أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ قضى في رجلٍ ادَّعاه رجلانِ كلاهما يزعُمُ أنه ابنُه وذلك في الجاهليةِ فدعا عمرُ أمَّ الغلامِ المُدعَّى فقال أُذكِّركِ بالذي هداكِ للإسلامِ لأيِّهما هو قالتْ لا والذي هداني للإسلامِ ما أدري لأيهما هو أتاني هذا أولَ الليلِ وأتاني هذا آخرَ الليلِ فما أدري لأيهما هو قال فدعا عمرُ من القافةِ أربعةً ودعا ببطحاءَ فنثَرها فأمر الرَّجُلَينِ المُدَّعِيينِ فوطئَ كلُّ واحدٍ منهما بقدمٍ وأمر المُدَّعَى فوطئَ بقدمٍ ثم أراهُ القافةَ قال انظُروا فإذا أتيتُم فلا تتكلَّموا حتى أسألَكم قال فنظر القافة فقالوا قد أثْبَتْنا ثم فرَّق بينهم ثم سألهم رجلًا رجلًا قال فتقادَعوا يعني فتتابعوا الأصلَ فتبايعوا كلُّهم يشهد أنَّ هذا لمِن هذينِ قال فقال عمرُ يا عجبًا لما يقولُ هؤلاءِ قد كنتُ أعلمُ أنَّ الكلبةَ تُلَقَّحُ بالكلابِ ذواتِ العَددِ ولم أكن أشعرُ أن النساءَ يفعلْنَ ذلك قبل هذا إني لا أردُّ ما يرَونَ اذهبْ فهما أبواكَ

الدلالات الموضوعية:# أيمان - لفظ اليمين وما يحلف به# نكاح - الولد يدعيه الرجلان كيف الحكم فيه# القافة - أحكام القافة# نكاح - اعتبار قول القائف# القافة - التحاق الولد بوالديه بالقافة
المصدر: إرواء الغليل
الراوي: أبو المهلب عم أبي قلابة
المحدث: الألباني
الحكم:إسناده صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (6172)

الشرح والتوضيح

جاءَتِ الشَّريعةُ بحِفظِ الأنسابِ، بأن لا يُنسَبَ الشَّخصُ إلَّا إلى أبيه؛ فقد كان في الجاهليَّةِ تَختَلطُ الأنسابُ بالزِّنا؛ حَيثُ يَزني جَماعةٌ مِنَ الرِّجالِ بامرَأةٍ، ثُمَّ تَأتي بولدٍ فيَشتَبهونَ لمَن يَكونُ، فكُلُّ واحِدٍ يَدَّعي أنَّه ولدُه، فلمَّا جاءَ الإسلامُ حَرَّم الزِّنا، وإذا وُجِدَ ولَدٌ ادَّعاه رَجُلانِ، بأن قال كُلُّ واحِدٍ مِنهما: هو ابني، فعِندَ ذلك يُحكَمُ بما قَضى به عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه؛ وذلك أنَّ رَجُلينِ في زَمَنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه ادَّعَيا رَجُلًا، كِلاهما يَزعُمُ أنَّه ابنُه، وذلك في الجاهليَّةِ، أي: أنَّه ابنُه مِن أيَّامِ الجاهليَّةِ عِندَما كان الزِّنا مُنتَشِرًا، فزَنا الرَّجُلانِ بامرَأةٍ أيَّامَ الجاهليَّةِ، فأتَت بوَلَدٍ، فكُلُّ واحِدٍ مِنهما يَقولُ: هو ابنُه، فتَرافَعا إلى عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه ليَقضيَ بَينَهما، فدَعا عُمَرُ أمَّ الغُلامِ المُدَّعى، فقال لها: أُذَكِّرُك بالذي هَداكِ للإسلامِ: لأيِّهما هو؟ أي: أسألُك باللهِ الذي شَرَحَ صَدرَك للإسلامِ ابنُ مَن هذا الغُلامُ؟ وذلك لأنَّ المَرأةَ هيَ أدرى النَّاسِ بالغُلامِ، وبمَن زنا بها، فتَستَطيعُ أن تُبَيِّنَ مَن أبوه، فإذا بَيَّنَت ذلك انقَطَعَ النِّزاعُ ونُسِب الوَلَدُ لمَن أخبَرَت به المَرأةُ، فقالتِ المَرأةُ: لا والذي هَداني للإسلامِ ما أدري لأيِّهما هو، أي: أُقسِمُ باللهِ أنِّي لا أعرِفُ لمَن يَكونُ هذا الغُلامُ مِنَ الرَّجُلينِ، وذلك أنَّ أحَدَ الرَّجُلينِ أتاني أوَّلَ اللَّيلِ، أي: جامَعني أوَّلَ اللَّيلِ، والرَّجُلُ الآخَرُ جامَعَني آخِرَ اللَّيلِ في ليلةٍ واحِدةٍ، فما أدري لأيِّهما هو، أي: فاختَلطَ ماءُ الرَّجُلينِ مَعًا؛ فلذلك لا أعرِفُ لمَن هو.

