أنَّ رَجُلًا مُولَّدًا أطلَسَ من أهلِ مكَّةَ كان يَخدُمُ أبا بَكرٍ في خِلافَتِه، فلَطَفَ به حتى بَعَثَ أبو بَكرٍ رضِيَ اللهُ عنه مُصدِّقًا فبَعَثَه معه، وأَوْصاه به، فلَبِثَ قريبًا من شَهرٍ، ثم جاءَ يوضِعُ بَعيرَه قد قَطَعَه المُصدِّقُ، فلمَّا رَآه أبو بَكرٍ قال: وَيلَكَ ما لكَ؟، قال: يا أبا بَكرٍ، وَجَدَني خُنتُ فَريضةً، فقَطَعَ فيها يَدي، قال أبو بَكرٍ رضِيَ اللهُ عنه: قاتَلَ اللهُ هذا الذي قَطَعَ يَدَكَ في فَريضةٍ خُنتَها، واللهِ إنِّي لأَراه يَخونُ أكثَرَ من ثلاثينَ فَريضةً، والذي نَفْسي بيَدِه لئن كُنتَ صادِقًا لأُقيدَنَّكَ منه، فمَكَثَ عندَ أبي بَكرٍ بمَنزِلَتِه التي بها كان يقومُ، فيُصَلِّي منَ اللَّيلِ، فيَتَعارُّ أبو بَكرٍ عن فِراشِه، فإذا سَمِعَ قِراءَتَه فاضتْ عَيْناه، وقال: قاتَلَ اللهُ الذي قَطَعَ يَدَ هذا، قالت: فبَينا نحن على ذلك، طُرِقَتْ أسماءُ بنتُ عُمَيسٍ فسُرِقَ بيتُها، فلمَّا صَلَّى أبو بَكرٍ رضِيَ اللهُ عنه صَلاةَ الفَجرِ قامَ في الناسِ، فقال: إنَّ الحيَّ قد طُرِقوا اللَّيلَ فسُرِقوا، فانْفَضُّوا لابتِغاءِ متاعِهم، قالت: فاستأذَنَ علينا ذلك الأقطَعُ، وأنا جالِسةٌ في حِجالٍ، فقال: يا أبا بَكرٍ، سُرِقتُمُ الليلةَ؟ قال: نَعَمْ قال: فرَفَعَ يَدَه الصَّحيحةَ ويَدَه الجَذْماءَ، فقال: اللَّهُمَّ عَيِّنْ على سارِقِ أبي بَكرٍ، قالت: فواللهِ ما ارتَفَعَ النَّهارُ حتى أُخِذَتِ السَّرِقةُ من بيتِه، فأُتِيَ به أبو بَكرٍ، فقال له: وَيحَكَ، واللهِ ما أنتَ باللهِ بعالِمٍ، اذهَبوا به فاقطَعوه.
أخرجه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (5/ 75) بلفظه، وابن المبارك في ((المسند)) (149) باختلاف يسير، والدارقطني (3403) بنحوه.
بَيَّنَتِ الشَّريعةُ أحكامَ إقامةِ العُقوباتِ على الجُناةِ، وأنَّ العُقوبةَ لا بُدَّ أن تَكونَ إمَّا ببَيِّنةٍ أو إقرارِ المُتَّهَمِ على نَفسِه بالجِنايةِ، ومِن ذلك حَدُّ السَّرِقةِ، فلا تُقامُ إلَّا ببَيِّنةٍ أو إقرارِ السَّارِقِ على نَفسِه بالسَّرِقةِ.
وفي هذا الحَديثِ تُخبرُ عائِشةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ رَجُلًا مُوَلَّدًا وهو العَبدُ الذي يولَدُ بَينَ العَرَبِ ويَنشَأُ مَعَ أولادِهم، أطلَسَ، أي: أسودَ وَسِخًا.
