- عن ابنِ عباسٍ قال : جاء مالكُ بنُ الصيفِ وجماعةٌ من الأحبارِ فقالوا : يا محمدُ ألست تزعمُ أنك على ملةِ إبراهيمَ وتؤمنُ بما في التوراةِ وتشهدُ أنها حقٌّ ؟ قال : بلى ولكنكم كتمتم منها ما أُمرتم ببيانِه، فأنا أبرأُ مما أحدثتموهُ.

قالوا : فإنَّا نتمسكُ بما في أيدينا من الهدىِ والحقِّ ولا نُؤمنُ بكَ ولا بما جئتَ بهِ، فأنزل اللهُ هذه الآيةَ لَسْتُمْ عَلَى شَيٍء حَتَّى تُقِيمُوْا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ

الدلالات الموضوعية:# تفسير آيات - سورة المائدة# قرآن - أسباب النزول
المصدر: فتح الباري لابن حجر
الراوي: سعيد بن جبير
المحدث: ابن حجر العسقلاني
الحكم:إسناده حسن

بيانات التخريج:

أخرجه ابن أبي حاتم في ((التفسير)) (6618)، والطبري في ((جامع البيان)) (8/ 572) باختلاف يسير

الشرح والتوضيح

نَبيُّنا مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو خاتَمُ الأنبياءِ والمُرسَلينَ، فلَيسَ بَعدَه نَبيٌّ، أرسَلَه اللهُ تعالى للنَّاسِ كافَّةً، وفَرَض عليهم سُبحانَه أن يُؤمِنوا بهذا النَّبيِّ الخاتَمِ، وأخبَرَ أنَّ الهدايةَ في اتِّباعِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158] ؛ ولهذا كان الواجِبُ على مَن سَمِعَ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أصحابِ الدِّياناتِ السَّابقةِ أن يُؤمِنوا به، فلا يَصِحُّ أيُّ دينٍ بَعدَ بَعثَتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فشَريعَتُه ناسِخةٌ لجَميعِ الشَّرائِعِ السَّابقةِ ومُهَيمِنةٌ عليها، وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّه جاءَ مالِكُ بنُ الصَّيفِ وجَماعةٌ مِنَ الأحبارِ، أي: مِن عُلماءِ اليَهودِ، وجاءَ في رِوايةٍ أنَّهم: رافِعُ بنُ جاريةَ، وسَلامُ بنُ مِشكَمٍ، ورافِعُ بنُ حَرمَلةَ، إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقالوا له: يا مُحَمَّدُ، ألستَ تَزعُمُ أنَّك على مِلَّةِ إبراهيمَ، أي: دينِ إبراهيمَ، وتُؤمِنُ بما في التَّوراةِ، أي: التي أُنزِلَت على موسى عليه السَّلامُ، وتَشهَدُ أنَّها حَقٌّ؟ أي: تُقِرُّ بأنَّ التَّوراةَ التي نَزَلت على موسى حَقٌّ وصِدقٌ.

ومَقصودُهم بذلك أن يَقولوا إنَّهم على حَقٍّ ولا يَجِبُ عليهمُ الإيمانُ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما داموا مُؤمِنينَ بإبراهيمَ وبما في التَّوراةِ.

فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بَلى، أي: أنا على مِلَّةِ إبراهيمَ وأُؤمِنُ بالتَّوراةِ وأنَّ ما فيها حَقٌّ، ولكِنَّكُم كَتَمتُم مِنها ما أُمِرتُم ببَيانِه، أي: أنتُمُ الأحبارُ كَتَمتُم وأخفيتُم ما أمَرَ اللَّهُ تعالى ببَيانِه مِن خَبَرِ النَّبيِّ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ووُجوبِ الإيمانِ به.

فأنا أبرَأُ مِمَّا أحدَثتُموه، أي: أُعلِنَ براءتي مِن أيِّ شَيءٍ أدخَلتُموه في التَّوراةِ على ما أنزَله اللهُ فيها.

فقال الأحبارُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فإنَّا نَتَمَسَّكُ بما في أيدينا مِنَ الهدى والحَقِّ، ولا نُؤمِنُ بك ولا بما جِئتَ به، أي: نَحنُ سَنَقتَصِرُ على اتِّباعِ الكِتابِ الذي مَعنا فقَط ولا نُؤمِنُ بك ولا بدينِك، وهذا أمرٌ لا يَنفعُهم ما لم يُؤمِنوا بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ ولذلك أنزَل اللهُ هذه الآيةَ: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} أي: لستُم على شَيءٍ مِنَ الدِّينِ حتَّى تُؤمِنوا بجَميعِ ما بأيديكُم مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلةِ مِنَ اللهِ على الأنبياءِ، وتَعمَلوا بما فيها، ومِمَّا فيها الأمرُ باتِّباعِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والإيمانُ بمَبعَثِه، والاقتِداءُ بشَريعَتِه {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [المائدة: 68] ، أي: وتُؤمِنوا أيضًا بالقُرآنِ العَظيمِ.

وفي الحَديثِ بَيانُ مَعرِفةِ اليَهودِ بنُبوَّةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه بَيانُ العِنادِ الذي عِندَ اليَهودِ بعَدَمِ إيمانِهم بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه بَيانُ كَتمِ اليَهودِ لِما أُنزِل عليهم.

وفيه بَيانُ صِحَّةِ التَّوراةِ التي أُنزِلَت على موسى قَبلَ تَحريفِ وتَبديلِ اليَهودِ لها.

وفيه أنَّ أهلَ الكِتابِ لا يُقبَلُ مِنهم إيمانُهم بأنبيائِهم إذا لم يُؤمِنوا بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .

الأصول والأحكام

تفسير ابن أبي حاتم (4/ 1174) :

6618 - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا أبو غسان زنيج، ثنا سلمة قال: قال محمد بن إسحاق وحدثني محمد بن أبي محمدمولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن جارية وسلام بن مشكم، ومالك بن الضيف، ورافع بن حرملة.

فقالوا يا محمد ‌ألست ‌تزعم ‌أنك ‌على ‌ملة ‌إبراهيم ودينه وتؤمن بما عندنا من التوراة وتشهد أنها حق من الله قال: بلى، ولكنكم أخذتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق وكتمتم منها ما أمرتم أن تبينوه للناس.

فتبرأت من أحداثكم.

فقالوا: فإنا نأخذ ما في أيدينا فإنا على الهدى والحق ولا نؤمن بك ولا نتبعك.

فأنزل الله تعالى فيهم قل يا أهل الكتاب لستم على شيء

تفسير الطبري (8/ 572) :

حدثنا هناد بن السري وأبو كريب، قالا: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا محمد ابن إسحاق، قال: ثنى محمد بن أبى محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ، قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن حارثة، وسلام بن مشكم، ومالك بن الصيف، ورافع بن حريملة، فقالوا: يا محمد، ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من الله حق؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها، مما أخذ عليكم من الميثاق، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبينوه للناس، وأنا برئ من أحداثكم".

قالوا: فإنا تأخذ بما في أيدينا، فإنا على الحق والهدى، ولا نؤمن بك ولا نتبعك.

فأنزل الله: {قل ياأهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم} إلى: {فلا تأس على القوم الكافرين}.

أحاديث ذات صلة