أنَّهُ [أي عبدَ المطلِّبِ] قالَ: لا حتَّى أضربَ عليْها بالقداحِ ثلاثَ مرَّاتٍ فضربوا ثلاثًا ويقعُ القدحُ على الإبلِ فنُحرت ثمَّ ترِكت لا يُصدُّ عنْها إنسانٌ ولا يُمنعُ
مِمَّا جاءَ في السِّيرةِ النَّبَويَّةِ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو ابنُ الذَّبيحِ، وذلك أنَّ عَبدَ المُطَّلِبِ جَدَّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَّا أرادَ حَفرَ بئرِ زَمزَمَ مَنَعَته قُرَيشٌ مِن ذلك، ولم يَكُنْ له مِنَ الأولادِ مَن يُناصِرُه ويَقومُ مَعَه أمامَ قُرَيشٍ إلَّا وَلَدٌ واحِدٌ؛ فعِندَ ذلك نَذَر عَبدُ المُطَّلِبِ لئِن رَزَقَه اللهُ عَشَرةً مِنَ الأبناءِ ويَبلُغونَ سِنًّا يَقومونَ مَعَه ويَمنَعونَه مِن قُرَيشٍ ليَنحَرنَّ أحَدَهم للهِ عِندَ الكَعبةِ، فلمَّا رُزِقَ عَبدُ المُطَّلِبِ بعَشَرةٍ مِنَ الأبناءِ جَمعَهم ثُمَّ أخبَرَهم بنَذرِه، ودَعاهم إلى الوفاءِ للهِ عَزَّ وجَلَّ بذلك فأطاعوه، ثُمَّ كَتَبَ اسمَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم في قِدحٍ، وهو السَّهمُ الذي كانوا يَستَقسِمونَ به، ثُمَّ جَعَل عَبدُ المُطَّلِبِ يَستَقسِمُ بالقِدَاحِ عِندَ هُبَلَ بجِوارِ الكَعبةِ، وكان القِدحُ يَخرُجُ على ابنِه عبدِ اللَّهِ والِدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان أصغَرَ وَلَدِه، وأحَبَّهم إليه، فأخَذَ عَبدُ المُطَّلِبِ بيَدِ ابنِه عبدِ اللَّهِ وأخَذَ السِّكِّينَ حتَّى يَذبَحَه وفاءً بنَذرِه، فمَنَعَته قُرَيشٌ وطَلبوا مِنه أن يَذهَبَ إلى إحدى الكاهِناتِ، فلمَّا ذَهَبَ إليها وكان مِن أمرِها أنَّها سَألَتهم عن ديةِ الواحِدِ فيهم، فقالوا: عَشرٌ مِنَ الإبِلِ، فقالت: قَرِّبوا عَشرًا مِنَ الإبِلِ، ثُمَّ اضرِبوا عليها وعلى الوَلَدِ بالقِداحِ، فإن خَرَجَت على صاحِبِكُم فزيدوا مِنَ الإبِلِ حتَّى يَرضى رَبُّكُم، وإن خَرَجَت على الإبِلِ فانحَروها عنه؛ فقد رَضيَ رَبُّكُم ونَجا صاحِبُكُم، ففعَلوا ذلك، وكان في كُلِّ مَرَّةٍ يُقَرِّبونَ عَشرًا مِنَ الإبِلِ مَعَ عبدِ اللَّهِ، فيَخرُجُ القِدحُ الذي فيه عبدُ اللَّهِ ثُمَّ يَزيدونَ الإبِلَ عَشرًا، وفي كُلِّ مَرَّةٍ يَخرُجُ القِدحُ على عبدِ اللَّهِ، حتَّى بَلغَ عَدَدُ الإبِلِ مِئةً، فخَرَجَتِ الإبِلُ، فعِندَ ذلك قالت قُرَيشٌ لعَبدِ المُطَّلِبِ وهو قائِمٌ عِندَ هُبَلَ يَدعو اللَّهَ: قدِ انتَهى، رَضِيَ رَبُّك يا عَبدَ المُطَّلِبِ، فقال لهم عَبدُ المُطَّلِبِ: لا حتَّى أضرِبَ عليها بالقِداحِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، أي: بَل حتَّى أتَأكَّدَ تَمامَ التَّأكُّدِ أنَّ القِدحَ يَخرُجُ على الإبِلِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فعِندَ ذلك أطمَئِنُّ، فضَرَبوا القِداحَ ثَلاثًا، أي: كَرَّروها ثَلاثَ مَرَّاتٍ بَينَ مِئةِ الإبِلِ وبَينَ عَبدِ اللَّهِ، فوَقَع القِدحُ على الإبِلِ في كُلِّ المَرَّاتِ الثَّلاثِ، فعِندَ ذلك نُحِرَتِ الإبِلُ كُلُّها، ثُمَّ تُرِكَت لا يُصَدُّ عنها إنسانٌ ولا يُمنَعُ، أي: تُرِكَت لكُلِّ النَّاسِ يَأكُلونَ مِنها ويَأخُذونَ ما شاؤوا، لا أحَدَ يَمنَعُهم؛ ولذلك سُمِّيَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بابنِ الذَّبيحِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ قِصَّةِ عَبدِ المُطَّلِبِ في فِداءِ ابنِه عبدِ اللَّهِ بمِئةٍ مِنَ الإبِلِ .