والطُّلسةُ: غُبرةٌ إلى سَوادٍ، وقيل: الأطلسُ: اللِّصُّ، شُبِّهَ بالذِّئبِ الذي تَساقَطَ شَعرُه، مِن أهلِ مَكَّةَ، كان يَخدُمُ أبا بَكرٍ في خِلافتِه، أي: كان يَقومُ على خِدمةِ أبي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه في زَمَنِ خِلافتِه، فلطَف به، أي: لعَلَّه كَما جاءَ موضَّحًا في رِوايةٍ أُخرى أنَّه طَلبَ مِن أبي بَكرٍ أن يُرسِلَه مَعَ ساعي الزَّكاةِ، وأبو بَكرٍ يَقولُ له: بَل تَجلسُ عِندَنا، وهو يَأبى إلَّا أن يُرسِلَه مَعَ السَّاعي، حتَّى بَعَثَ أبو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه مُصَدِّقًا فبَعَثَه مَعَه وأوصاه به، أي: أرسَل أبو بَكرٍ ساعيَ الصَّدَقةِ لجَمعِ الصَّدَقاتِ وأرسَل هذا الرَّجُلَ مَعَ السَّاعي، وأوصى أبو بَكرٍ السَّاعيَ بالرَّجُلِ خَيرًا أن يُحسِنَ إليه ويَلطُفَ به، فلبثَ الرَّجُلُ قَريبًا مِن شَهرٍ، أي: ظَلَّ مُنقَطِعًا عن أبي بَكرٍ مُدَّةَ شَهرٍ، ثُمَّ جاءَ يوضَعُ بعيرُه، أي: يَحمِلُ جَمَله على سُرعةِ السَّيرِ، قد قَطَعَه المُصَدِّقُ، أي: أنَّ ساعيَ الصَّدَقةِ الذي أرسَلَه أبو بَكرٍ قد قَطَعَ يَدَ الرَّجُلِ، فلمَّا رَأى أبو بَكرٍ الرَّجُلَ ويَدُه مَقطوعةٌ، قال له: وَيلَك! وهيَ كَلمةُ تَرَحُّمٍ وتَوجُّعٍ تُقالُ لمَن وقَعَ في هَلَكةٍ لا يَستَحِقُّها، ثُمَّ استُعمِلَت لمُجَرَّدِ الزَّجرِ، ما لك؟ أي: ما الذي جَرى لك، ولماذا قُطِعَت يَدُك؟ فقال الرَّجُلُ: يا أبا بَكرٍ، وجَدَني خُنتُ فريضةً، فقَطَعَ فيها يَدي! أي: أنَّ ساعيَك وجَدَني قد أخَذتُ مِنَ الزَّكاةِ التي هيَ الفريضةُ فقَطَعَ يَدي، فقال أبو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه: قاتَل اللهُ هذا الذي قَطَعَ يَدَك في فريضةٍ خُنْتَها، واللهِ إنِّي لأراه يَخونُ أكثَرَ مِن ثَلاثينَ فريضةً! أي: أنَّ أبا بَكرٍ صَدَّقَ الرَّجُلَ ودَعا على السَّاعي كَيف يَقطَعُ يَدَه في فريضةٍ ويَزعُمُ أنَّه خان فيها، وهو يَخونُ في أكثَرَ مِن ثَلاثينَ فريضةً! ثُمَّ قال أبو بَكرٍ: والذي نَفسي بيَدِه لئِن كُنتَ صادِقًا لأُقِيدَنَّك مِنه، أي: إذا ظَهَرَ صِدقُ كَلامِك فسَوف أقتَصُّ لك مِنَ السَّاعي، فمَكَثَ هذا الرَّجُلُ عِندَ أبي بَكرٍ بمَنزِلتِه التي بها، أي: مِن سابِقِ عَهدِه مِن خِدمةِ أبي بَكرٍ، وكان الرَّجُلُ يَقومُ فيُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ، أي: يَجتَهدُ ويَحرِصُ على قيامِ اللَّيلِ، فيتعارُّ، أي: يَستَيقِظُ ويَتَقَلَّبُ أبو بَكرٍ عن فِراشِه، فيَسمَعُ قِراءةَ الرَّجُلِ باللَّيلِ، فإذا سَمِعَ قِراءَتَه فاضَت عَيناه، أي: يَبكي أبو بَكرٍ مِن سَماعِه لقِراءةِ الرَّجُلِ، وقال: قاتَل اللهُ الذي قَطَعَ يَدَ هذا! أي: يَدعو على مَن قَطَعَ يَدَ الرَّجُلِ، كَيف قَطَعَ يَدَه وهو قانِتٌ قائِمٌ للهِ مُجتَهِدٌ في العِبادةِ؟! تَقولُ عائِشةُ: فبَينا نَحنُ على ذلك، أي: عِندَما كان أمرُنا على ذلك الحالِ وفي ذلك الوقتِ، طَرَقَت أسماءُ بنتُ عُمَيسٍ، وهيَ زَوجةُ أبي بَكرٍ.
