- لَمَّا قَدِمَ علينا مُعاويةُ حاجًّا، قَدِمْنا معه مكَّةَ، قال: فصَلَّى بنا الظُّهرَ رَكعتَينِ، ثمَّ انصرَفَ إلى دارِ النَّدْوةِ، قال: وكان عُثمانُ حينَ أتَمَّ الصَّلاةَ إذا قَدِمَ مكَّةَ صَلَّى بها الظُّهرَ والعصرَ والعِشاءَ الآخِرةَ أرْبعًا أرْبعًا، فإذا خرَجَ إلى مِنًى وعَرَفاتٍ قصَرَ الصَّلاةَ، فإذا فرَغَ مِنَ الحجِّ وأقامَ بمِنًى أتَمَّ الصَّلاةَ حتى يَخرُجَ مِن مكَّةَ، فلمَّا صَلَّى بنا مُعاويةُ الظُّهرَ رَكعتَينِ نهَضَ إليه مَرْوانُ بنُ الحَكَمِ وعَمرُو بنُ عثمانَ، فقالَا له: ما عابَ أحَدٌ ابنَ عمِّكَ بأَقْبَحِ ما عِبْتَه به! فقال لهما: وما ذاكَ؟ قال: فقالَا له: ألم تَعْلَمْ أنَّه أتَمَّ الصَّلاةَ بمكَّةَ؟ قال: فقال لهما: وَيْحَكُما! وهلْ كان غيْرُ ما صنَعْتُ؟! قد صَلَّيْتُهما مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ومع أبي بكرٍ وعُمرَ رضيَ اللهُ عنهما.

قالا: فإنَّ ابنَ عمِّكَ قد كان أَتَمَّها ، وإنَّ خِلافَكَ إيَّاهُ له عَيبٌ.

قال: فخرَجَ معاويةُ إلى العصرِ فصَلَّاها بنا أرْبعًا.

الدلالات الموضوعية:# سفر - قصر الصلاة وكم يقيم ليقصر# سفر - يقصر إذا خرج من موضعه# سفر - متى يتم المسافر# حج - قصر الصلاة بمنى# إحسان - الأخذ بالرخصة
المصدر: تخريج المسند لشعيب
الراوي: معاوية بن أبي سفيان
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده حسن

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (16857) واللفظ له، والطبراني (19/333) (765)

الشرح والتوضيح

من الأحكامِ المُتَعلِّقةِ بالصَّلاةِ في حالِ السَّفَرِ قَصرُ الصَّلاةِ الرُّباعيَّةِ إلى رَكعَتَينِ، وذلك إذا صَلَّى المُسافِرُ منفَرِدًا أو صَلَّى مَعَ مُسافِرينَ وقَصَروا، وقد كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقصُرُ في جَميعِ أسفارِه، وهَكَذا قَصَرَ أبو بَكرٍ وعُمَرُ مِن بَعدِه في السَّفرِ، فلمَّا كان عَهدُ عُثمانَ كان عُثمانُ يُتِمُّ الصَّلاةَ الرُّباعيَّةَ ولا يَقصُرُ، ولعَلَّ سَبَبَ إتمامِ عُثمانَ أنَّه كان يَرى القَصرَ مختصًّا بمَن كان سائرًا، وأمَّا مَن أقامَ في مَكانٍ في أثناءِ سَفرِه فله حُكمُ المُقيمِ فيُتِمُّ، وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ عَبَّادُ بنُ عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ -وهو أحَدُ التَّابِعينَ- فيَقولُ: إنَّه لمَّا قدِمَ مُعاويةُ رَضِيَ اللهُ عنه حاجًّا -أي: مِنَ الشَّامِ، فإنَّ مُعاويةَ كان في الشَّامِ- أنَّهم قَدِموا مَعَه إلى مَكَّةَ، فصَلَّى بهم مُعاويةُ الظُّهرَ رَكعَتَينِ، ثُمَّ انصَرَف إلى دارِ النَّدوةِ.

وهيَ دارٌ بمَكَّةَ كان المُشرِكونَ يَجتَمِعونَ فيها في الجاهليَّةِ، يَقولُ عَبَّادٌ: وكان عُثمانُ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه حينَ أتَمَّ الصَّلاةَ إذا قدِمَ مَكَّةَ، أي: أنَّ عُثمانَ كان يُتِمُّ الصَّلاةَ ولا يَقصُرُها إذا قَدِمَ مَكَّةَ، فكان يُصَلِّي بهمُ الظُّهرَ والعَصرَ والعِشاءَ الآخِرةَ أربَعًا أربَعًا، أي: كامِلاتٍ بدونِ قَصرٍ، وإذا خَرَجَ إلى مِنًى وعَرَفاتٍ قَصَر الصَّلاةَ، أي: لأنَّه كان يَرى أنَّه مُسافِرٌ وليسَ بمُقيمٍ في مَكانِه؛ فلذلك كان يُتِمُّ بمَكَّةَ لأنَّه مُقيمٌ بها، ويَقصُرُ إذا خَرَجَ مِنها لأنَّه مُسافِرٌ، فإذا فرَغَ مِنَ الحَجِّ، أي: انتَهى مِن مَناسِكِ الحَجِّ وأتَمَّها ورَجَعَ وأقامَ بمِنًى، أي: أيَّامَ التَّشريقِ، أتَمَّ الصَّلاةَ حتَّى يَخرُجَ مِن مَكَّةَ؛ لأنَّه كان مُقيمًا بها، فيَرى أنَّ الإتمامَ يَلزَمُه لا القَصرَ.

