لمَّا أُتِيَ عُمَرُ بكُنوزِ كِسْرى، قالَ لَهُ عبدُ اللَّهِ بنُ الأرقَمِ الزُّهْرِيُّ: أَلَا تجعَلَها في بَيتِ المالِ حتَّى تقسمَها؟ قالَ: لا يُظِلُّها سَقفٌ حتَّى أُمضِيَها، فأمَرَ بِها، فوُضِعَتْ في صُوحِ المسجِدِ، وباتوا يَحرُسونَها، فلمَّا أصبَحَ أمَرَ بِها فكُشِفَ عَنْها، فرأى فيها مِنَ الحمراءِ والبيضاءِ ما يَكادُ يتلألأُ مِنهُ البصرُ، قالَ: فبَكى عُمَرُ، فقالَ لَهُ عبدُ الرَّحمنِ: ما يُبْكِيكَ يا أميرَ المؤمنينَ؟ فواللَّهِ إنْ كانَ هذا لَيَومَ شُكْرٍ، ويومَ سُرورٍ، ويومَ فرحٍ، فقالَ عُمَرُ: كَلَّا، إنَّ هذا لَمْ يُعْطَهُ قومٌ إلَّا أُلْقِيَ بَينَهُمُ العداوةُ والبغضاءُ، ثُمَّ قالَ: أَنَكِيلُ لهم بالصَّاعِ، أم نَحْثو؟ فقالَ عليٌّ: بَلِ احْثُ لهم، ثُمَّ دَعا حسَنَ بنَ عليٍّ أوَّلَ النَّاسِ، فحَثَا لهُ، ثُمَّ دَعا حُسَينًا، ثُمَّ أعطى النَّاسَ، ودوَّنَ الدَّواوينَ، وفرَضَ للمُهاجِرينَ لكلِّ رجُلٍ مِنْهم خمسةَ آلافِ درهمٍ في كلِّ سَنةٍ، وللأنصارِ لكلِّ رجُلٍ مِنْهم أربعةَ آلافِ درهمٍ، وفرَضَ لأزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لكلِّ امرأةٍ مِنْهُنَّ اثْنَيْ عشَرَ ألفَ درهمٍ، إلَّا صفَّيَة وجُوَيْرِيَةَ، فرَضَ لكلِّ واحدةٍ مِنْهُما سِتَّةَ آلافِ درهمٍ.
قالَ مَعْمَرٌ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، وقَتادةَ، قالا: فرَضَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ لأهلِ بدرٍ للمُهاجِرينَ مِنْهُمْ لكلِّ رجُلٍ سِتَّةَ آلافِ درهمٍ.
أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (2742) واللفظ له، وعبد الرزاق (20036) بنحوه، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (44/ 338) مختصرًا.
تولِّي أمرِ المُسلمينَ والقيامُ عليهم مَنزِلةٌ كَبيرةٌ يَتَرَتَّبُ عليها واجِباتٌ على الوالي تِجاهَ رَعيَّتِه؛ فالوالي مسؤولٌ عن رَعيَّتِه، كما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: الإمامُ راعٍ ومسؤولٌ عن رَعيَّتِه، فعليه أن يَنصَحَ لهم ويُذَكِّرَهم ويَأمُرَهم بالخَيرِ ويَنهاهم عنِ الشَّرِّ، ويُعَلِّمَهم أمرَ دينِهم، ويُقَسِّمَ بَينَهم أموالَ الغَنائِمِ والجِزيةِ وغَيرِها حَسَبَ مَنزِلَتِهم وسابقَتِهم في الدِّينِ؛ ولهذا كان أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه يَقومُ بهذا الواجِبِ أتَمَّ القيامَ، وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ إبراهيمُ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ -أحَدُ التَّابِعينَ- أنَّه لمَّا أُتيَ عُمَرُ بكُنوزِ كِسرى، أي: جيءَ إلى عُمَرَ بكُنوزِ كِسرى مَلِكِ الفُرسِ، وكانت أموالًا كَثيرةً، قال عَبدُ اللَّهِ بنُ الأرقَمِ الزُّهريُّ رَضِيَ اللهُ عنه، وهو صَحابيٌّ، لعُمَرَ: ألا تَجعَلُها في بَيتِ المالِ حتَّى تُقَسِّمَها؟ أي: مُرْ بجَعلِ هذه الأموالِ في بَيتِ المالِ إلى وقتِ تَقسيمِها، فقال عُمَرُ: لا يُظِلُّها سَقفٌ حتَّى أُمضيَها، أي: لن أجعَلَ مَكانًا يَأويها ويُظِلُّها حتَّى أُقَسِّمَها كُلَّها على النَّاسِ.
ثُمَّ أمَرَ عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه بهذه الكُنوزِ والأموالِ فوُضِعَت في صَوحِ المَسجِدِ، أي: ساحةِ المَسجِدِ، وباتوا يَحرُسونَها، أي: ظَلَّ الحَرَسُ يَحرُسونَ الكُنوزَ، وفي رِوايةٍ أنَّه جَعَل عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ وعَبدَ اللَّهِ بنَ الأرقَمِ يَحرُسانِها، فلمَّا أصبَحَ، أي: طَلعَ الصَّباحُ، أمَر عُمَرُ بهذه الكُنوزِ فكَشَف عنها، فرَأى فيها مِنَ الحَمراءِ والبَيضاءِ ما يَكادُ يَتَلألأُ مِنه البَصَرُ! الحَمراءُ يُقصَدُ به الذَّهَبُ، والبَيضاءُ يُقصَدُ به الفِضَّةُ، والمَعنى: أنَّها كانت مُضيئةً تَلمَعُ أمامَ نَظَرِ النَّاظِرِ، فلمَّا رَآها عُمَرُ بَكى، فقال له عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ عنه: ما يُبكيك يا أميرَ المُؤمِنينَ؟ فواللهِ إن كان هذا ليَومَ شُكرٍ، ويَومَ سُرورٍ، ويَومَ فرَحٍ، أي: ما الدَّاعي لأن تبكيَ في هذا اليَومِ، وهو وقتُ فرَحٍ وسُرورٍ؛ حَيثُ فتَحَ اللهُ علينا فارِسَ ومَلَّكَنا أموالَهم، فهو يَومٌ جَديرٌ بالسُّرورِ والشُّكرِ للهِ تعالى على ذلك.
