعجِزاتٍ ظاهرةٍ تَدُلُّ على صِدقِ دَعوتِهم ونُبوَّتِهم، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من أكثَرِ الأنبياءِ مُعجِزاتٍ؛ فله من المُعجِزاتِ والآياتِ الدَّالَّةِ على صِدقِه الشَّيءُ الكَثيرُ، ومِن ذلك أنَّ اللَّهَ جَعَل بَعضَ الأمواتِ يَشهَدونَ للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالرِّسالةِ وللقائِمينَ بَعدَه بالخِلافةِ، ومِن ذلك ما أخبَرَ به إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ -وهو أحَدُ التَّابِعينَ- أنَّ يَزيدَ بنَ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ -وهو أحَدُ التَّابِعينَ- جاءَهم إلى حَلقةِ القاسِمِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ -وهو أحَدُ التَّابِعينَ- بكِتابِ أبيه النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ الصَّحابيِّ رَضِيَ اللهُ عنه، وكان في هذا الكِتابِ: بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ، مِنَ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ إلى أُمِّ عَبدِ اللهِ بنتِ أبي هاشِمٍ، سَلامٌ عليكِ.
بَدَأها بالسَّلامِ؛ فإنِّي أحمَدُ إليك اللَّهَ الذي لا إلهَ إلَّا هو، أي: أحمَدُ اللَّهَ تعالى حَمدًا كَثيرًا حتَّى يَصِلَ حَمدُه إليك.
فإنَّك كَتَبتِ إليَّ لأكتُبَ إليكِ بشَأنِ زَيدِ بنِ خارِجةَ، أي: بما كان مِن شَأنِ زَيدِ بنِ خارِجةَ رَضِيَ اللهُ عنه، وهو صَحابيٌّ توُفِّيَ في خِلافةِ عُثمانَ، وأنَّه كان مِن شَأنِه، أي: حالِه وخَبَرِه، أنَّه أخَذَه وَجَعٌ، أي: ألمٌ، في حَلقِه، وهو يَومئِذٌ مِن أصَحِّ أهلِ المَدينةِ، أي: كان سَليمًا ليسَ به مَرَضٌ وأتاه المَرَضُ فجأةً، فتوُفِّيَ بَينَ صَلاةِ الأولى، أي: صَلاةِ الظُّهرِ، وصَلاةِ العَصرِ، فأضجَعْناه لظَهرِه، أي: جَعَلوه مُستَلقيًا على ظَهرِه، وغَشَّيناه بُردَينِ وكِساءً، أي: غَطَّوه ببُردَينِ، والبُردةُ ثيابٌ مُخَطَّطةٌ.
وقيل: كِساءٌ أسودُ مُرَبَّعٌ فيه صغرٌ تَلبَسُه الأعرابُ، يَقولُ النُّعمانُ: فأتاني آتٍ في مَقامي، أي: في مَكاني الذي أنا فيه، وأنا أُسَبِّحُ بَعدَ العَصرِ، أي: آتي بالأذكارِ والأورادِ، وفي رِوايةٍ: أُسَبِّحُ بَعدَ المَغرِبِ، فيَكونُ التَّسبيحُ صَلاةَ النَّافِلةِ، واللهُ أعلمُ، فقال: إنَّ زَيدًا قد تَكَلَّمَ بَعدَ وفاتِه! أي: حَصَلت حادِثةٌ غَريبةٌ وعَجيبةٌ؛ أنَّ زَيدًا تَكَلَّمَ بَعدَ مَوتِه! يَقولُ النُّعمانُ: فانصَرَفتُ إليه مُسرِعًا، أي: أقَبَلتُ إلى المَكانِ الذي فيه زيدٌ حتَّى أنظُرَ ذلك وما قالوا فيه، وقد حَضَرَه قَومٌ مِنَ الأنصارِ، أي: كان قد سَبَقَ جَماعةٌ مِنَ الأنصارِ إلى مَكانِ زَيدٍ، وهو يَقولُ، أي: زَيدٌ، أو يُقالُ على لسانِه، أي: هناكَ شَخصٌ يَتَكَلَّمُ بلسانِ وصَوتِ زَيدٍ: الأوسَطُ أجلَدُ القَومِ.