يَقولُ عَبَّادٌ: فلمَّا صَلَّى بنا مُعاويةُ الظُّهرَ رَكعَتَينِ نَهَضَ إليه مَروانُ بنُ الحَكَمِ وعَمرُو بنُ عُثمانَ، فقالا له: ما عابَ أحَدٌ ابنَ عَمِّك -يَقصِدانِ عُثمانَ، فهو مِن بَني عُمومةِ مُعاويةَ- بأقبَحَ ممَّا عِبتَه به! أي: أنَّك يا مُعاويةُ عِبتَ عُثمانَ بعَيبٍ قَبيحٍ لم يَعِبْه أحَدٌ قَبلَك.

فقال لهما مُعاويةُ: وما ذاكَ؟! أي: وما الذي صَنَعتُه أو فعَلتُه مِنَ العَيبِ بعُثمانَ؟ فقالا له: ألم تَعلَمْ أنَّه أتَمَّ الصَّلاةَ بمَكَّةَ؟ أي: أنَّ عُثمانَ كان إذا قَدِمَ مَكَّةَ أتمَّ الصَّلاةَ، وأنتَ قَصَرتَها، فإذا رَأى النَّاسُ فِعلَك هذا ومُخالفَتَك لعُثمانَ عَدُّوا ذلك عَيبًا في عُثمانَ.

فقال لهما مُعاويةُ: وَيحَكُما! وهَل كان غَيرُ ما صَنَعتُ؟! أي: ما وُجِدَ في الدِّينِ أو في السُّنَّةِ إلَّا ما صَنَعتُ مِنَ القَصرِ لا ما صَنَعَ عُثمانُ مِنَ الإتمامِ، قد صَلَّيتُهما، أي: أنِّي قد صَلَّيتُ هاتَينِ الرَّكعَتَينِ، قَصرًا مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومَعَ أبي بَكرٍ وعُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما، أي: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبا بَكرٍ وعُمَرَ كانوا يَقصُرونَ وكُنتُ مَعَهم.

وفي رِوايةٍ أُخرى أنَّه قال: هذه سُنَّةٌ صَلَّيتُها مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومَعَ أبي بَكرٍ وعُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما، فقال مَروانُ وعَمرٌو: فإنَّ ابنَ عَمِّك قد كان أتَمَّها، أي: لكِنَّ عُثمانَ -وهو ابنُ عَمِّك- قد أتَمَّ ولم يَقصُرْ، وإنَّ خِلافَك إيَّاه له عَيبٌ، أي: وكَونُك تَقصُرُ الصَّلاةَ يُعَدُّ قدحًا في عُثمانَ، فلا داعيَ أن تَقصُرَ وتَجلِبَ العَيبَ لعُثمانَ، فعِندَ ذلك خَرَجَ مُعاويةُ إلى العَصرِ فصَلَّاها بنا أربَعًا، أي: صَلَّى بهمُ الصَّلاةَ أربَعَ رَكَعاتٍ تامَّةٍ مِن غَيرِ قَصرٍ؛ اقتِداءً بعُثمانَ، وحتَّى لا يَكونَ قَصرُه للصَّلاةِ عَيبًا وقَدحًا في عُثمانَ.

وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ قَصرِ الصَّلاةِ الرُّباعيَّةِ إلى رَكعَتَينِ في السَّفرِ.

وفيه مَشروعيَّةُ إتمامِ الصَّلاةِ الرُّباعيَّةِ في السَّفرِ .

الأصول والأحكام

[مسند أحمد] (28/ 71 ط الرسالة) ((16857- حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد قال: لما قدم علينا معاوية حاجا قدمنا معه مكة، قال: فصلى بنا الظهر ركعتين، ثم انصرف إلى دار الندوة، قال: وكان عثمان- حين أتم الصلاة- إذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعا أربعا، فإذا خرج إلى منى وعرفات قصر الصلاة، فإذا فرغ من الحج وأقام بمنى أتم الصلاة حتى يخرج من مكة، فلما صلى بنا معاوية الظهر ركعتين نهض إليه مروان بن الحكم وعمرو بن عثمان، فقالا له: ما عاب أحد ابن عمك بأقبح ما عبته به، فقال لهما: وما ذاك؟ قال: فقالا له: ألم تعلم أنه أتم الصلاة بمكة، قال: فقال لهما: ويحكما، وهل كان غير ما صنعت؟! قد صليتهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، قالا: فإن ابن عمك قد كان أتمها، وإن خلافك إياه له عيب، قال: فخرج معاوية إلى العصر فصلاها بنا أربعا)).

[المعجم الكبير – للطبراني]- دار إحياء التراث (19/ 333) 765- حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا علي بن المديني، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد بن عبد الله قال: حججنا مع معاوية عام حج، فصلى الظهر ركعتين، ثم دخل عليه مروان بن الحكم، وعمرو بن عثمان فقالا: ما هذه الصلاة؟ فقال: هذه سنة صليتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما، فقالا: كان ابن عمك أتمها أربعا، فقال: ما ذكرت إلا هذا.

أحاديث ذات صلة