عن ابنِ مسعودٍ أنَّهُ قيلَ لَهُ: إنَّكَ لتُقلُّ الصِّيامَ؟ فقالَ: إنِّي أخافُ أن يُضعِفَني عنِ القراءةِ، والقراءةُ أحبُّ إليَّ منَ الصِّيامِ
أخرجه سعيد بن منصور كما في ((إرشاد الساري)) (3/ 406).
مِن رَحمةِ اللهِ بعِبادِه أنَّه نَوَّعَ لهمُ العِباداتِ الكَثيرةَ مِن صَلاةٍ وصيامٍ وقِراءةِ قُرآنٍ وغَيرِها، وحَثَّهم سُبحانَه أن يَجتَهِدوا فيها جَميعًا، وبَعضُ النَّاسِ فُتِح له بابُ كَثرةِ الصِّيامِ دونَ القيامِ، وبَعضُهم فُتِح له بابُ قِراءةِ القُرآنِ دونَ الصِّيامِ، وهَكَذا، وكُلٌّ خَيرٌ؛ ولهذا جاءَ عن ابنِ مَسعودٍ أنَّه قيل له: إنَّك لتُقِلُّ الصِّيامَ؟ أي: لا نَراك تَصومُ مِنَ التَّطَوُّعِ كَثيرًا، وقد عَلمَ ما في صيامِ التَّطَوُّعِ مِنَ الفَضلِ العَظيمِ، فقال عَبدُ اللَّهِ بنُ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه: إنِّي أخافُ أن يُضعِفَني عنِ القِراءةِ، أي: إنَّني أخشى إن أكثَرتُ مِن سَردِ صيامِ التَّطَوُّعِ أن يُؤَدِّيَ ذلك بي إلى الضَّعفِ في جِسمي، فأضعُفُ عن قِراءةِ القُرآنِ، والقِراءةُ أحَبُّ إليَّ مِنَ الصِّيامِ، أي: وأنا أحَبُّ كَثرةَ قِراءةِ القُرآنِ؛ فلذلك أُقدِّمُه على كَثرةِ الصِّيامِ، وأمَّا إذا كان الشَّخصُ لا يَفوتُه شَيءٌ مِنَ الأعمالِ الصَّالحةِ بالصِّيامِ أصلًا، ولا يَفوتُه حَقٌّ مِنَ الحُقوقِ التي خوطِبَ بها، فهذا قد يَكونُ الصِّيامُ في حَقِّه أرجَحَ، وعلى هذا فيَختَلفُ ذلك باختِلافِ الأشخاصِ والأحوالِ؛ فمَن يَقتَضي حالُه الإكثارَ مِنَ الصَّومِ أكثَرَ مِنه، ومَن يَقتَضي حالُه الإكثارَ مِنَ الإفطارِ أكثَرَ مِنه، ومَن يَقتَضي حالُه المَزجَ فَعَلَه، حتَّى إنَّ الشَّخصَ الواحِدَ قد تَختَلفُ عليه الأحوالُ في ذلك.
وفي الحَديثِ تَركُ سَردِ صيامِ التَّطَوُّعِ لمَن كان الصَّومُ يُضعِفُه عن بَقيَّةِ الأعمالِ الصَّالحةِ .