أتيتُ أبا ذرٍّ رضيَ اللهُ عنه وهو عند الجمرةِ الوُسطَى ، وقد اجتمع الناسُ يستفتونَه ، فجاءَه رجلٌ فوقف عليه فقال : ألم يَنهَكَ أميرُ المؤمنينَ عن الفُتيا ؟ قال : فرفع رأسَه إليه فقال : أَرَقيبٌ أنت عليَّ ، لو وضعتُم الصِّمصامةَ على هذه – وأشار إلى قَفاه – ثم ظننتُ أني أُنفذُ كلمةً سمعتُها من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قبل أن تُجيزوا عليَّ لأَنْفذْتُها

الدلالات الموضوعية:# علم - سماع الحديث وتبليغه# اعتصام بالسنة - الأمر بالتمسك بها# علم - فضل من تعلم وعلم غيره ونشر العلم# اعتصام بالسنة - نقل السنة وروايتها# إمامة وخلافة - التسمية بأمير المؤمنين
المصدر: المطالب العالية
الراوي: أبي بن كعب
المحدث: ابن حجر العسقلاني
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم بعد حديث (67)، وأخرجه موصولاً الدارمي (545).

الشرح والتوضيح

كان الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم يَحرِصونَ على نَشرِ العِلمِ والخَيرِ للنَّاسِ ويُبَلِّغونَه مَن بَعدَهم مِنَ التَّابِعينَ لعَلَّ اللَّهَ أن يَنفَعَهم بما يَسمَعونَه مِنَ الخَيرِ، ومِنَ السُّنَنِ التي جاءَت عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ أبو كَثيرٍ أنَّه سَمِعَ أباه يَقولُ: أتَيتُ أبا ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه وهو عِندَ الجَمرةِ الوُسطى، أي: مِنَ الجِمارِ الثَّلاثِ التي في مِنًى، وقدِ اجتَمَعَ النَّاسُ يَستَفتونَه، أي: يَسألونَه وهو يُجيبُهم، فجاءَ رَجُلٌ فوقَف على أبي ذَرٍّ وقال له: ألم يَنهَك أميرُ المُؤمِنينَ عنِ الفُتيا؟ أي: لماذا تُفتي النَّاسَ وقد مَنَعَك أميرُ المُؤمِنينَ مِنَ الفُتيا؟ وجاءَ في رِوايةٍ أنَّ الذي نَهاه عنِ الفُتيا هو عُثمانُ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه، فرَفعَ أبو ذَرٍّ رَأسَه إلى الرَّجُلِ، وقال له: أرَقيبٌ أنتَ علَيَّ؟ أي: هَل أنتَ مُسَلَّطٌ عليَّ ومُتابعٌ لأحوالي وشُؤوني وما أفعَلُه؟ ثُمَّ قال: لو وضَعتُمُ الصَّمصامةَ، أي: السَّيفَ القاطِعَ الذي لا يَنثَني، على هذه، وأشارَ إلى قَفاه، أي: أنَّكُم لو وضَعتُمُ السَّيفَ على رَقَبَتي حتَّى تَمنَعوني عنِ الفُتيا والحَديثِ، ثُمَّ ظَنَنتُ أنِّي أُنفِذُ كَلِمةً سَمِعتُها مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: ظَنَنتُ أنِّي أقدِرُ على إنفاذِ كَلِمةٍ، أي: تَبليغِها، قَبلَ أن تُجيزوا علَيَّ، أي: قَبلَ أن تَقطَعوا رَأسي، لأنفذتُها، أي: لأبلغَتُ تلك الكَلمةَ.

والمُرادُ به أن يُبَلِّغَ ما تَحمَّله في كُلِّ حالٍ ولا يَنتَهي عن ذلك ولو أشرَف على القَتلِ، وأرادَ رَضِيَ اللهُ عنه بذلك الحَضَّ على العِلمِ والاغتِباطَ بفَضلِه؛ حَيثُ سَهُل عليه قَتلُ نَفسِه في جَنبِ ما يَرجو مِن ثَوابِ نَشرِه وتَبليغِه.

وفي الحَديثِ الحَثُّ على تَعليمِ العِلمِ ونَشرِه واحتِمالِ المَشَقَّةِ فيه والصَّبرِ على الأذى طَلبًا للثَّوابِ.

وفيه أنَّ أبا ذَرٍّ كان لا يَرى طاعةَ الإمامِ إذا نَهاه عنِ الفُتيا؛ لأنَّه كان يَرى أنَّ ذلك واجِبٌ عليه لأمرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالتَّبليغِ عنه.

وفيه أنَّه يُشرَعُ للعالمِ أن يَجتَهِدَ في الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عنِ المُنكَرِ ويَحتَمِلَ الأذى ويَحتَسِبَه رَجاءَ ثَوابِ اللهِ .

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (1/ 24) ((‌‌باب: العلم قبل القول والعمل لقول الله تعالى {فاعلم أنه لا إله إلا الله} فبدأ بالعلم، وأن العلماء هم ورثة الأنبياء ورثوا العلم، من أخذه أخذ بحظ وافر، ومن سلك طريقا يطلب به علما سهل الله له طريقا إلى الجنة.

وقال جل ذكره: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} وقال: {وما يعقلها إلا العالمون} {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} وقال: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من يرد الله به خيرا يفهمه وإنما العلم بالتعلم.

وقال أبو ذر: لو وضعتم الصمصامة على هذه وأشار إلى قفاه ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها.

وقال ابن عباس {كونوا ربانيين} حلماء فقهاء.

ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره)).

سنن الدارمي (1/ 146) 545- أخبرنا عبد الوهاب بن سعيد ثنا شعيب هو بن إسحاق ثنا الأوزاعي حدثني أبو كثير حدثني أبي قال: أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه فاتاه رجل فوقف عليه ثم قال ألم تنه عن الفتيا فرفع رأسه إليه فقال أرقيب أنت علي لو وضعتم الصمصامة على هذه وأشار إلى قفاه ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها.

أحاديث ذات صلة