فعِندَ ذلك دَعا عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه مِنَ القافةِ أربَعةً، والقائِفُ: هو الذي يَتَتَبَّعُ الآثارَ ويَعرِفُها، ويَعرِفُ شَبَهَ الرَّجُلِ بأخيه وأبيه، ثُمَّ دَعا ببَطحاءَ، أي: الحَصى الصِّغارِ اللِّينِ في بَطنِ الوادي، ونَثرها، أي: صَبَّ وألقى هذه الحَصى على الأرضِ، ثُمَّ أمَرَ الرَّجُلينِ المُدَّعيَينِ فوطِئَ كُلُّ واحِدٍ مِنهما بقَدَمٍ، أي: داسَ كُلٌّ مِنهما على الأرضِ بقدَمِه حتَّى تَترُكَ أثَرًا على الرَّملِ، ثُمَّ أمَرَ الوَلَدَ المُدَّعى فوطِئَ بقدَمٍ، أي: جَعَله يَدوسُ الأرضَ حتَّى يَجعَلَ القافةَ تَستَخرِجُ شَبَهَ الولدِ لأحَدِ الرَّجُلينِ مِن خِلالِ وطءِ أقدامِهم، ثُمَّ أرى عُمَرُ القافةَ البَطحاءَ وعليها آثارُ الأقدامِ، وقال لهم: انظُروا فيها، فإذا أتَيتُم فلا تَتَكَلَّموا حتَّى أسألَكُم، أي: إذا تَأمَّلتُم هذه الأقدامَ وعَرَفتُمُ الشَّبَهَ لمَن يَكونُ فلا تَتَحَدَّثوا حتَّى أسألَكُم بنَفسي.

فنَظَرَ القافةُ إلى آثارِ تلك الأقدامِ ثُمَّ قالوا لعُمَرَ: قد أثبَتنا، أي: قد عَرَفنا وتَبَيَّنَّا حَقيقةَ الأمرِ، ثُمَّ فرَّقَ عُمَرُ بَينَ هَؤُلاءِ القافةِ الأربَعةِ، وسَأل كُلَّ واحِدٍ مِنهم على انفِرادٍ رَجُلًا رَجُلًا: لمَن يَكونُ نَسَبُ هذا الولدِ.