الطَّارِقُ: هو الآتي باللَّيلِ، فسُرِقَ بَيتُها، أي: أنَّ أسماءَ بنتَ عُمَيسٍ جاءَ مَن سَرَقَ مِن بَيتِها في اللَّيلِ بَعضَ مَتاعِ البَيتِ ولم يَعرِفوا مَن هو، فلمَّا صَلَّى أبو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه صَلاةَ الفَجرِ قامَ في النَّاسِ، فقال: إنَّ الحَيَّ قد طُرِقوا اللَّيلَ فسُرِقوا، أي: أتاهم آتٍ فسَرَقَ بَعضَ ما عِندَهم، فانفضُّوا لابتِغاءِ مَتاعِهم، أي: قاموا يَبحَثونَ عنِ الشَّيءِ الذي سُرِقَ منهم.
تَقولُ عائِشةُ: فاستَأذَنَ علينا ذلك الأقطَعُ، أي: الرَّجُلُ القائِمُ اللَّيلِ، وأنا جالسةٌ في حِجالٍ، وهيَ بَيتٌ كالقُبَّةِ يُستَرُ بالثِّيابِ، فقال هذا الأقطَعُ: يا أبا بَكرٍ، سُرِقتُمُ اللَّيلةَ؟ فقال أبو بَكرٍ: نَعَم.
فرَفعَ الأقطَعُ يَدَه الصَّحيحةَ ويَدَه الجَذماءَ، أي: المَقطوعةَ، فقال: اللهُمَّ عَيِّنْ على سارِقِ أبي بَكرٍ، أي: أنَّه أخَذَ يَدعو اللهُ أن يُبَيِّنَ ويُظهِرَ مَن سَرَقَ بَيتَ أبي بَكرٍ، وفعَل ذلك حتَّى يُبعِدَ عن نَفسِه أيَّ شَكٍّ في كَونِه السَّارِقَ! قالت عائِشةُ: فواللهِ ما ارتَفعَ النَّهارُ، أي: انتَصَف، حتَّى أُخِذَتِ السَّرِقةُ مِن بَيتِه! أي: حتَّى بَحَثوا فوجَدوا المَسروقَ في بَيتِ هذا الأقطَعِ.
فأُتِيَ به أبو بَكرٍ، أي: جاؤوا بهذا الأقطَعِ إلى أبي بَكرٍ، فقال له أبو بَكرٍ: وَيحَك! واللهِ ما أنتَ باللهِ بعالمٍ.
وفي رِوايةٍ: إنَّك لقَليلُ العِلمِ باللهِ، أي: لم تَكُنْ أنتَ مِمَّن يَعلمونَ باللهِ حَقَّ عِلمِه؛ إذ لو كُنتَ تَعلمُ باللهِ حَقَّ عِلمِه لَما دَعَوتَ اللَّهَ أن يُظهرَ أمرَ السَّارِقِ، ولكِن لجَهلِك باللهِ فضَحَكَ اللهُ وأظهَرَ أمرَك.
ثُمَّ أمَرَ أبو بَكرٍ به وقال: اذهَبوا به فاقطَعوه، أي: اقطَعوا رِجلَه، كَما جاءَ مُبَيَّنًا في رِوايةٍ أُخرى؛ وذلك لكَونِه قد قُطِعَت يَدُه اليُمنى سابقًا، ومَن سَرَقَ مَرَّةً أُخرى لا تُقطَعُ يَدُه اليُسرى بَل رِجلُه، ووُجودُ الشَّيءِ المَسروقِ في مَنزِلِه دَليلٌ على أنَّه كان أقَرَّ مَعَ ذلك بسَرِقَتِه.
وفي الحَديثِ عَدَمُ الاغتِرارِ بالظَّاهرِ.
وفيه مَشروعيَّةُ إقامةِ العُقوبةِ بظُهورِ البَيِّنةِ والإقرارِ .
شرح مشكل الآثار للطحاوي (معتمد) (5/ 75)
كما حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب أن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته , أن رجلا مولدا أطلس من أهل مكة كان يخدم أبا بكر في خلافته , فلطف به حتى بعث أبو بكر رضي الله عنه مصدقا فبعثه معه , وأوصاه به , فلبث قريبا من شهر , ثم جاء يوضع بعيره قد قطعه المصدق , فلما رآه أبو بكر قال: " ويلك ما لك؟ " قال: يا أبا بكر , وجدني خنت فريضة فقطع فيها يدي , قال أبو بكر رضي الله عنه: " قاتل الله هذا الذي قطع يدك في فريضة خنتها , والله إني لأراه يخون أكثر من ثلاثين فريضة , والذي نفسي بيده , لئن كنت صادقا لأقيدنك منه " , فمكث عند أبي بكر بمنزلته التي بها كان يقوم فيصلي من الليل فيتعار أبو بكر عن فراشه , فإذا سمع قراءته فاضت عيناه وقال: " قاتل الله الذي قطع يد هذا " قالت: فبينا نحن على ذلك , طرقت أسماء بنت عميس فسرق بيتها , فلما صلى أبو بكر رضي الله عنه صلاة الفجر قام في الناس فقال: " إن الحي قد طرقوا الليل فسرقوا " , فانفضوا لابتغاء متاعهم , قالت: فاستأذن علينا ذلك الأقطع وأنا جالسة في حجال , فقال: يا أبا بكر , سرقتم الليلة؟ قال: " نعم " قال: فرفع يده الصحيحة ويده الجذماء فقال: اللهم عين على سارق أبي بكر , قالت: فوالله ما ارتفع النهار حتى أخذت السرقة من بيته , فأتي به أبو بكر فقال له: " ويحك , والله ما أنت بالله بعالم , اذهبوا به فاقطعوه ".