فقال له عُمَرُ: كَلَّا، أي: ليسَ الأمرُ على ما ذَكَرتَ؛ فإنَّ هذا لم يُعطَه قَومٌ إلَّا أُلقيَ بَينَهمُ العَداوةُ والبَغضاءُ، أي: أنَّه ما أُعطيَ قَومٌ الأموالَ وكَثُرَت فيهم إلَّا حَصَل بَينَهمُ العَداوةُ والبَغضاءُ والحَسَدُ وحُبُّ الدُّنيا والفِتنةُ بهذا المالِ، وجاءَ في رِوايةٍ أنَّه قال: إنِّي سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: لا تُفتَحُ الدُّنيا على أحَدٍ إلَّا ألقى اللهُ عَزَّ وجَلَّ بَينَهمُ العَداوةَ والبَغضاءَ إلى يَومِ القيامةِ.
وأنا أُشفِقُ مِن ذلك.
ثُمَّ استَشارَ عُمَرُ أصحابَه، وقال لهم: أنَكيلُ لهم بالصَّاعِ، أم نحثو؟ أي: ما المُناسِبُ في تَوزيعِ هذا المالِ؟ هَل نَجعَلُه بالكَيلِ بالصَّاعِ، وهو عِبارةٌ عن أربَعةِ أمدادٍ، والمَدُ مِلءُ اليَدِ، أم نحثو لهم باليَدِ؟ فقال له عليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه: بَل احثُ لهم، أي: الأفضَلُ أن تَحثوَ لهم.
ثُمَّ قَسَّمَ عُمَرُ المالَ على حَسَبِ القَرابةِ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فدَعا حَسَنَ بنَ عليٍّ أوَّلَ النَّاسِ، أي: قدَّمَه وجَعَله مِن أوَّلِ مَن أعطاه لقَرابَتِه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فحَثا له مِن هذا المالِ، ثُمَّ دَعا حُسَينًا، أي: الحُسَينَ بنَ عَليٍّ، وأعطاه، ثُمَّ أعطى النَّاسَ، أي: قَسَّم على بَقيَّةِ النَّاسِ حَسَبَ مَنازِلِهم وسابقَتِهم في الإسلامِ، ودوَّنَ الدَّواوينَ.
الدِّيوانُ: هو السِّجِلُّ الذي يُكتَبُ فيه أسماءُ النَّاسِ، وفَرَض للمُهاجِرينَ لكُلِّ رَجُلٍ مِنهم خَمسةَ آلافِ دِرهَمٍ في كُلِّ سَنةٍ، أي: جَعَل عَطاءَ المُهاجِرينَ مِن بَيتِ المالِ كُلَّ سَنةٍ خَمسةَ آلافٍ، وللأنصارِ لكُلِّ رَجُلٍ مِنهم أربَعةَ آلافِ دِرهَمٍ، وفَرَض لأزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لكُلِّ امرَأةٍ مِنهنَّ اثنَي عَشَرَ ألفَ دِرهَمٍ، إلَّا صَفيَّةَ وجُوَيريَّةَ، فَرَض لكُلِّ واحِدةٍ مِنهما سِتَّةَ آلافِ دِرهَمٍ، أي: أنَّه أعطاهنَّ أقَلَّ مِن بَقيَّةِ أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وجاءَ في رِوايةٍ أنَّ ذلك بسَبَبٍ أنَّهنَّ لم يَكُنَّ مِنَ المُهاجِراتِ، وأنَّ عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت لعُمَرَ: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَعدِلُ بَينَنا، فعِندَ ذلك عَدَل عُمَرُ بَينَهنَّ.
قال مَعمَرٌ -وهو مَعمَرُ بنُ راشِدٍ أحَدُ رواةِ الحَديثِ-: عنِ الزُّهريِّ وقتادةَ -وهما مِنَ المُحَدِّثينَ- قالا: فَرَض عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه لأهلِ بَدرٍ للمُهاجِرينَ مِنهم لكُلِّ رَجُلٍ سِتَّةَ آلافِ دِرهَمٍ، أي: أنَّ عُمَرَ أعطى لكُلِّ مَن شارَكَ في غَزوةِ بَدرٍ وكان مهاجِريًّا لكُلِّ رَجُلٍ سِتَّةَ آلافِ دِرهَمٍ.
وفي الحَديثِ بَيانُ كَثرةِ الأموالِ والغَنائِمِ التي حَصَل عليها المُسلمونَ مِنَ الفُتوحاتِ.
وفيه بَيانُ أنَّ المالَ سَبَبٌ للعَداوةِ والبَغضاءِ.
وفيه أنَّ الخَليفةَ يُقَسِّمُ الأموالَ بَينَ النَّاسِ حَسَبَ مَنزِلتِهم وسابقَتِهم في الدِّينِ.
وفيه البَداءةُ بقَسمِ الأموالِ بآلِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وزَوجاتِه.
وفيه تَقديمُ المُهاجِرينَ على غَيرِهم.
وفيه فضلُ أصحابِ غَزوةِ بَدرٍ.
وفيه بَيانُ ما كان عليه عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه مِنَ الزُّهدِ في الدُّنيا .