فتَقادَعَ القافةُ، التَّقادُعُ: التَّتابُعُ والتَّهافُتُ في الشَّيءِ، كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَدفعُ صاحِبَه لكَي يَسبقَه، أي: تتابَعوا كُلُّهم يَشهَدُ ويُخبرُ أنَّ هذا الوَلَدَ مِن هَذَينِ الرَّجُلينِ، أي: أنَّ الوَلَدَ تَخلَّق مِن مَنيِّ الرَّجُلينِ مَعًا، فقال عُمَرُ: يا عَجَبًا لِما يَقولُ هؤلاء! أي: تَعجَّب مِنِ اتِّفاقِ كَلمةِ القافةِ على أنَّ الولدَ للرَّجُلينِ، ثُمَّ قال: قد كُنتُ أعلمُ أنَّ الكَلبةَ تُلقَحُ بالكِلابِ ذَواتِ العَدَدِ، أي: الكَلبةُ تُلقَحُ مِن عِدَّةِ كِلابٍ ثُمَّ تَلِدُ، فيَتَمَيَّزُ كُلُّ كَلبٍ لأبيه، وجاءَ في رِوايةٍ أنَّه قال: قد كانتِ الكَلبةُ يَنزو عليها الكَلبُ الأسودُ والأصفرُ والأحمَرُ، فتُؤَدِّي إلى كُلِّ كَلبٍ شَبَهَه، ولم أكُنْ أشعُرُ، أي: أظُنُّ، أنَّ النِّساءَ يَفعَلنَ ذلك قَبلَ هذا، أي: يَقَعُ مِثلُ ذلك للنِّساءِ، وأنَّه يُمكِنُ أن تَتَلقَّحَ المَرأةُ مِن مَنيِّ أكثَرَ مِن رَجُلٍ في وقتٍ واحِدٍ! ثُمَّ قال: إنِّي لا أرُدُّ ما يَرَونَ، أي: لا أنفي وأُبطِلُ ما قاله هؤلاء القافةُ؛ لكَونِهم أهلَ خِبرةٍ وتَجرِبةٍ، وكَونِهم أربَعةً بمَقامِ أربَعةِ شُهودٍ، وقد شَهدوا شَهادةً مُتَّفِقةً، فلا يَصِحُّ أن نَرُدَّها ولا نُبطِلَها، ثُمَّ قال للوَلَدِ: اذهَبْ فهما أبَواك، أي: أنَّك تُنسَبُ إليهما جَميعًا، فيَرِثُهم ويَرِثونَه.

وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ العَمَلِ بالقيافةِ عِندَ اشتِباهِ الأنسابِ.

وفيه أنَّ الولدَ يُلحَقُ بمَن أُلحِقَ به مِنَ الرِّجالِ وإن كانوا أكثَرَ مِن واحِدٍ.

وفيه بَيانُ كَيف الحُكمُ إذا ادَّعى عِدَّةُ أشخاصٍ وَلَدًا .

الأصول والأحكام

[شرح معاني الآثار - ط مصر] (4/ 163) :

‌6172 - حدثنا أبو بكرة قال: ثنا سعيد بن عامر ، قال: حدثني عوف بن أبي جميلة ، عن أبي المهلب ، أن عمر بن الخطاب قضى في رجل ادعاه رجلان ، كلاهما يزعم أنه ابنه ، وذلك في الجاهلية.

فدعا عمر أم الغلام المدعى ، فقال: أذكرك بالذي هداك للإسلام ، لأيهما هو؟ .

قالت: لا والذي هداني للإسلام ، ما أدري لأيهما هو؟ أتاني هذا أول الليل ، وأتاني هذا آخر الليل ، فما أدري لأيهما هو؟ .

قال: فدعا عمر من القافة أربعة ، ودعا ببطحاء فنثرها ، فأمر الرجلين المدعيين فوطئ كل واحد منهما بقدم ، وأمر المدعى فوطئ بقدم ، ثم أراه القافة قال: انظروا فإذا أتيتم فلا تتكلموا ، حتى أسألكم قال: فنظر القافة ، فقالوا: قد أثبتنا ، ثم فرق بينهم ، ثم سألهم رجلا رجلا قال: فتقادعوا ، يعني فتبايعوا ، كلهم يشهد أن هذا لمن هذين.

قال: فقال عمر: يا عجبا لما يقول هؤلاء ، قد كنت أعلم أن الكلبة تلقح بالكلاب ذوات العدد ، ولم أكن أشعر أن النساء يفعلن ذلك قبل هذا ، إني لا أرد ما يرون ، اذهب فهما أبواك

أحاديث ذات صلة