مسند عبد الله بن المبارك (ص: 88) 149 - حدثنا جدي، نا حبان، أنا عبد الله عن يونس , عن الزهري , أخبرني عروة , عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته , أن رجلا مولدا أطلس من أهل مكة كان لزم أبا بكر في خلافته فلطف به , حتى بعث أبو بكر مصدقا من الأنصار , فبعثه معه وأوصى به فلبث قريبا من شهرين , ثم جاء يوضع بعيره قد قطع المصدق يده , فلما رآه أبو بكر فاضت عيناه , وقال: ويلك ما لك؟ فقال: يا أبا بكر وجدني فريضة فقطع فيها يدي.
قال أبو بكر: قاتل الله هذا الذي قطع يدك في فريضة جنبها , والله إني لأراه كون أكثر من ثلاثين فريضة , والذي نفسي بيده , إن كنت صادقا لأقيدنك منه , قالت عائشة: فلبث عند أبي بكر بمنزلته التي كان بها قبل أن تقطع يده فيقوم فيصلي من الليل فيتعار أبو بكر عن فراشه فإذا سمع قراءته فاضت عيناه , وقال: قطع الله الذي قطع هذا.
قال: فبينما نحن كذلك , طرق حلي أسماء بنت عميس فسرق منها , فلما صلى أبو بكر الصبح قام في الناس , فقال: إن الحي قد طرقوا الليلة فسرقوا فأنفضوا لاتباع متاعهم , قالت: فاستأذن علينا ذلك الأقطع، فأذن له أبو بكر وأنا جالسة في الحجاب , فقال: يا أبا بكر , سرقتم الليل؟ قال أبو بكر: نعم.
فرفع يده الصحيحة ويده الجذماء , فقال: اللهم عثر على سارق أبي بكر , فقالت: فوالله ما ارتفع النهار حتى أخذت السرقة من بيته , فأتي به أبو بكر , فقال: ويحك , والله , ما أنت بالله بعالم اذهبوا فاقطعوا أرجله
سنن الدارقطني (4/ 245) 3403 - نا محمد بن إسماعيل الفارسي , نا إسحاق بن إبراهيم , نا عبد الرزاق , نا معمر , عن الزهري , عن عروة , عن عائشة , قالت: كان رجل أسود يأتي أبا بكر فيدنيه ويقرئه القرآن , حتى بعث ساعيا , أو قال سرية , فقال: أرسلني معه , قال: بل تمكث عندنا , فأبى , فأرسله معه واستوصاه به خيرا , فلم يغبر عنه إلا قليلا , حتى جاء قد قطعت يده , فلما رآه أبو بكر فاضت عيناه , فقال: ما شأنك؟ , قال: ما زدت على أنه كان يوليني شيئا من عمله فخنته فريضة واحدة فقطع يدي , فقال أبو بكر: تجدون الذي قطع هذا يخون أكثر من عشرين فريضة , والله لئن كنت صادقا لأقيدنك به , قال: ثم أدناه ولم يحول منزلته التي كانت له منه , قال: فكان الرجل يقوم بالليل يقرأ , فإذا سمع أبو بكر صوته , قال: بالله لرجل قطع هذا، قال: فلم يغبر إلا قليلا حتى فقد آل أبي بكر حليا لهم ومتاعا , فقال أبو بكر: طرق الحي الليلة , فقام الأقطع فاستقبل القبلة ورفع يده الصحيحة والأخرى التي قطعت , فقال: اللهم أظهر علي من سرقهم أو نحو هذا - وكان معمر ربما قال: اللهم أظهر علي من سرق أهل هذا البيت الصالحين - قال: فما انتصف النهار حتى عثروا على المتاع عنده , فقال له أبو بكر: ويلك إنك لقليل العلم بالله , فأمر به فقطعت رجله.