وفي رِوايةٍ: الأوسَطُ أجلدُ الثَّلاثةِ، أي: يَقصِدُ بذلك الأوسَطَ مِنَ الخُلفاءِ، وهو عُمَرُ، كَما جاءَ في رِوايةٍ أُخرى موضِّحةٍ؛ فإنَّه كان أقواهم وأشَدَّهم تَمَسُّكًا وعَزيمةً، الذي كان لا يُبالي في اللهِ عَزَّ وجَلَّ لومةَ لائِمٍ، أي: أنَّ عُمَرَ كان يَقولُ الحَقَّ ولا يَخافُ أحَدًا في اللهِ، فكان لا يَأمُرُ النَّاسَ أن يَأكُلَ قَويُّهم ضَعيفَهم، أي: كان يُذَكِّرُ النَّاسَ بأن لا يَعتَديَ القَويُّ على الضَّعيفِ ويَأكُلَ مالَه، وهو عَبدُ اللهِ أميرُ المُؤمِنينَ، صَدَق صَدَق، وفي رِوايةٍ: عَبدُ اللهِ عُمَرُ أميرُ المُؤمِنينَ، كان ذلك في الكِتابِ الأوَّلِ، أي: فقد كان عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه أميرَ المُؤمِنينَ حَقًّا وصِدقًا، وذِكرُه مَوجودٌ في الكِتابِ الأوَّلِ، ولعَلَّه يَقصِدُ الكُتُبَ السَّابقةَ.
ثُمَّ قال: عُثمانُ أميرُ المُؤمِنينَ وهو يُعافي النَّاسَ مِن ذُنوبٍ كَثيرةٍ، أي: كان عُثمانُ يَعفو عنِ النَّاسِ فيما يَقَعونَ مِنَ الذُّنوبِ والتَّقصيرِ، ويَتَجاوزُ عنهم، ويَقومُ فيهم بأمرِ اللَّهِ.
خَلَت ليلتانِ: المَقصودُ باللَّيلتَينِ السَّنَتانِ الأوليانِ مِن خِلافةِ عُثمانَ، وهيَ أربَعٌ، أي: بَقيَت أربَعُ سِنينَ، ثُمَّ اختَلف النَّاسُ، أي: حَصَل الخِلافُ، فأكَل النَّاسُ بَعضُهم بَعضًا، فلا نِظامَ، أي: ليسَ هناكَ خَليفةٌ يَردَعُهم واختَلَّ نِظامُ الحُكمِ، وأُبيحَتِ الأحماءُ، أي: استُبيحَتِ الأشياءُ المَمنوعةُ المَحميَّةُ والمصونةُ، ثُمَّ ارعَوى المُؤمِنونَ، أي: أفاقوا وقالوا: كِتابُ اللهِ وقَدَرُه، أي: أنَّ ما حَدَثَ هو بقدَرِ اللهِ تعالى، أيُّها النَّاسُ، أقبِلوا على أميرِكُم واسمَعوا وأطيعوا، أي: فعليكُم أيُّها النَّاسُ حتَّى يَنتَهيَ هذا الخِلافُ والفِتنةُ أن تَجتَمِعوا على أميرِكُم وتَسمَعوا له وتُطيعوا، فمَن تَولَّى، أي: أعرَضَ عن ذلك، فلا يَعهَدنَّ ذَمًّا.
ولعَلَّه ""دَمًا""، أي: فلا يَسفِكْ دَمَ أحَدٍ، كان أمرُ اللهِ قدَرًا مَقدورًا، اللَّهُ أكبَرُ، هذه الجَنَّةُ وهذه النَّارُ، وهؤلاء النَّبيُّونَ والصِّدِّيقونَ، أي: شَهِدَ بوُجودِ الجَنَّةِ والنَّارِ والرُّسُلِ والصِّدِّيقينَ، سَلامٌ عليك يا عَبدَ اللهِ بنَ رَواحةَ، وكان قدِ استُشهدَ في مَعرَكةِ مُؤتةَ رَضِيَ اللهُ عنه، هَل أحسَستَ لي خارِجةَ لأبيه، أي: والِدَ زَيدٍ، وسَعدًا.
