- ابن عباسٍ قال : إذا طلّق الرجلُ امرأتَه تطليقتين فليتقِّ اللهَ في الثالثةِ، فإما أن يُمسكَها فيحسنَ صحبتَها أو يسرّحَها فلا يظلمْها من حقِّها شيئًا

الدلالات الموضوعية:# طلاق - طلاق الثلاث# نكاح - حق المرأة على الزوج# مظالم - تحريم الظلم
المصدر: فتح الباري لابن حجر
الراوي: -
المحدث: ابن حجر العسقلاني
الحكم:إسناده صحيح

الشرح والتوضيح

شَرعَ اللهُ عَقدَ الزَّواجِ وسَمَّاه ميثاقًا غَليظًا؛ وذلك لِما يَقتَضيه هذا العَقدُ بَينَ الزَّوجَينِ من حُقوقٍ وواجِباتٍ، على كُلٍّ منهما أنَّ يُؤَدِّيَها حتَّى تَستَقيمَ الحَياةُ الزَّوجيَّةُ، ولكِن أحيانًا قد يَحصُلُ ما يُعَكِّرُ صَفوَ هذه الحَياةِ الزَّوجيَّةِ من مَشاكِلَ وخُصوماتٍ لا حَلَّ لها أحيانًا إلَّا بالطَّلاقِ، فشَرع اللهُ الطَّلاقَ، وشَرَعَ له أحكامًا حتَّى يَقَعَ طلاقًا صحيحًا تَتَرَتَّبُ عليه آثارُه، ومن تلك الأحكامِ: أنَّ اللَّهَ جَعَل الطَّلاقَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ حتَّى يَكونَ هناكَ خيارٌ للرَّجُلِ أن يَرجِعَ زَوجَتَه؛ فلعَلَّه يُغَيِّرُ رَأيَه، أو يَصلُحُ حالُ وشَأنُ المَرأةِ، أمَّا إذا طَلَّقَ الثَّلاثَ الطَّلقاتِ فقد انتَهى الأمرُ، كما قال تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} [البَقَرة: 230] .

وفي هذا الحَديثِ يَقولُ ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: إذا طَلَّقَ الرَّجُلُ امرَأتَه تطليقتَينِ فليَتَّقِ اللَّهَ في الثَّالثةِ، أي: بَقيَ له طَلقةٌ واحِدةٌ، وهيَ الطَّلقةُ الأخيرةُ، فعليه أن يَتَّقيَ اللَّهَ ولا يَستَعجِلَ بها، فإمَّا أن يُمسِكَها، أي: يُبقيَ المَرأةَ عِندَه بَعدَ مُراجَعَتِه لها المَرَّةَ الثَّانيةَ، فيُحسِنَ صُحبَتَها، أي: عِشرَتَها بالمَعروفِ والإكرامِ لها وعَدَمِ إيذائِها، كَما قال: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} والمَعروفُ: كُلُّ ما يُعرَفُ في الشَّرعِ، مِن أداءِ حُقوقِ النِّكاحِ وحُسنِ الصُّحبةِ، أو يُسَرِّحَها، أي: يُطَلِّقَها الطَّلقةَ الأخيرةَ، والسَّراحُ مِن ألفاظِ الطَّلاقِ، فلا يَظلِمَها مِن حَقِّها شَيئًا، أي: لم يَظلِمْها مِن حُقوقِها، وذلك أنَّه ليسَ له أن يُبقيَها عِندَه ويُؤذيَها أو يُسيءَ صُحبَتَها، فهذا ظُلمٌ، كَما قال تعالى: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}، والمَعنى: أنَّه إذا طَلَّقَها واحِدةً أوِ اثنَتَينِ، فهو مُخَيَّرٌ فيها ما دامَت عِدَّتُها باقيةً، بَينَ أن يَرُدَّها إليه ناويًا الإصلاحَ بها والإحسانَ إليها، وبَينَ أن يَترُكَها حتَّى تَنقَضيَ عِدَّتُها فتَبِينَ مِنه، ويُطلِقَ سَراحَها مُحسِنًا إليها، لا يَظلِمُها مِن حَقِّها شَيئًا، ولا يُضارُّها.

وقد كان الرَّجُلُ في الجاهليَّةِ يُطلِّقُ الثَّلاثَ والعَشَرَ وأكثَرَ مِن ذلك، ليسَ له أمَدٌ، يُطلِّقُ الرَّجُلُ امرَأتَه مِئةً، ثُمَّ إن أرادَ أن يُراجِعَها قَبلَ أن تَحِلَّ كان ذلك له، وطَلَّق رَجُلٌ امرَأتَه حتَّى إذا كادَت أن تَحِلَّ ارتَجَعَها، ثُمَّ استَأنَف بها طَلاقًا بَعدَ ذلك ليُضارَّها بتَركِها، حتَّى إذا كان قَبلَ انقِضاءِ عِدَّتِها راجَعَها.

وصَنَعَ ذلك مِرارًا، فلمَّا عَلمَ اللهُ ذلك مِنه جَعَل الطَّلاقَ ثَلاثًا: مَرَّتَينِ، ثُمَّ بَعدَ المَرَّتَينِ إمساكٌ بمَعروفٍ، أو تَسريحٌ بإحسانٍ.

وفي الحَديثِ بَيانُ أنَّ الطَّلاقَ ثَلاثٌ.

وفيه أنَّه ليسَ للزَّوجِ أن يَظلِمَ زَوجَتَه إذا أبغَضَها وكان قد طَلَّقَها طَلقَتَينِ؛ فإمَّا أن يُحسِنَ صُحبَتَها، أو يُطَلِّقَها .

أحاديث ذات صلة