كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يُحرِّكُ شفَتيهِ بِشيءٍ أيَّامَ خيبَرَ إذا صلَى الغداةَ، فقُلنا : يا رسولَ اللَّهِ لا تزالُ تُحرِّكُ شفتيكَ بِشيءٍ، بعدَ صلاةِ الغداةِ ولَم يكُن يفعَلُهُ فقالَ : إنَّ نبيًّا كان قبلَنا أعجبتْهُ كثرةُ أمَّتِهِ فقالَ : لا يرومُ هؤلاءِ – أحسَبهُ قالَ - شيءٌ فأوحى اللَّهُ إليهِ أن خَيِّرْ أمَّتَكَ بينَ إحدى ثلاثٍ إمَّا أن يُسلَّطَ عليهِمُ الجوعُ أو العدوُّ أو الموتُ، فعَرضَ عليهِم ذلكَ فقالوا : أمَّا الجوعُ فلا طاقَةَ لنا بهِ، ولا العدوُّ، ولكنِ الموتُ، فمات منهُم في ثلاثةِ أيَّامٍ سبعونَ ألفًا، فأنا اليومَ أقولُ : اللَّهُمَّ بِكَ أحاوِلُ وبكَ أقاتِلُ وبكَ أصاوِلُ

الدلالات الموضوعية:# أدعية وأذكار - أذكار الجهاد# مغازي - غزوة خيبر# جهاد - الذكر عند اللقاء والدعاء# علم - القصص# أنبياء - عام
المصدر: نتائج الأفكار
الراوي: صهيب بن سنان الرومي
المحدث: ابن حجر العسقلاني
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (18940)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (8579) بلفظ: "أيام حنين"، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (1483) مختصراً باختلاف يسير

الشرح والتوضيح

كان الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم يَحرِصونَ على تَتَبُّعِ هَدْيِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في كُلِّ أُمورِه وأحوالِه؛ حِرصًا مِنهم على الِاقتِداءِ به، ومِن ذلك حِرصُهم على مَعرِفةِ جَميعِ أفعالِه وأقوالِه في الصَّلاةِ لا سيَّما الأقوالِ التي يُسِرُّ بها ولا يَسمَعونَها، ثُمَّ يَسألونَه عَمَّا أسَرَّ به في صَلاتِه، وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ صُهَيبُ بنُ سِنانٍ الرُّوميُّ رَضِيَ اللهُ عنه، فيَقولُ: كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُحَرِّكُ شَفتَيه بشَيءٍ إذا صَلَّى الغَداةَ، أي: صَلاةَ الفَجرِ، والمَعنى: أنَّه كان يَتَكَلَّمُ بكَلامٍ خَفيٍّ لا يَسمَعُه الصَّحابةُ، وذلك أيَّامَ خَيبَرَ، أي: أيَّامَ غَزوةِ خَيبَرَ، فسَألوه فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، لا تَزالُ تُحَرِّكُ شَفتَيك بشَيءٍ بَعدَ صَلاةِ الغَداةِ، ولم يَكُنْ يَفعَلُه، أي: لم يكُنْ مِن عادَتِك أن تَفعَلَ ذلك، فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إن نَبيًّا كان قَبلَنا أعجَبَته كَثرةُ أُمَّتِه، فقال: لا يَرومُ هَؤُلاءِ -أحسُبُه قال- شَيءٌ! أي: لا يَستَطيعُ أحَدٌ طَلَبَ وقِتالَ أُمَّتي، والمَعنى: أنَّ اللَّهَ أعطى هذا النَّبيَّ جُندًا كَثيرينَ مِن قَومِه، فأُعجِبَ بهم لقوَّتِهم، وكَأنَّه لم يُرجِعْ سَبَبَ قوَّتِهم إلى اللهِ، فقال هذا النَّبيُّ: لا يَرومُ هَؤُلاءِ شَيءٌ، أي: لا يُكافِئُهم أحَدٌ في القوَّةِ والعَدَدِ، أو مَن يَقومُ لهم.

فأعجَبَه كَثرَتُهم، وفَهِم أنَّه لا يَقدِرُ أحَدٌ على مُقاومَتِهم وغَفَل عنِ التَّبريكِ لهم.

فأوحى اللهُ إلى هذا النَّبيِّ أن خَيِّرْ أُمَّتَك بَينَ إحدى ثَلاثِ خِصالٍ: إمَّا أن يُسَلِّطَ عليهمُ الجوعَ، أي: يُرسِلَ عليهمُ الجوعَ، أوِ العَدوَّ، أي: يُرسِلَ عليهم عَدوًّا مِن خارِجِهم فيَقضوا عليهم، أوِ المَوتَ، فعَرَضَ هذا النَّبيُّ هذه الخِصالَ على قَومِه، فقالوا له: أمَّا الجوعُ فلا طاقةَ لنا به، أي: لا صَبرَ لهم على الجوعِ، ولا العَدوِّ، أي: لا نريدُ أن يُسَلَّطَ علينا عَدوٌّ مِن خارِجِنا، ولكِنِ المَوتُ، أي: اختاروا المَوتَ، فماتَ مِنهم في ثَلاثةِ أيَّامٍ سَبعونَ ألفًا! أي: ماتَ خِلالَ الثَّلاثةِ الأيَّامِ سَبعونَ ألفًا، ثُمَّ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم مُبَيِّنًا لهمُ الكَلامَ الذي كان يُحَرِّكُ به شَفتَيه: فأنا اليَومَ أقولُ: اللهُمَّ بك أُحاوِلُ، أي: بحَولِك وقوَّتِك وعَونِك ونُصرَتِك، وبك أُقاتِلُ، أي: الأعداءَ وأقهَرُهم، وبك أصاوِلُ.

الصَّولةُ: الحَملةُ والوَثبةُ، أي: بك يا اللَّهُ أحمِلُ على العَدوِّ حتَّى أغلِبَه وأقهَرَه وأستَأصِلَه.

والمَعنى: أنَّه يُسنِدُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَولَه وقَوَّتَه إلى اللهِ تعالى؛ خَشيةَ أن يَقَعَ في أُمَّتِه مِثلُ ما وقَعَ لهذا النَّبيِّ عليه السَّلامُ.

وفي الحَديثِ حِرصُ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم على تَتَبُّعِ أحوالِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في صَلاتِه.

وفيه الإرشادُ إلى نِسبةِ الأُمورِ إلى اللهِ تعالى.

وفيه التَّبَرُّؤُ مِنَ الحَولِ والقوَّةِ خُصوصًا إذا رَأى الإنسانُ ما يُعجِبُه في نَفسِه أو غَيرِه.

وفيه مَشروعيَّةُ الدُّعاءِ بقَولِ: رَبِّي بك أُقاتِلُ وبك أصاوِلُ وبك أُحاوِلُ .

أحاديث ذات صلة