وهو سَعدُ بنُ خارِجةَ أخو زَيدٍ، وقد قُتِلا يَومَ أُحُدٍ.
والمَعنى: أنَّ زَيدًا يَسألُ ابنَ رَواحةَ الذي تَقدَّمَت وفاتُه هَل وَجَدَ والِدَه خارِجةَ وأخاه سَعدًا، وكانا قُتِلا في غَزوةِ أُحُدٍ، ثُمَّ قال يُخبرُ عنِ النَّارِ: {كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَى} [المعارج: 15 - 18] ، ثُمَّ خَفضَ صَوتَه، أي: خَفَت بمَعنى أنَّه سَكَتَ عنِ الكَلامِ.
يَقولُ النُّعمانُ: فسَألتُ الرَّهطَ، أي: الجَماعةَ، عَمَّا سَبَقَني مِن كَلامِه، أي: قُلتُ لهم: ماذا قال زَيدٌ مِنَ الكَلامِ أوَّلَ ما تَكَلَّمَ قَبلَ أن آتيَ إليكُم؟ فقالوا: سَمِعناه يَقولُ: أنصِتوا أنصِتوا، أي: اسكُتوا حتَّى أُحَدِّثَكُم، فنَظَرَ بَعضُنا إلى بَعضٍ، فإذا الصَّوتُ مِن تَحتِ الثِّيابِ، أي: وجَدنا الصَّوتَ يَأتينا مِن تَحتِ الثِّيابِ التي غَطَّينا بها زَيدًا، فكَشَفنا عن وَجهِه.
فقال لنا زَيدٌ: هذا أحمَدُ رَسولُ اللهِ، أي: شَهدَ للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالرِّسالةِ، ثُمَّ سَلَّمَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: سَلامٌ عليك يا رَسولَ اللهِ ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه، ثُمَّ قال: أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ الأمينُ خَليفةُ رَسولِ اللهِ، كان ضَعيفًا في جِسمِه، أي: نَحيفًا، قَويًّا في أمرِ اللهِ، أي: قائِمًا بقوَّةٍ وعَزيمةٍ في دينِ اللهِ، صَدَق صَدَق، وكان في الكِتابِ الأوَّلِ، أي: أنَّه كان خَليفةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَقًّا وصِدقًا، وكان ذِكرُ أبي بَكرٍ في الكِتابِ الأوَّلِ، ولعَلَّه يَقصِدُ الكُتُبَ السَّابقةَ.
والمَعنى: أنَّ زَيدًا كان أوَّلَ ما تَكَلَّمَ به أن شَهِدَ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالرِّسالةِ، ثُمَّ شَهِدَ لأبي بَكرٍ بالخِلافةِ بَعدَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنَّه قامَ بها بحَقِّها، ثُمَّ شَهِدَ لعُمَرَ بقيامِه بالخِلافةِ بحَقِّها أيضًا ونُصحِه للأُمَّةِ، ثُمَّ شَهدَ لعُثمانَ وأنَّه كان حاميًا للنَّاسِ مِنَ الوُقوعِ في الفِتَنِ، ثُمَّ وقَعَتِ الفِتَنُ، وإنَّما لم يَذكُرْ خِلافةَ عليٍّ؛ لكَونِ زَيدٍ توُفِّيَ في خِلافةِ عُثمانَ، ولم يُدرِكِ النُّعمانُ مِن كَلامِ زيدٍ إلَّا مِن كَلامِه على عُمَرَ، وحَدَّثَه القَومُ بدايةَ الكَلامِ الذي قاله زَيدٌ.
وفي الحَديثِ آيةٌ ظاهِرةٌ تَشهَدُ بصِدقِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لكَونِ المَيِّتِ شَهدَ له.
وفيه شَهادةُ زَيدٍ بالخِلافةِ لأبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، ثُمَّ لعُمَرَ ثُمَّ لعُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنهم.
وفيه بَيانُ كَمالِ قُدرةِ اللهِ تعالى على جَعلِ المَيِّتِ يَتَكَلَّمُ بَعدَ مَوتِه.
وفيه كَرامةٌ لزَيدِ بنِ خارِجةَ رَضِيَ اللهُ عنه .