قال رجلٌ لعُمرَ بنِ الخطَّابِ , رضي اللهُ عنه : إني لأعرِفُ أشدَّ آيةٍ في كتابِ اللهِ ، فأهوى عُمرُ فضرَبه بالدِّرَّةِ وقال : مالَكَ نقبتَ عنها حتى علِمْتَها ، فانصرِفْ حتى إذا كان الغَدُ قال له عُمرُ : الآيةَ التي ذكَرتَ بالأمسِ , قال : وهل ترَكتَني أخبرُكَ عنها ؟ فقال له عُمرُ : ما نِمتُ البارحةَ ، فقال : يا أميرَ المؤمِنينَ ، قال اللهُ , عزَّ وجلَّ : مَن يَعمَلْ سوءًا يُجزَ به ما مِن أحدٍ يَعمَلُ سوءًا إلا جُزِي به ، فقال عُمرُ : إنا حين نزَلَتْ ما نفَعَنا طعامٌ ولا شرابٌ حتى أَنزَل اللهُ , تبارَك وتعالى , بعدَ ذلك ورخَّص قال : ومَن يَعمَلْ سوءًا أو يَظلِمْ نفسَه ثم يَستَغفِرِ اللهَ يجِدِ اللهَ غفورًا رحيمًا
أخرجه ابن راهويه كما في ((إتحاف الخيرة)) للبوصيري (5671) بلفظه.
اشتَمَل القُرآنُ الكَريمُ على آياتِ الرَّجاءِ والوعيدِ؛ حتَّى يَكونَ المُؤمِنُ بَينَ الأمرَينِ: رَجاءِ ما عِندَ اللهِ تعالى، والخَوفِ مِن عِقابِه وعَذابِه، فيَحذَرُ الذُّنوبَ والمَعاصيَ، وإذا وقَعَ فيها استَغفرَ رَبَّه وتابَ إليه، وقد جاءَ أنَّ رَجُلًا قال لعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه: إنِّي لأعرِفُ أشَدَّ آيةٍ في كِتابِ اللهِ، أي: تَأمَّلتُ وعَرَفتُ الآيةَ الشَّديدةَ على النَّاسِ في كِتابِ اللهِ.
فأهوى عُمَرُ فضَرَبَه بالدِّرَّةِ -وهيَ الآلةُ التي يُضرَبُ بها كالسَّوطِ والعَصا- والمَعنى: أنَّ عُمَرَ أقبَل على الرَّجُلِ وضَرَبَه بهذه الدِّرَّةِ، وقال له: ما لكَ نَقَّبتَ؟! أي: بَحَثتَ عنها حتَّى عَلِمتَها، أي: يَزجُرُه ويَقولُ له: ما الدَّاعي لمِثلِ هذا الفِعلِ؟ فانصَرَف الرَّجُلُ، حتَّى إذا كان الغَدُ، أي: اليَومُ الثَّاني قال عُمَرُ للرَّجُلِ: الآيةُ التي ذَكَرتَ بالأمسِ، أي: أخبِرْني عنِ الآيةِ الشَّديدةِ التي ذَكَرتَ أمسِ أنَّك عَرَفتَها.
فقال الرَّجُلُ: وهَل تَرَكتَني أخبِرُك عنها؟! أي: أنَّك لم تُعطِني مَجالًا حتَّى أخبِرَك عنها، بَل أقبَلتَ وضَرَبتَني بالدِّرَّةِ.
فقال له عُمَرُ: ما نِمتُ البارِحةَ، وهيَ أقرَبُ ليلةٍ مَضَت، أي: أنَّ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه ظَلَّ مَشغولًا ببَيانِ: ما أشَدُّ آيةٍ في القُرآنِ ويُريدُ أن يَعرِفَها.
فقال الرَّجُلُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] ، أي: هذه الآيةُ هيَ أشَدُّ آيةٍ في القُرآنِ؛ فإنَّه ما مِن أحَدٍ يَعمَلُ سوءًا إلَّا جُزيَ به، أي: سَواءٌ كان هذا السُّوءُ صَغيرًا أو كَبيرًا، فقال له عُمَرُ: إنَّا حينَ نَزَلت، أي: حينَ نَزَلت هذه الآيةُ، ما نَفَعَنا طَعامٌ ولا شَرابٌ، أي: لعَلَّه لم نَنتَفِعْ ونَهنَأْ بالطَّعامِ والشَّرابِ لشِدَّةِ هذه الآيةِ؛ فقد جاءَ في رِوايةٍ: أنَّ هذه الآيةَ لمَّا نَزَلت شَقَّت على المُسلمينَ وأنَّهم بَكَوا وحَزِنوا، حتَّى أنزَل اللهُ تَبارَكَ وتعالى بَعدَ ذلك ورَخَّصَ، أي: خَفَّف ورَخَّصَ لنا بآيةٍ أُخرى، فقال: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 110] ، أي: إن وقَعَ في الذُّنوبِ والمَعاصي وظَلمَ نَفسَه بها فإنَّ اللَّهَ قد جَعَل له مِنها مَخرَجًا، بأن يَسألَ اللَّهَ ويَطلُبَ مِنه أن يَغفِرَ له ذُنوبَه، فإنَّ اللَّهَ سَوف يَغفِرُ له؛ فهو سُبحانَه الغَفورُ لعِبادِه الرَّحيمُ بهم.
والمَعنى: أنَّ اللَّهَ أخبَرَ عِبادَه بحِلمِه وعَفوِه وكَرَمِه وسَعةِ رَحمَتِه ومَغفِرَتِه، فمَن أذنَبَ ذَنَبًا صَغيرًا كان أو كَبيرًا ثُمَّ استَغفَرَ اللَّهَ، غَفرَ له، ولو كانت ذُنوبُه أعظَمَ مِنَ السَّمواتِ والأرضِ والجِبالِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ أشَدِّ آيةٍ في القُرآنِ.
وفيه بَيانُ سَعةِ رَحمةِ اللهِ لعِبادِه.
وفيه أنَّ مَن وقَعَ في ذَنبٍ فعليه أن يَستَغفِرَ اللَّهَ.
وفيه بَيانُ ما كان عليه عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه مِنَ الاهتِمامِ بمَسائِلِ العِلمِ.
وفيه مَشروعيَّةُ زَجرِ مَن يَتَكَلَّفُ في بَحثِ ما لم يُؤمَرْ به ولم يُطلَبْ مِنه مَعرِفتُه .
إتحاف الخيرة المهرة للبوصيري (معتمد) (6/ 198)
5671- قال إسحاق بن راهويه : وحدثنا أبو عامر العقدي ، حدثنا عبد الجليل , وهو ابن عطية , عن محمد بن المنتشر قال : قال رجل لعمر بن الخطاب , رضي الله عنه : إني لأعرف أشد آية في كتاب الله ، فأهوى عمر فضربه بالدرة وقال : مالك نقبت عنها حتى علمتها ، فانصرف حتى إذا كان الغد قال له عمر : الآية التي ذكرت بالأمس , قال : وهل تركتني أخبرك عنها ؟ فقال له عمر : ما نمت البارحة ، فقال : يا أمير المؤمنين ، قال الله , عز وجل : {من يعمل سوءا يجز به} ما من أحد يعمل سوءا إلا جزي به ، فقال عمر : إنا حين نزلت ما نفعنا طعام ولا شراب حتى أنزل الله , تبارك وتعالى , بعد ذلك ورخص قال : {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما}.
هذا إسناد صحيح